“عودة الادارة الأهلية بدار المسيرية .. بقلم: علي جماع عبدالله
28 أكتوبر, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
105 زيارة
– بين نوستالجيا الماضي وتغيرات وتحديات الحاضر
– قراءة هادئة لقرار السيد والي غرب كردفان
في بداية التسعينات قرر المركز وببساطة إلغاء هيكل الادارة الاهلية الموروث منذ 1937 بديار المسيرية وتم تجزأة القبيلة كما هومعلوم من ثلاث نظارات فرعية وناظر عموم إلي سبع عشر نظاره! وعدد لا يحصي من العموديات والمشايخ . تم كل ذلك في نسق أفقي فاقد للرأس والقيادة يتساوي فيه الجميع في ممارسة السلطة والقيادة داخل القبيلة ومضي كل حزب وهم بمالديهم فرحون. وواضح ان ذلك الاجراء، والذي ساعد فيه بل نفذه نفر معروفون من ابناء القبيلة من قبل الالتزام الحزبي والعقدي، يشبه فتح بطن مريض بواسطة تيم جراحه جاهل وتركه داخل غرفة العمليات دون اتمام الجراحة أو الاهتمام بمآلاتها.
وفي اكتوبر الجاري تم اتخاذ قرار ابسط من سابقه بإعادة الهيكل القديم بنظاراته الفرعيه الثلاث وعلي رأسها ناظر العموم، وهي للعلم تختلف عن هيكل الجيران من قبيلة “حَمَر”وقاعدتهم الشراتي ، و الرزيقات وقاعدة نظاراتهم العمد مباشرة. هذه مقدمة قصدت منها تعريف بسيط للقارئ والمراقب السوداني البعيد عن حيثيات وطبيعة الموضوع وأبدا مداخلتي حول هذا القرار الهام والمفصلي فأقول:
أولاً: ليس من أغراضي هنا الاستغراق في تفاصيل صحة القرار من عدمه بعد أن تم اتخاذه فعلاً ، وكما علمت من أجهزة الاعلام، “بمبادرة” من أمراء المسيرية انفسهم. اذا تمالقرار بهذه الكيفية فعلاً فهو في حقيقته ، وبعيداً عن المماحكات السياسية، يعكس اشواق واماني المسيرية وقاعدتهم العريضة، وهذا قد لمسته كمراقب لرؤية الناس وتفسيرهم للفوضي التي سادت المنطقة لأكثر من عشرين عاماً نتيجة لقرار التشتيت.
ثانياً:- أود للحوار حول القرار والتدابير الجديدة المفضية لتطبيق الهيكل الناتج عنه أن يكون هادفا ، وموضوعياً ، وخالياً من الغرض ، ليتسني للجميع النظر بوضوح وموضوعية تساعد علي الخروج بهذا المجتمع الذي عاني كثيراً الي فضاء يستريح ويلتقط فيه انفاسه بعد احتراب واستقطاب انهك قواه وموارده . استمعت لبعض الحوارات العابرة حول القرار وفي معظمها كما هي العادة تتسم بلإنفعال وإطلاق الاوصاف والاحكام السريعة مثل قرار ” متهور” أو قرار ” عظيم” شجاع أو ” سئ ” ، وكلها في اعتقادي تطفح بالتجاوز المخل الذي لا يتسق مع التناول العلمي والمنطقي الصبور في مثل هذه الموضوعات التي تتصف بالتعقيد والحساسية السياسية والاجتماعية والتاريخية. يحضرني في هذا السياق رأي للمفكر والكاتب الضليع منصور خالد يقول فيه ” في أي حوار مع الاخر يجب ضبط المصطلح وإقامة الحجة والبرهان علي ماتقول” . وعليه أريد في الحوار حول الهيكل الجديد ضبط المصطلحات وإقامة الحجة مع وضد بدون الايغال في التبسيط والادانات والتجريح للأخرين.
ثالثاً:- دعاني للكتابة بعد صمت امتد سنوات ، وغربة مفروضة وذاتية حول ما يجري في الولاية ، ان قراري الحل والاعادة في اعتقادي تم اتخاذهما ببساطة برغم ما يحيط بهما من تعقيدات وترتيبات وجدل مجتمعي عميق لم يجد حظه من التناول والتداول الحي والموضوعي، وأمل ان أكون مخطئاً. وخطورة هذا التبسيط في اتخاذ القرارات والاجراءات يأتي في إطار من خلفية التشظي والاعادة بعد سنوات طويلة حافلة بالأحداث الدرامية بالمنطقة ، جرت خلالها كما يقولون مياه كثيره تحت جسور المسيرية بلون الدم فقدوا فيها المئات من خيرة الشباب والشيوخ وانتهي المطاف بالكثير منهم للتحلق حول هوامش المدن و معاناة الشتات في السودان العريض، مع ما صحب ذلك من تحول نوعي في النواحي الاجتماعية والقيمية والاقتصادية والسلوكية… حدث كل ذلك علي خلفية من التصدع في بنية القبيلة وضوابطها التقليدية فقد فيه المجتمع البدوي المسيري الكثير من التوازن والترابط الذي عرف به تاريخياً.
اعود فأقول: الا يستدعي كل ذلك حواراً هادئاً وموضوعياً اذا أردنا العودة للبيت القديم، بل أين هو هذا البيت أو الدار القديمة ؟ إن “النوستالجيا” (او الحنين للماضي) ظلت تحكم المزاج السوداني عامة والعروبي منه خاصة كامتداد لثقافة عربية قديمة تبدأ وتنتهي ب”قفا نبكي …” منذ الجاهلية. هذا المكون النفسي الماضوي الذي يعتقد ان ما ضينا دائماً هو بالضرورة الافضل في السياسة والاخلاق والتعليم والاعراف وحتي الأغاني،يؤثر لا شعورياً علي الكثير من احلامنا ، سياسية كانت ام ثقافية ام اجتماعية، يسنده الفشل والتداعي للسياسات والمؤسسات في الراهن حولنا اجتماعياً وسلوكياً وقتصادياً وأمنياً. هذا التداعي يشجع كثيراً علي استدعاء الماضي واسقاطه علي الحاضر بكل تعقيداته وما طرأ عليه من تغيرات جذرية وجوهرية سلبا وايجاباً. انها تبدو محاولة سريعة لتعبئة مشروبات جديدة في أواني قديمة قد علا بعضها الصدأ وتخللتها الثقوب في كل جانب.
رابعاً: قد نتوهم للحظة انه يمكن اعادة الماضي بكل ما يمثلة من تماسك في لحمة المجتمع القبلي واستقرار نسبي في مؤسسات الحكم والتحكم في الأمن والمعيشة ونزوع لتطبيق الاعراف واحترامها ، بواسطة قيادات توفر لها ما يعرف بالكاريزما والحكمة.. هذا الماضي بهذه الصورة الزاهية قد لا يجوز اسقاطه علي الحاضر بهذه البساطة ، حاضر تبدلت فيه صورة المجتمع ومفاهيمه ونظرته للحياة من حوله وبشكل جذرى. هنا تكمن الخطورة في بساطة الحل والعوده عنه وكأننا نتعامل مع واقع جامد غير متحرك فالاشياء ليست هي الاشياء والناس ليسوا هم ناس الامس. انني انتمي لجيل قد تخطي الستين.. وكما يقول “العطاوة” من الجيل الذي ( سار وحطَّ”. وقد شهدت الكثير علي مدي اكثر من أربعين عاماً من العمل العام ، نصفه كان مع المجتمع الرعوي في طول السودان وعرضه، وتوافرت لدي ملاخظات عن حركة هذا المجتمع ولا اسميها حقائق للحرص العلمي، فهي ببساطة ظواهر متحركة بعضها ذاتي نابع من التفاعلات داخل هذا المجتمع – في هذه الحالة المسيري – واخر خارجي يؤثر فيه وعليه. وفي إطار تداعيات هذا القرار الذي تم اتخاذه ارجو أن أوجز ملاحظاتي في التالي ، بهدف الاسهام في جملة الحوار الذي يدور هذه الايام بين نخب وجمهور قبيلة المسيرية وسلطات الولاية بعد ان اتسعت دوائر بركة الماء التي ظلت راكدة زمنا طويلاً فأوجز واقول:
1- انه يجدر بنا ، من قبيل الموضوعية والانصاف ، ان نقر بأن القرار كان في الاتجاه الصحيح ، وانه صادف هوي حتي في نفوس الذين يتصايحون الان ويتساءلون عن كيفية التطبيق ، ناسين انهم جزء من منظومة التفكير وطرح البدائل. سؤالي البديهي : من منا لم يحتج ويستنكر قرار تقسيم وتشتيت القبيلة قبل اكثر من عشرين عاماً ، لدواعي سياسية وامنية واستراتيجية جاء بها المركز منذ زمن الجنيد الاحمر؟ وبصرف النظر عن الجدل الدائر الان حول مدي الشوري أوعدمها في اتخاذ القرار فإن التفكير الموضوعي يجب ان ينصرف الان الي كيفية بناء اعادة الهيكل بالكيفية التي يمكن ان تستعيد للقبيلة تماسكها وترابطها وفعاليتها كمؤسسة حاضنة لأفرادها وسلوكهم اليومي وعلاقاتهم مع الاخر وقبوله.
2- كلنا يعلم ، وهنا لابد ان نستدعي شيئاً من التاريخ القريب ، أن الانقاذ وفي إطار مشروعها لتشكيل المجتمع السوداني عامه والتقيلدي خاصة ، وعن طريق وزارة تنمية المجتمع وقتها التي كان علي رأسها الاخ/ علي عثمان محمد طه قد اقامت مؤتمراًللإدارةالاهلية ، كان الهدف منه وقتها تفكيك هذه الحاضنة التقليدية للفكر الطائفي انصارياً كان أو ختمياً كقاعدة للولاء الحزبي للامة والاتحادي ومن ثم يمكن لمشروع الانقاذ السياسي ان يتغلغل في اكثر المجتمعات محافظة وولاء للطائفيه. كان نصيب قبيلة المسيرية مزدوجاً ومركباً من الناحية الامنية والسياسية. لكن الاخطر كان الفهم المركزي للأجهزة الامنية وتوظيف القبيلة واستغلال تاريخها وقدراتها القتالية العالية للقيام انابة عن الدولة بحماية الحدود الجنوبية وخطوط التماس مع الحركة الشعبية ، ومن ناحية اخري الاستيعاب من شبابها المقاتل حتي لا يتم استيعابه من قبلالحركات المسلحة . في إطار من هذا الفهم السياسي الامني البحت تم توظيف توكيل المهمة للموالين من ابناء القبيلة المتنفذين ، وبمساعدة تامة من الاجهزة المختصة لتنفيذ مشروع ما يمكن تسميته ب Pacification and utilization of Messeriya warriors in proxy wars.
وهو توجيه/تدجين واستغلال القبيلة في الحرب بالوكالة. وتم هذا بكل قوة دون مراعاة لهشاشه التركيبية القبيلية وحساسيتها في ذلك الجزء من الوطن. ودون الخوض في مزيد من التفاصيل وحتي لا تجرفني التفاصيل اقول ان التطبيق السياسي الامني المتعسف فوق خارطة مجتمع تقليدي شديد الهشاشة والحساسية وجامد الولاء ونمطي التفكير، قد نتجت عنه هزة عنيفة افقدته ليس توازنه الداخلي فحسب وانما كثيرا من ثقته في ابنائه المتعلمين والمتنفذين، الذين توزع ولاؤهم بين أهداف المركز العقدية السياسية والامنيةوطموحاتهم الذاتية التي تبلورت وتضخمت في ظل الفراغ السياسي والحزبي في إطار التنظيم الواحد. وهنا في إطار مشروع التجزأة للقبيلة الي سبع عشرة نظاره او إمارة توزعت وتمحورت ولاءات النخبة نفسهل بل وتقزمت وانكفأت في داخل كانتونات صغيرة بين النخب من التنظيم الواحد المؤتمر الوطني في المنطقة الغربية. هذا التنظيم الذي ساعد فيه ما يعرف في ب “كباتن الخرطوم” كان له أثر سلبي آخر وهام.(فكباتن الخرطوم) بدلاًمن ان يصبوا الجهد السياسي لابناء المسيرية داخل خريطة التنافس والتدافع السياسي الوطني العام لانتاج مجتمع مدني معافي في المنطقة كمقدمة للتغيير الايجابي الحقيقي،بدل ان يتم هذا من خلال ما نسميه Within the Sudanese political landscape(الفضاء السياسي السوداني) اتجه هذا التدافع بين النخب للاسف وانكفا داخلياً ليحدث مزيداً من الشظي والتمحور الاداري والقبلي والسياسي، واسوأ منه الامني ، والذي تبدي بصورته البشعة في الاحداث القبلية الاخيرة والمتكرره. لقد عزا الكثيرون من المحللين الامنين والسياسيين قسوة وتكرار وانتشار احداث العنف وسط هذه القبيلة لتنافس النخب او ” كباتن الخرطوم” اكثر منه صراع علي الموارد والتي لازالت وستظل تسع الجميع. وعليه فإن الحديث عن (عودة) الادارة الأهلية وبمعزل عما احاط ويحيط بها من تعقيدات داخلية وخارجية ودراستها بمعمق يستصحب التحولات السياسية والتي لازالت ماثلة بشخصياتها واهدافها ، بارتباطاتهم المحلية والمركزية، سيكون نوعاً من التفكير السلبي والمتسرع والذي قد يؤدي لحلقة مفرغة اخري من الفوضي.
3- النمط القديم في مواجهة مظاهر التغيير: يعتقد الكثير من الباحثينوالمهتمين بقضايا المجتمعات انه ليس هنالك شيئ ثابت مثل التغيير بل هو الحقية الثابتة الوحيدة. للذين ينادون بعودة الادارة الاهلية القديمة نرجوا ان نقول ان الجغرافيا ثابتة بينما التاريخ يتغير . والتاريخ هو فعل البشر. وبالتالي نقول انه خلال السته وعشرينعاماً الماضيين بديار المسيرية نشأ جيل جديد ذو وعي نسبي ومفاهيم جديدة وسط هذا المجتمع التقليدي. بعض هذا الجيل توفر له قدر من التعليم العالي ولكن أغلبه ” فاقد تربوي” ، وهذا ينطبق عليه قول برنادشو (ان نصف المعرفة اخطر من الجهل). هذا الجيل بنوعيه يبدو الان خارج الخريطة السياسية والقبلية التقليدية ، وهذه مفارقة . لكن في نفس الوقت وفي غياب حوار سياسي واجتماعي بدأ هذا الجيل في تشكيل الاحداث والتأثير فيها بطريقة قد تبدو مزعجة ، تبدت مظاهرها في الانفلات الامني في الاعوام السابقة ، أو الانضمام للحركات المسلحة، أو الانغماس في تجارة الحدود ومايرتبط بها من انشطة غير مشروعة. بكل هذهالتداعيات سيظل هؤلاء جزءاً أصيلاً من تشكيل خريطة الرأي العام داخل القبيلة ، و برغم طموحاتهم ومفاهيمهم المتقاطعة يتوجب استصحابهم في عملية الحوار المجتمعي الجارية الان حول كيفية عودة الادارة الاهلية” !
من ناحية اخري ، ولازلنا في إطار تحليل الظاهرة بهدف المساهمة في الحوار ، فإن الصورة للنظام الاهلي القديم للقبيلة ، وبرغم وقوفنا المبدئي مع القرار، فإنه يجب أن نسلم بأن بعضاً منه يمثل اشواقاً اكثر منه معالجة متكاملة لظاهرة العودة أو الحنين الي الماضي ومحاولة اسقاطه علي الحاضر بكل حركته وتغيراته النوعية والكمية، تبدو هي الاخري وكأنهاعجز عن مواجهة الواقع الراهن وتحدياته بالفرار الي تاريخ نتوهم انه ملئ بعظمة الرجال وتماسك مجتمعاتهم.
اننا يجب ألا ننسي هنا اننا لا نناقش الجغرافيا ( فلايته ، عجايرة، زرق) ولكننا نناقش التاريخ الاداري وهنا ننتقل من الثابت ، وهو الهيكل الجغرافي الاداري ، الي المتغير ، وهو التاريخ بشخوصه وافعاله واحداثه المتغيرة ، وهذا هو لب الحوار الجاري الان. فلا الرجال هم الرجال ولا اقدارهم ومفاهيمهم هي نفسها، فقد اهتزت الادارة الاهلية منذ مايو حد السقوط وفقدان التوازن. لقد وصف الحال أحد اساتذة الاقتصاد السياسي بجامعة الخرطوم فقال( لقد انتهت الشرعية التقليدية وسط هذه المجتمعات ولن تستطيع ان تحكم حتي لو عاد قادتها الاسطورين) . التعليم والوعي وحركة المجتمع واساليب الاتصال الحديث وانتشار السلاح وأساليب الكسب السياسي الرخيص احياناً وتجيش المجتمعات ، كلهاأفرزت واقعاً جديداً سيجابه رجل الادارة الاهلية العائد. ان العلاقة بين الحاكم والمحكوم في هذا العصر لا يحكمها القانون فقط بل تتشكل باكبر قاعدة من المستفيدين من سياسة الحاكم. وعليه ومن ناحية الادارة الاهلية كسلطة اهلية تقليدية فإن قوتها معنوية اكثر منها مادية علي طريقة ( انك لا تطلب الاحترام بل تحصل عليه أن كنت تستحقه). لقد استحق جيل الرواد الاحترام في زمانه لاسباب عديدة مواتيه كانت في صالحه حتي لا نظلم الجيل الحالي. لكن استدعاء تجربته وظروفه وقاعدة الاحترام التي توفرت له في الخمسينيات والستينات لوحدها لاتبدو في نظري كافيه. فالادارة الاهلية ان خرجت من غرفة الانعاش فانها تحتاج لفترة نقاهه قد تطول مع معينات كبيرة.
وأخيرا فلنسلم جدلاً بأننا مع عودة الهيكل القديم كحل بسيط وعملي ويوفر الوحدة والتناغم وحسن الادارة وقربها من الناس، ويوفر قدراً كبيراً من الندية مع القبائل الاخري ،فكيف السبيل الي التطبيق؟!
– آمل ان يركز الحوار في الوقت الحالي علي جدوي الهيكل ورؤية القاعدة حوله ، لانتحدث هنا عن الأشخاص بعد.
– انني أري ان الكلية الشورية يجب ان ترتكز علي العمد والذين يتشاورن مباشرة مع قواعدهم في غياب الامراء الذين قدموا استقالاتهم ، والذين أمل ان يظلوا بمعزل عن بلورة أراء القاعدة بواسطة العمد الا اذا طلب منهم ذلك.فالامراء وتجربتهم قد حكم عليها التاريخ من خلال استقالاتهم( الطوعية) ويجب الا يؤثروا علي ناتج الحوار الجديد الا بالقرار الذي يوجد البديل الافضل.
– ستظل النخب والمهاجر والاخرون في الشتات جزءاً من هذه الشوري ، والتي أرجو الا يقفوا بعيداً عنها يرسلون الانتقادات والحديث المرسل بدون التقدم بمقترحات عملية تخدم هذا التحول في ادارة القبيلة والذي سيمثل مرتكزاً في المستقبل يتدرج الي المجتمع المدني الذي ننشده في مرحلة الانتقال من البداوه للاستقرار.
– اتمني علي السيد الوالي ولجنة أمنه وأجهزته التنفيذية ان يصبروا علي مدة الشوري والتشاور بكل ماتقتضيه والا يستعجلوا علي تنفيذ الهيكل قبل ان يطمئنوا عليه وتطمئن القاعدة. و ستواجه حكومة الولاية بطبيعة الحال بمحورين اساسين في الاختيار:
(أ) اولئك الذين يتحدثون عن الوراثه علي طريقة ” النار أوقْدُوها فوق رمادها” وفي المقابل الرافضين للوراثة جملة وتفصيلاً. و بطبيعة الاشياء فإن هنالك طريقاً ثالثاً بينهما. فإن الوراثة اذا استوفت شروط القيادة فلا سبة عليها خاصة اذا وجدت سنداً شعبياً من قاعدة القبيلة. (ب) وفي الجانب الاخر فإن وعي الافراد في كثير من الاحيان قد تخطيالبيوتات التقليدية في التعليم والثروة والكسب السياسي وبرزت قيادات جديدة علي مدي الثلاثين عاما الماضيه او اكثر وطرحت هذه القيادات الجديدة نفسها لقواعد القبيلة وبالتالي تبدو الحاجة للموازنة القائمة علي التراضي بين مكونات المجتمع وقياداته ، ومع ذلك تظل قناعتي راسخة بالمثل الذي يقول( أرنب الزمان بطردوها بكلب الزمان).
– ان المجتمعات التي تمر بازمات كبيرة ومؤلمة كالمسيرية تظهر أمامها الفرص اكثر الحاحاً لانها تكون قد خبرت مرارة المأساة وكلفتها المادية والمعنوية. انني اكثر تفاؤلا الان بأن قبيلة المسيرية قد اختبرت نفسها في الحد الاقصي وهو الموت… وانها في بداية صحوة قد تقودها الي واقع جديد تتشكل وتتخلق بداخلة بذرة جديدة من الوحدة والتماسك ونسيان مرارات الماضي. لقد اتيحت لي فرصة نادرة في عيد الاضحي الماضي لزيارة خمسة فرقان حيث ابتدرت معهم حوارات متعددة حول الهموم التي تحيط بهم من الأمن القبلي الي المرعي المتراجع بفعل الجفاف الي زيادة ملحوظة في عدد القطعان ، في مقابل قلة الايادي العاملة. تحدثنا معهم عن البدائل والدخول في مرحلة الانتقال في الرعي المختلط بالزراعة، وقد زادني تفاؤلاً ان الامن قد استتب فعلاً وبشكل شبه كامل. أمن تستطيع الآن ان تتحرك بعصاك فقط من المجلد او الفولة الي أي مساحة وبدون خوف. لأبد أن نثبت للرجال حقهم. فمابدأه الجنرال خميس في مجال الأمن يبدو ان السيد بركة الوالي الحالي قد دعمه وجعله واقعا، أسأل الله ان يجعله واقعاً ثابتاً ودائماً.
وبعد ، لكم وددت أن تكون مساهمتي المتواضعة هذه ، كواحد من ابناء المنطقة الغربية ، ان تكون في حوار يستهدف التحول الحقيقي الذي كنا ننشده في تشكيل مرحلة الانتقال من الراهن الذي يماثل في بؤسه حياة القرون الوسطي ، الي المجتمع المدني ، مجتمع مابعد الحداثه ، عن طريق خطط دراسات تنتقل به تدرجياً من البداوة الصرفه الي الاقتصاد الزراعي الرعوي المختلف، ثم الي المجتمع المدني المسالم الذي يتخطي في طموحاته هموم الأمن والحرب والنزاع الي قضايا التعليم والخدمات وصناعة الحياة علي اعتاب القرن الواحد وعشرين.
انتهي الحوار حول شكل ( الهيكل) ليبدأ حول من يشغله وهذه مرحلة أخري لا أجد من حماس ما يدفعني للدخول فيها.
علي جماع عبدالله
اداري سابق-الخرطوم
اكتوبر 2015