فخ البخلاء !! في معرض ردي علي صديقة إسفيرية .. بقلم: ناجي شريف بابكر

 

فعلا أن الامر يبدو في ظاهره من المنظور العام، أو فلنقل المنظور العفوي، وكأنه خال من النبل أو خال من الخير لكنه ليس كذلك.. ذلك فيما دار حول ما أورده آدم سميث عام 1776 في كتابه “ثروة الأمم”.. في إنه ليس بسبب الدوافع النبيلة وحدها للجزار، أو لصانع النبيذ، أو الخباز، إنما فقط كمحصّلة لسعي كل منهم لتحقيق مصلحته الذاتية، قد صار بإمكاننا نحن الحصول علي وجبة غداء دسمة. 

.
فقبل خمسة وثمانين عاما أيام الكساد الأقتصادي، ذي قريت ديبريشان، ما قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، كتب السيد جون ماينارد كينز، والذي كان وقتها ناقدا بارزا لسياسة التقشف البريطانية أيام الكساد، نظريته ذي بارادوكس أوف ثريفت، أو فخ البخلاء.. كيما يدفع الناس علي الإنفاق بلا هوادة كسبيل وحيد، إذا ما أرادوا التخلص من خناق الأزمة الإقتصادية.
.
الناس وفق غرائزها ونزعاتها الجاحدة، تعتقد ان الانفاق سلوك منافي لمفهوم الثراء والرخاء الشخصي أو النقيض لتراكم الثروة.. والحقيقة خلاف ذلك تماما.. فليس معتوها من يقول لك إن كنز الأموال وليس إنفاقها، هو ما يتلفها أكثر
..
قد يتبادر للذهن كشئ لا يتنافي مع منطق الأشياء، ان صاحب المتجر في الحي الذي أسكنه كان مستاءً بدرجة كبيرة، من ان الحلواني الجديد الذي قدم الحي مؤخرا، قد إضطره كيما يدفع اموالا أكثر للصغار العنيدين كثمن للفطائر المحلاة.. باعتبار ان مقدمه

ليس سوى طارق بسوء، قد أثر سلبا علي مدخراته وأهدرها.. وربما أفسد طبائع العيال وذائقتهم.
.
لكن ما لا يعلمه صاحب المتجر ان أسرة الحلواني التي رحلت للحي حديثا، قد اضافت دون وعي منها،
قدرا لا يستهان به علي مبيعات المتجر، وعلي دخول ملاك العقارات بالحي، فزادت بسبب ذلك فوائض الناس القابلة للإنفاق.. بل ان الحلواني نفسه صار يتحصل علي الخميرة والزيت وما ينقصه احيانا من الدقيق والسكر من صاحب المتجر..
.
فلو ان صاحبنا قام بجرد جل ما ينفقه الصغار البائسون علي الفطائر، وقارنها بمشتريات الحلواني واسرته، لاكتشف ان وجود الحلواني بالحي قد زاد من ثرواته ولم ينقصها شرو نقير..
.
لو عممنا هذا الامر علي مجتمع بحاله.. لوجدت انك كلما انفقت في شراء منتجات الاخرين وضاعفت بذلك دخلهم.. كلما تضاعف بالمقابل دخلك منهم.. كنت بائع أحذية..مزارعا.. ميكانيكيا كنت.. او كنت حائكا ..او حتي صانعا للتوابيت..
.
وربما كان ذلك هو التفسير الموضوعي لايماننا في ان الأنفاق والصدقات تُربي الثروات وتزكيها.. فان الدخول الفائضة علي الإستهلاك الشخصي للطبقات الموسورة من أصحاب الأعمال وملاك وسائل وماكينات الانتاج من الأثرياء، إنما تسلك إحدى الطريقين.. أن يعاد إستثمارها في عمليات إنتاجية إضافية.. أو أن يتم كنزها.

.
فاذا تم كنزها فهي تخرج من الدورة الاقتصادية بصفة دائمة.. لكن ماذا إذا كان الخيار إعادة ضخها في الأسواق من جديد من خلال إنفاقها أو إنفاق اليسير منها..
.
بإنفاقها علي الفقراء سواءً بخلق فرص إستخدام في تطوير خلايا إنتاجية جديدة، أو حتى بالإحسان إليهم هكذا دون مقابل.. فإنك بذلك تدفع بمشترين جدد للسوق الذي تطرح انت فيه منتجات مصنعك ومزرعتك، كانوا قبل ذلك محرومين تقتلهم الفاقة.. فتعود لك الاموال وتعود لغيرك.. فتزداد مبيعاتك ويتضاعف دخلك.. فاذا ما دارت دورة الإنتاج عدة مرات وجدت ان ما انفقته قد رُدّ إليك من جديد.. لكن الفرق هو أن هناك عشرات الاسر التي كانت تشكو الكفاف قد نام أفرادها وهم قريري العين.
.
فكنز الثروات في الوقت الذي يجوع فيه الاخرون إتلاف للنعمة، وتعطيل في نفس الوقت لماكينة الإنتاج من أن تدور بأقصى سعاتها.. كأن تملك سيارة لتلبث امام البيت النهار بطوله بينما أبناؤك يلهثون خلف الحافلات، أو كأنك تغلق ماكينة عملاقة من الدوران لمواسم عديدة ولأسباب واهية.. فأنت علي الأقل لن تموت جوعا بتعطلها.. لكن حتما هناك من يموت إذا بات جائعا لليلة واحدة أخرى..
.
ان تعيد الاموال الي السوق افضل الف مرة من ان تتركها في الخزانة.. وافضل كذلك من ان تودعها لدي اللصوص ذوي الياقات البيضاء.. فينفقونها ترفا في الأبراج والصروح الممردة وفيما لا ينفع الناس.. بينما الحقول عطشى والفقراء يقطّع الجوع أفئدتهم.
إنتهي

nagibabiker@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً