غضبة الهبباي الثانية في حلفا .. بقلم: سيد أحمد بتيك

من قلب بوابة السودان الشمالية حمل النوبيون مشاعل الحضارة والانتماء للوطن وظلوا مضرب المثل في الصدق والعفة واتقان العمل لسنوات طويلة، ولعل نظرة فاحصة لسيرة كل الذين تدرجوا في مراقي التقدم الوظيفي والسياسي من أبناء حلفا تثبت كل ما زعمنا ودونك تاريخ عظماء أبناء تلك الأرض المعطاءة في كل مجال ومنذ الاستقلال ابتداء من الوزراء من أمثال محمد نور الدين وصالح اسماعيل وابراهيم أحمد وأبوبكر عثمان وعوض عبد المجيد وداؤد عبد اللطيف وجمال محمد أحمد ومرورا بكبار المحافظين ممن تركوا بصمات واضحة في حياة المواطنين من أمثال محمد خليل بتيك وصالح محمد طاهر وغيرهم من نماذج القيادات السياسية التي غلبت مصلحة الوطن والمواطن على مصالحها الشخصية فكان السودان في عهدهم مضرب المثل في الرقي والتقدم… وانظر يارعاك الله إلى اتقان العمل وعفة اليد في مجال رواد البزنس من أمثال محمد علي عباس رائد صناعة الأثاثات في السودان وداؤد عبد اللطيف وميرغني محجوب وعمر عثمان من عظماء تطوير الزراعة وتصنيع منتجاتها في جودة تضاهي منتجات الدول العظمي…. وبالتاكيد يضيق المجال عن الاسترسال في عكس بصمات الحلفاويين في جل الخدمات الحكومية في عهود الطفرة من تعليم وسكة حديد وصحة وكل ذلك عندما كان السودان في منظمونة الدول الرائدة في خدمة المواطن.
ولأن جزاء سنمار صار سمة في عصرنا الحديث كان الجزاء هو اغراق المدينة بأهلها وتراثها وحضارتها في أول سابقة نزوح جماعي في السودان، بل والأدهى والأمر من ذلك تخلي الدولة عن مواطنيها في قلب الصحراء وسحب الخدمات الأساسية كلها كوسيلة ضغط تجبر المقيمين على النزوج الاجباري … ومادرى أؤلئك النفر ممن تبؤا قيادة البلاد في حين غفلة من أهلها أن أحفاد بعانخي وترهاقا وبرغم جنوحهم للسلم إلا أنهم في الشدة بأس يتجلى. فكان من الطبيعي أن يصمد الرجال والنساء والأطفال العزل في وجه كل الأعاصير، بل ومضوا بعزيمة لا تعرف اللين في إعادة المدينة لسيرتها الأولى بلا خوف وبعظيم تضحيات نسأل الله أن يوفقنا لتوثيقها في مقبل الأيام والشهور رغم مشاغل الدنيا وتوالي الكوارث على أهلنا في الشمال.
ذلك عهد مضى بخيره وشره وانشغل المقيمون في حلفا يإعادة الحياة لبلدهم بصبر وجلد وتضحيات كبيرة حفظت للسودان بوابته الشمالية من تغول الطامعين ومؤمرات العنصريين ممن أعادوا السودان القهقرى برفع شعارات قبلية بغيضة كادت أن تندثر. واليوم وبعد مرور أكثر من نصف قرن من معاناة أهل حلفا ومع بدايات ظهور معالم مدينة في قلب الصحراء تكاثرت الرماح والأطماع من الجيران قبل الأبعدين ومن سماسرة السياسة ومن ذوي الأفق الضيق ممن يغلبون المصلحة الضيقة على مصالح الوطن.
إن محاولات البعض لفصل المدينة عن الطريق القاري الداخل للسودان عبر حلفا والاستفادة من تضحيات أهل البلد في تغليب مصالحهم الشخصية أو القبلية إنما يسعون لاشعال نار الفتنة في بلد ينزف دما في كل أطرافه بل وبترت ساقه في الجنوب… فهلا وعينا الدرس وتدارك العقلاء مستصغر الشرر قبل أن تحرق النيران ذلك الجزء العزيز من بلادنا؟ لقد تداعى الحلفاويون من كل مكان وبمختلف مشاربهم السياسية والفكرية لتدارك الأمر بكل الوسائل الحضارية وصدقوا الوعود التي أطلقت من عاصمة الولاية ولكن سراعان ما تدحرجت تلك الوعود مع اقتراب موعد افتتاح الطريق الغربي بين السودان ومصر أخيرا لغير مصلحة السكان وبدأت تتكشق لكل عاقل مراميها ونواياها السيئة ،،، لذا انتظمت المدينة عن بكرة أبيها في الاعداد لمسيرات سلمية في الاحتشاد عسى أن يجدوا أذانا صاغية قبل أن تهب غضبة الهبباي من الشمال فلا تبقي ولا تذر.

ألا هل بلغت…. اللهم فاشهد…

sbeteik@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً