محمد صالح محمد
يا وجعي الجميل، يا نداءً يتردد في أروقة روحي كصدىً أبديّ لا يهدأ، ويا قصةً لم تكتمل فصولها لأن الموت – أو ربما الحياة – قررت أن تسرقكِ مني في منتصف الطريق.
أكتبُ إليكِ الآن والليل يمدّ أطرافه الباردة حول عنقي، أكتبُ والمسافة بيني وبينكِ صارت بحجم الكون، وصارت النجوم في السماء لا تشبه إلا عينيكِ اللتين غادرتا أفق عالمي. يا “زولة” قلبي، يا نبضاً ما زال يعزف في دمي رغم خذلان الحظ أتعلمين؟ حتى في غيابكِ الموحش أجدني أتمتمُ بكلماتٍ لم أجرؤ يوماً على قولها بوضوح: “عينُ الإله ترعاكِ حيثما كنتِ.”
في محراب الشوق …
أقفُ على حافة الذكرى، أرتجفُ كغصنٍ هزّه ريحُ الفقد. أحاول أن أستجمع ملامحكِ من شتات الضباب، فأجدني أغرق. كيف لامرأةٍ مثلكِ أن تترك كل هذا الحزن خلفها وتمضي كأنها لم تكن سوى حلمٍ عابر؟
إنني أحبكِ حبّاً يمزق الضلوع، حباً لا يطلبه أحد، ولا يجرؤ أحدٌ على تحمله.
كنتِ لي الوطن الذي نفيتهُ بنفسي، وكنتِ السكينة في عالمٍ يعجُّ بالضجيج. والآن لا أملكُ من ذكراكِ إلا قلباً مشروخاً، وروحاً تتسكع في الشوارع التي شهدت خطانا يوماً ما باحثةً عن ظلكِ الذي تبخر.
عين الإله واليقين الموحش …
في لحظات ضعفي القصوى حين يضيقُ بي التنفس وتكاد روحي تغادر جسدي شوقاً إليكِ، أرفعُ عيني إلى السماء. لا أبحث عنكِ هناك، فأنا أعلم أنكِ أبعد من متناول يدي لكني أبحث عن طمأنينةٍ تقيني الجنون. أرددُ كالمتعبِ في محراب العشق: “عينُ الإله ترعاكِ يا زولة.”
إنها العبارة الوحيدة التي تربطني بكِ الآن فهي وعدٌ بأنكِ في أمانٍ مطلق، في رعايةٍ لا تنام، في حمايةِ خالقِ الجمال الذي استودعتهُ أغلى ما أملك.
أليس هذا قمة الحب؟ أن أحبكِ حد البكاء ثم أجدني أسلّم أمركِ لمن هو أرحم بكِ مني، لأني أعجزُ عن حمايتكِ من قسوة الأيام، وعن حبس دموعي التي لا تكف عن الانهمار لأجلك.
الوداع الذي لا ينتهي …
يا حبيبتي التي تسكنُ أبعد نقاط الذاكرة، ليتني كنتُ نسمةً تلامسُ خدكِ، أو طيفاً يحومُ حولكِ في هدوءِ ليلكِ، ليتني كنتُ أي شيءٍ لا يتألم. لكنني بشرٌ، وبشرٌ عاشقٌ، والحبُّ مع الفقدِ جريمةٌ نُعاقب عليها كل يوم.
سأبقى هنا، في ركنٍ قصيّ من هذا العالم، أحملُ حبكِ كقنديلٍ لا ينطفئ، وأرفعُ يديّ للسماء كلما ضاقت الدنيا بي لأهمسَ للغيب: “احمِها وبارك خطواتها فـعينُ الإله وحدها تليقُ برقتها.”
نامي قريرة العين يا زولة، فحبكِ في قلبي لم يعد مجرد شعور، بل صار ديناً، وصلاةً، وحزناً مقدساً لا يعرفُ له انتهاء.
بكل ما تبقى لي من دموع وبكل ما في قلبي من حبٍ أضاع طريقه إليك.
binsalihandpartners@gmail.com
