غضب وتسويات ووثبات .. من نيفاشا حتى أديس أبابا

 


 

 

faizalsilaik@gmail.com

لم أستغرب حالة الغضب العارمة تلك التي اعترت، القيادي الإسلامي سيد الخطيب  في عام 2003، خلال مفاوضات السلام بين الحركة الشعبية ونظامه في منتجع نيفاشا، حين سألته عن مقترحات حول مشاركة " طيب الذكر " التجمع الوطني الديمقراطي" في مسار التفاوض تمهيداً لعملية تحول ديمقراطي في السودان وإبعاد شبح التسوية السلمية من مسارها الثنائي، فأستبعد الرجل أي حديث عن " تحول ديمقراطي ، أو مشاركة آخرين" ولا أزال أذكر كلماته الغاضبة تلك من مجرد الحديث عن " الديمقراطية".!.

ومع أن الزمان ليس هو الزمان، وأن المكان ليس هو ذات  المكان؛ إلا أن الصور هي نفس المشاهد، وقبل أكثر من عشرة أعوام جلس مفاوضو المؤتمر الوطني " الحكومة"، و" الحركة الشعبية لتحرير السودان " في مشاكوس الكينية عبر منبر الهيئة الحكومية للتنمية ومكافحة الجفاف لدول شرق أفريقيا ( إيقاد) من أجل الوصول لحل شامل وعادل لقضية الحرب السودانية في الجنوب، فيما كان قادة (التجمع الوطني الديمقراطي ) يطالبون بضمهم إلى المنبر من أجل التوصل لحل لكل الأزمات السودانية، كما قاد الدكتور شريف حرير من جهته مساعي لضم مقاتلي دارفور للتفاوض، إلا أن وفد الخرطوم استعصم بجبل الرفض، مسنوداً برغبات" المجتمع الدولي وما تشهره من "حوافز وضغوط

"  بل أن الوفد كان رافضاً في بدايات التفاوض حتى مناقشة قضايا جنوب كردفان والنيل الأزرق وأبيي باعتبار أن التفاوض ( حصري)  بين الشمال والجنوب، فلو تم ضم تلك المناطق الثلاث إلى المنبر، فإن باباً سوف يتفح أمام ثوار دارفور وشرق السودان، واستجاب الوسطاء في تلك الفترة  لموقف النظام  ورؤيته القاصرة،  في وقت قل فيه  حماس الحركة الشعبية لدارفور والتجمع والشرق، وقبلت الأمر الواقع فيما يتعلق  ببؤر النزاع الأخرى، ورضخت للضغوطات تلك،  إلا أنها   رفضت بشدة اقصاء المناطق الثلاث التي يشارك قادتها في المفاوضات ممثلين للحركة نفسها على عكس بقية المناطق المتبقية التي لا تملك الحركة زمام المبادرة فيها .

واليوم، وبعد تلك الفترة كلها يعود ذات الخطيب من جديد؛ ليفاجئ الكثيرين بخطاب " الوثبة الشهير" الذي كتبه للمشير عمر البشير، قال فيه الكثير لكنه لم يتكلم، بل كان  خطابه مفردات خاوية المضمون من أية التزامات سياسية بالدمقراطية والتداول السلمي للسلطة ومشاركة لآخرين في الحكم، وهي لغة تشبه " مثقفي الإسلاميين المتنطعين"، والمتمسكين بقشور الحداثة، والغارقين في لجة الأنا المتضخمة بشرور النفس الإقصائية والأمارة بالسوء، والتي تعبر عن جوهر فكرهم المرتكز على " تعميمات مبهمة، وكلمات اسفنجية على شاكلة " التوالي" و" الوثبة" و" الاندغام" و" الاندياح" مثلما كان يردد شيخهم الذي علمهم السحر في أوائل عهد ظلاماتهم وظلاماتهم، وهو يصف بشيرهم بأنه " هبة الله للأرض من السماء".

وبالطبع فإن سيد لا يمثل نفسه، بل يمثل منظومة سياسية متطرفة، إقصائية، لم يكن من بين أدبياتها أي سطر يدعو إلى قبول الآخر، أو حتى الحوار باحترام، وليس هناك أكثر وضوحاً من شعارات "فلترق منهم دماء، أو ترق منا دماء، أو ترق كل الدماء"، ولا غرو في أن يرفضوا مبدأ إشراك الآخرين في نيفاشا، بل كان طبيعياً أن يتفجر غضبهم من مجرد الإشارة إلى " التحول الديمقراطي"، ومشاركة الآخرين في " هموم الوطن"، لأنه " غنائم"، و" تمكين" وفق رؤية الفكر الإسلاموي للجبهة الإسلامية.


وخطاب "الوثبة" فصل من فصول كثيرة ومثيرة في الطريق، وهو كله حلقات في سيناريو ينتظر الوطن الجريح، ولذلك مخطئ من ظن أن الخطاب كتب بتلك الطريقة اللزجة " بمزاج أحد"!، بل العكس تماماً فإن المطلوب هو إغراقنا في تفسير وتفسير التفسير حتى تطول حلقات السيناريو وإن ضاع الوطن، وحتى تتسع اساحات المناورات ، من أجل كسب الوقت، وإن ضاق الحال بالملايين؛ لا سيما وأن البشير يعلن أن الانتخابات ستكون في موعدها، المحدد، بعد عامٍ من الآن، وهو إعلان يريد به ضغط القوى السياسية لكي تنزلق في وحل الحوار والمساومات والتسويات التي لا تفتح الطريق إلى الأمام نحو تغيير حقيقي، بخلق واقع جديد، منصاته الحرية والديمقراطية والسلام والعدالة، بل يقصد الإسلاميون جرناً إلى تسويات تجذبنا إلى الوراء؛ بإعادة إنتاج الأزمة من جديد.

إن البشير وحزبه، وبعد أن ضاقت بهم الأوضاع، بسبب التدهور الإقتصادي المريع، وارتفاع درجات السخط الشعبي، واستمرار المواجهات العسكرية المسلحة مع قوات " الجبهة الثورية" ووصول المرحلة حافة الإنفجار؛  يريدون ضخ مياه جديدة إلى جذع شجرة الإسلاميين، أو شجرة الزقوم تلك، وتغيير جلد الأفعى مرةً أخرى، ومن ثم إعادة تسويق وتصدير البضاعة الكاسدة نفسها بأغلفة  من" سولفان" مغايرة، مع الإبقاء على ذات الأصول، ومن ثم إرسال شارات إلى المجتمع الدولي برغبة النظام في الحوار والإصلاح السياسي والوفاق الوطني.

ويهدف البشير وجماعته إلى  تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، ورفع العقوبات الإقتصادية، وبيع التحولات تلك إلى دول الإقليم لا سيما دول الخليج العربي وجمهورية مصر،  ومن ثم الحوار حول فاتورة الديون، والحصول على دعم مالي في شكل منح، أو قروض ، وكذلك تجميد قضية المحكمة الجنائية ضد المشير البشير وأركان حرب نظامه. فيما ينجح البشير وصحبه في نزع فتيل الإحتقان الداخلي بإبراز ورقة الحوار والإصلاح، وتكوين حكومة قومية لإنتقالية.

ما هي آليات تحقيق أهداف المؤتمر الوطني؟


1-    التوصل إلى وقف لأطلاق النار في جنوب كردفان والنيل الأزرق، ثم دارفور لأن الخزانة العامة أصبحت  خاويةً على عروشها، وعاجزةً عن سداد فاتورة القتال؛ وبالتالي، فإن الأفضل " تكتيكياً" هو التقاط الأنفاس بإيهام العالم بوقف الحرب، والرغبة في السلام.

2-    إطلاق جزء من الحريات، وخلق هامش محدود،  يمكن السيطرة عليه بواسطة الأجهزة الأمنية القامعة، لأبقاء كل النشاط السياسي " تحت السيطرة" مع الإستفادة من " وضع الديكورات والاكسسوارات" على خلفية المشهد السياسي.

3-    توحيد الإسلاميين في "المؤتمر الوطني"، و"المؤتمر الشعبي"، و" الإصلاح الآن" " وسائحون" وبقية أجنحة السلفية الحربية، ومن ثم اصطفاف قوى المركز في مواجهة قوى الهامش.

4-    إبراز ورقة التفاوض حول الحكومة القومية الإنتقالية وإثارة قضية " تنحي البشير من حينٍ إلى آخر، لتظل هي قضية طافحة فوق السطح، كلما استحكمت الحلقات، وضاقت المساحات.

ولكن ماذا يجني المؤتمر الوطني من كل ذلك؟

إن المؤتمر الوطني يقصد تمديد أجل حكمه، مع إطفاء الحرائق  المشتعلة من حوله، وكذلك منح المشير عمر البشير تذكرة "هبوط ناعم"، ويسعى إلى ذلك بتفريغ التعبئة المضادة، وتخفيض وتيرة الغضب الداخلي، ونزع فتيل الإنفجار، وتقليل درجات الإحتقان وذلك عبر..

1-    تأجيل الإنتخابات حتى عام 2017، بتشكيل حكومة إنتقالية برئاسة البشير نفسه، أو نائبه الأول بكري حسن صالح، وإشراك قوى سياسية ومنحها وظائف تبدو " مهمة" في الحكومة والمجالس التشريعية الإنتقالية ؛ مع الإبقاء على بنية الدولة الفاشلة نفسها، والاحتفاظ بمؤسساتها القمعية مثل جهاز الأمن والمخابرات، والشرطة والجيش وبقية المليشيات،  و تشجيع مؤسسات الضلال الفكري، من كتائب جماعات الهوس الديني، والسلفية الحربية، وهيئات علماء السودان على زيادة جرعات التغييب العقلي والتغبيش الفكري، بالإضافة إلى استمرار السياسات و المؤسسات الإقتصادية الطفيلية؛ وما حولها من مناخ فساد وإفساد، وسياسات إفقار جماعي.


2-    كسب الوقت  عن طريق المفاوضات الجزئية و الإتفاقات الثنائية التي تزيد من الخلافات بين القوى السياسية، وتخفض من وتيرة الغضب تجاه النظام، حتى يحين أجل " الانتخابات المضروب، وبالتالي إما ضمان مشاركة " ديكورية " في الإنتخابات  المقبلة من أجل شرعنة النظام ومنحه خمس سنوات إضافية.


ومفاوضات أديس أبابا؟

وفي ذات السياق؛ يتوقع أن تنعقد في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا مفاوضات بين النظام والحركة الشعبية لتحرير السودان، و يركز التفاوض على المسائل الإنسانية وتوصيل الاغاثة إلى المدنيين وضحايا الحرب في ولايتي جنوب  كردفان والنيل الأزرق، عبر معابر آمنة، ومسارات تسمح بدخول المنظمات غير الحكومية والدولية التي حظرت السلطات دخولها إلى تلك المناطق ، بل وأبعدت معظم هذه المنظمات في سياق سياسات التجويع باستخدام الطعام كسلاح، وهي جريمة ترتقي إلى مصاف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي، في وقت يركز فيه وفد النظام المفاوض على " وقف إطلاق النار" في المنطقتين، وربما تقود الضغوطات إلى " ورقة إطارية واتفاق مبادئ" حول قضايا الحكم والمشاركة السياسية، مع محاولة وفد " المؤتمر الوطني" على حصر التفاوض في قضايا المنطقتين فقط، مع ترتيبات عسكرية وأمنية في تلك المناطق وبحث القضية السياسية فيها .   لا سيما وأن المؤشرات تشير إلى أن التفاوض سوف يكون  على أساس قرار مجلس الامن 2046واتفاق 28 يونيو 2011 الذي اشتهر باتفاق نافع عقار،  وربما تفضي استراتيجية التفاوض  إلى ثلاث مسارات رئيسية هي الوصول الى وقف فوري للعدائيات وفتح الممرات امام المساعدات الانسانية والاتفاق على اطار قومى واجنده وطنية تحقق المواطنه بلا تمييز في اطار عملية دستورية قومية شاملة بمشاركة كافة القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني كما نص اتفاق 28 يونيو 2011 الى جانب الاتفاق على ترتيبات سياسية وامنية للمنطقتين ذات صلة بالاطار القومى).

لكن؛  مثل هذا الحديث يتطلب مشاركة " الطرف الثالث "، وهو القوى السياسية وحلفاء الحركة في الجبهة الثورية، عبر منبر تفاوضي واحد، وهو أمر لا يزال بعيد المنال ، وعصي التحقق، لانعدام أوراق الضغط التي تحملها المعارضة ( السلمية ) في الخرطوم،  والتي  لا تمتلك قوات تلين من تعنت المؤتمر الوطني عبر نيرانها، ولا إرادة سياسية تدفعها نحو تنظيم مظاهرات عنيفة لاسقاط النظام، مع التأكيد على أن أي حوار مع جماعة فاشية أو متطرفة يتطلب امتلاكك لأوراق ضفط، لأن أي تفاوض في النهاية  يظل مرهوناً بموازين القوى السياسية والعسكرية والجماهيرية.

ويهدف النظام من أنطلاق المفاوضات ثنائياً، وفي هذا التوقيت بدء عملية تفكيك " الجبهة الثورية" ببذر بذور عدم الثقة فيما بينها، وجر فصائل الجبهة فرادى إلى اتفاقات؛ تطيل من عمر النظام، ولا تغير من الواقع شيئاً لو استمر التفاوض على شكله الحالي،  ولذلك  نأمل في أن يتدارك مفاوضو " الحركة الشعبية" حساسية الأمر، باعتبار أن الجولة الحالية أول اختبار حقيقي تجاه حل قضايا الحرب والسلام وربطها بقضايا الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان،  ونعلم أن رئيس وفد  مفاوضي "الحركة الشعبية" ياسر عرمان خبر التفاوض جيداً مع المؤتمر الوطني، ولا تخفي عليه " حيل و طرائق الشريك القديم"؛ مثلما ندرك أن جل مفاوضي الحركة من  بين المنكوين بنيران الحرب اللعينة مباشرةً، ويعيشون جحيم حممها الذي يتساقط أمام أعينهم  قصف طائرات،و حرق قرى، وموت أبرياء، وشلالات دماء؛ لذلك ليس من الأخلاق تحريضهم على عدم المضي في طريق السلام.

ورغم ذلك، فإن الكرة تظل في ملعب القوى صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير، دون رضوخ لرغبات " المؤتمر الوطني" أو ركون لوسائله المجربة، أو قبول خططه الشريرة،  ولا وقوع في شرك "التسويات المنقوصة" ولو كانت مستجلبة من الخارج، أو مقدمة عن طريق " عصا لا تزيد جراحنا آلاماً، أو جزرة لا تسيل لعابنا المفقود أصلاً"، والمطلوب هو تبصير أنفسنا بما يفكر فيه سماسرة الوطن والدين، وأخذ الحذر من مخططاتهم، ويقيني أن  كثيرين يدركون ذلك، وأن أجيالاً مسلحة بالوعي سوف تنهض لقيادة عجلة التغيير، وركل كل المساومات الرخيصة.

وبالطبع فإن أي تسوية عادلة وشاملة،  لن تتم إلا عبر إتفاق يفضي إلى تفكيك دولة الحزب لصالح دولة الوطن، وإعادة هيكلة للدولة السودانية الفاشلة، لا سيما جهاز الأمن والمخابرات، وإلغاء كافة القوانين المقيدة للحريات،  ومصالحة وطنية عادلة، على طريقة " الحقيقة والمصالحة" لكنها لا تسقط  جرائم الحرب من أحد، ولا تمنح منتهكي حقوق الإنسان حصانةً لمواصلة جرائمهم، سواءً داخل بيوت الأشباح، أو في داخل مناطق الهامش، ولا تنسى محاسبة المفسدين.  أما غير ذلك فإن، الوقوع في فخ  تسويات ثنائية، وإن بدأ جوهرها " شامل" وأن ذلك لا محالة سوف يشدنا إلى الوراء  وسوف يدخل البلاد إلى عنق زجاجة جديدة، لنقرع أجراس خطر التشظي والتقسيم، وشد البلاد من الأطراف!.

////////////

 

آراء