فصل الشفيع خضر: صفرجت، أم أخطأت اللجنة المركزية؟ .. بقلم: طلال عفيفي


تلقيت خبر فصل الزميل الشفيع خضر ببالغ الحزن والأسى عبر وسائط النقل الإجتماعي.
الزميل الشفيع خضر مناضل سوداني لعقود، قام بتكاليفه الحزبية في كافة إنقلابات الحياة السياسية في بلدنا على أكمل وأكفأ وجه، بل وتفرغ للعمل الحزبي وأعطاه أفضل سنين عمره وعصارة ذهنه وروحه، مثله مثل كل زملاء وزميلات الحزب الذين يحتار الواحد في صبرهم وجلدهم وقدراتهم، نساء ورجال، على العطاء غير المنقطع.
والزميل الشفيع بجانب ذلك، هو كاتب، لم ينقطع قلمه عن الكتابة والإيضاح طوال سنين، فألف مئات المقالات المهمة والتي لها دور في إضاءة الكثير من القضايا المهمة في تاريخنا السياسي، الإقتصادي والإجتماعي المعاصر وصدر له أخيراً كتاب “القبيلة والسياسة في السودان”.
هو عضو من أكثر قيادات الحزب الشيوعي نشاطاً ووضوحاً..
فأي خطأ – بفصله- أخطأته لجنتنا المركزية؟
أزمة قيادة عميقة ومستفحلة عانى منها الحزب وظهرت تجلياتها في السنوات الأخيرة بقوة وإنعكس أثرها على تفاعل الحزب مع عدد من القضايا السودانية والأقليمة التي تدخل في صميم مصالح الجماهير التي يفترض أن يقوم الحزب على خدمتها.
فشلت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني في إدارة الأزمة الفكرية داخل الحزب، بل وحولت هذا الفشل المخذي إلى أزمة تنظيمية هي ما نراه أمامنا اليوم..
لقد كان الصراع الوهمي حول الماركسية المبكي عليها فرصة محترمة لقيادات الحزب (في اللجنة المركزية وغير اللجنة المركزية) لإبراز نوع من الكفاءة الفكرية، على الأقل؛ فكان من المتوقع مناهضة الحجة بالحجة، وتسويد الأوراق العلنية بوجهات النظر الناهضة والمستنيرة حول وسائل العمل وآفاقه وربما عن الماركسية ذات نفسها وموضعها في الشأن اليومي بما يعود نفعه على الناس والجماهير، كنا نتوقع المقال إثر المقال، والكتيب إثر الكتيب، السمنار إثر السمنار، في نقاش حيوي لا ينقطع سيله ولا ينضب معينه.. لكن أين نحن من كل هذا؟
هل إفتقد الحزب الشيوعي وقيادة لجنته المركزية القدرة على التنوير؟ وتفرغت للبيانات المبهمة والقرارات الركيكة المسنودة بالإيعاز والإيهام والتدليس؟ إنه أمر غير حميد ويعبر عن بؤس شديد يجب علاجه على الفور.
لم يتصد أقلية اللجنة المركزية لمقاربة الماركسية –المبكي عليها تلك- مع قضايا الثورة السودانية (مش كان إسمها كده؟) حيث لم نسمع قولاً في منعطفات كثيرة يومية وموسمية.. وغابت قراءات الحزب الراجحة حول “ما العمل” بخصوص ما حدث من إعادة الهندسة الإجتماعية وحقوق العمال وما إستجد في خارطة الطبقة العمالية، مع ظهور الأيدي العاملة الجديدة الوافدة والمحلية في السدود والمشاريع العقارية والزراعية الكبرى في الخرطوم والشمالية وكل فجاج هذا البلد المنكوب.
ما هي علاقة الحزب بآلاف العمال القادمين من الصين وبنجلادش الحبشه ومصر وتركيا والفلبين وسوريا؟ ما هو دور الحزب في النظر في القوانين المنظمة لحقوق العمال، والعلاقات البينية والعمل النقابي؟
كيف ينظر أقلية الحزب في لجنته المركزية لواقع وتحديات الحركة العمالية اليوم مع الميكنة والإقتصاد العابر؟
ماذا لدينا من أوراق حول التنمية الإقتصادية ومسائل التعليم والديون والخدمات الصحية؟
ماذا لدي لجنتنا المركزية، لو وضعنا هذا جانباً، من سهم في العمل السياسي العام؟ في أنحاء ونجوع وقرى سهول وبطون هذا البلد المنكوب؟ أم أنها تفرغت للعزل والكيد والتشهير؟
خاطره:
(قبل أيام كنت قرب مستشفى بحري، لشراء دواء من إحدى الصيدليات، والحقيقة أنني في سيري في هذا الشارع وسط المستشفيات والصيدليات وعيادات الدكاتره، كنت أسير في واحده من أقذر البقع في السودان، بين الطين والروث والبول على الجدران والأكل المكشوف والنفايات والمخلفات الطبية من بقايا حقن ملوثة وشاش معطون بالدماء والذباب..
خطر لي أن الشارع الذي يفترض أن أنشد فيه الصحة، هو أقذر شارع وبعيد عن الصحة، وفكرت في أن أكثر مكان يمكن أن يتوارد مع كلمات الخوف والقلق عند أهل المناضلين هو الأمن! وأن أكثر مكان لا علاقة له بالإصلاح والتهذيب هو السجن.. وأبعد مكان عن الصحة النفسية والعقلية هو مشافي الأمراض العقلية.. فهل إنقض الحزب الشيوعي السوداني على ثوريته وإتسق مع الوضع العام، وأصبح هو كذلك أكتر مكان تنتفي فيه روح الزمالة والكفاح المشترك وحب الناس والعمل العام والصدق؟
يعني هل تكاملت جماعة اللجنة المركزية مع كل النقائص الإجتماعية الراهنة، وأصبحت جزاءاً منها ومكملاً لها؟
نقول صفرجت؟)
عودة:
إن ما تقوم به اللجنة المركزية للحزب الشيوعي ليس هو دور اللجنة المركزية للحزب الشيوعي.. ليس دورها أن تفصل أعضاء الحزب وأعضاءها، وإنما إدارة الصراع وضخ طاقته الحيويه في شرايين الحزب والجماهير.. ليس دور اللجنة المركزية ولا من واجباتها تأليب عضوية الحزب بعضهم على بعض، ولعب ذلك الدور الرخيص في إضعاف الحياة الحزبية وملئها بالسموم.
غاب الحزب الشيوعي – لجنته المركزية أقصد- عن الساحة الوطنية بكل تطوراتها وواقعها المتغير بضراوة.. كيف لا والبلاغات تأخذ حيزاً أعرض من دراسة الواقع؟ وكيف لا هناك قلة فاعلة تعمل لإختطاف الحزب ومواصلة إختطافه وتصفيته من أعضائه الموثوق بهم والذين لا يمكن تعويضهم، فبعد أن نجح الإلتفاف والإحباط والبطء والرجعية في إنسحاب عد كبير من القوى الحية والشباب في العشر سنوات الماضية، لم تلتف اللجنة المركزية إلى محاولة علاج هذا النزف القاتل الذي أفقدنا الكثير في مجال العمل الجماهيري، إنما إلتفتت للإنقضاض على مناضلي الحزب المخضرمين للعصف بهم، وفصلت مجموعة منهم قل أن يجود الزمان بمثلها على أي تنظيم سياسي.
الأساليب التي إنتهجتها “مجموعة” اللجنة المركزية في التخلص من مناضلينا الحزبيين أصحاب التاريخ المحترم وضح فيها العسف والكيد المسبق وعدم الإتزان.. وواضح جداً أن الجهة التي أصدرت بيانات الفصل كانت طرفاً في الصراع، وحَكَم!. فيما يشير إلى عدم نزاهة وخِفة.
والطريقة التي تم تسويق القرارات التعسفية بها في الإنترنت والفيس بوك من قِبل المتحلقين حول مجموعة اللجنة المركزية تلك، طريقة كانت أقرب للسفه وقلة القيمة والتشفي وما يعرف في عامية أواسط السودان بدق الطار.. في مشهد لا يليق بتاريخ الشيوعيين السودانيين وما عرف عنهم من رصانة وقوة في الحجة وإحترام وسط الجماهير.
على مستوى آخر، فإن ما بدر من اللجنة المركزية، ينفي كل ما له شأن بروح الزمالة، وأدب الرفاق وعروة النضال.. إنما طفح بكل ما هو قبيح وقميء سيظل عالقاً بهم في تاريخ الأدب الحزبي، ولن يُنسى.. فهذه صحيفتهم خالية من الفكر ودفع العمل اليومي الحقيقي، وملأى بالتغول وبيانات الفصل، وتزييف الوعي وإلهاء الجماهير عن قضاياها، وإقعاد همة الحزب وحبسه وتحويله إلى منتدى خاص.
من الواضح جداً أن الحزب يحتاج الدعم الكامل من جماهيره وعضويته الحادبة عليه وعلى إرتباطه بالحياة المدنية أمام هذا الطوفان من إساءة إستخدام السلطات وتحريف الأولويات والتخاذل عن القيام بالأعباء الحقيقية لقضايا الثورة السودانية..
إننا نثق في الغالبية من جماهير حزبنا ونثق في قدرة العقل الجمعي للحزب على تجاوز هذه الأزمة والخروج من هذه المرحلة المظلمة..
ورسالتنا للمؤتمر العام ووعضويته من جميع الهيئات الفروع العمل على محاصرة هذا الفشل ووضع هذه المجموعة في إطارها الطبيعي، ذلك إستناداً على دعم الأغلبية من قواعد الحزب المرتبطه به إرتباطاً صادقاً وأميناً
إن حزبنا في حوجة ماسة لإيقاف هذا الإفتراء على قيمه وتاريخه وعلى عضويته في المؤتمر العام السادس العمل بكل الوسائل على إستعادة العافية وتصحيح كل ما لا يمثل روح الحزب بالتعبير الحقيقي والأمين عن قواعد وجماهير الحزب.
إن شكر المناضلين ورد الإعتبار لكل من ساهم في حياة هذا الحزب الكبير من قادته الحقيقيين لهو أمر يليق بنا جميعاً..
إستعادة الحزب المنهوب هو دور تاريخي على أعضاء المؤتمر العام، حتى لا يملأنا الخجل أكثر.
وليعد لنا الحزب الشيوعي السوداني كما كان، مفخرة للسودانيين ومنارة عالية نبصرعلى ضوئها ونعمل، من أجل القضاياالسوادانية.

:::
طلال عفيفي
عضو الحزب الشيوعي السوداني

talal.sff@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً