الهُويَّة والنِّضال في سبيل الاعتراف (1 من 2) .. بقلم: الدكتور عمر مصطفى شركيان
تعتبر الهُويَّة أقوى فكرة أخلاقيَّة تزيَّنت بها النَّفس البشريَّة في ذاتها ومجتمعها، وهي فوق كل شيء مؤسَّسة على سيكلوجيَّة الإنسان الذاتيَّة. وتتمحور هذه الفكرة الأخلاقيَّة حول أنَّنا نملك في مداخيل أنفسنا أصالة بنيويَّة قد نتعرَّف عليها ونقرُّ بها تارة، أو نستغفلها تارة أخرى، أو لم يتم الإقرار بها من قبل الآخر المختلف تارة ثالثة، بل قد نرى أنَّ المجتمع الخارجي مجتمعاً غير حقيقي ويحاول دوماً اضطهادنا، ولكن هذا المجتمع لا يفعل ذاتيَّاً، بل أنَّ هناك ثمة أناساً يحرِّكونه، ويديرون أمره كثيراً أو قليلاً. إذ تركِّز الهُويَّة على مطالبنا الطبيعيَّة في الاعتراف بكرامتنا الإنسانيَّة، وتمنحنا اللُّغة في التعبير عن الاستياء الناشئ حين يتمُّ هدر كرامتنا، أو عدم الإقرار بها في شيء من الأشياء الحيويَّة، التي نعتز بها، ونعكف عليها. إذ أنَّ الشعور بالهُويَّة الذاتيَّة لا يكون مبعثاً للفخر والبهجة فحسب، بل أيضاً مصدراً للقوَّة والثقة والاعتداد بالنَّفس. ومن هنا نجد أنَّ في الهُويَّة يكمن الإعجاب الشائع بالأنا، وقيادة الحملة الشعبيَّة أو الرسميَّة ضد الأنا الآخر، وهي الحملة التي تبدأ بحب الذات إلى النظريَّات السامية في الرأسمال الاجتماعي، وتعريف الذات نفسه في المجتمع. بيد أنَّ الإحساس العارم بالانتماء إلى هُويَّة بعينها، والطارد للمجموعات الآخرى يحمل في طياته – وفي كثر من الأحايين – مفهوم الاستبعاد والانحراف عن المجموعات الأخرى.
مرَّة ذات يوم قال الأديب الأيرلندي الألمعي أوسكار وايلد (1854-1900م) في زعم لغزي “إنَّ أغلب النَّاس هم في واقع الأمر أناسٌ آخرين.” فبرغم من أنَّ تلك المقولة قد بدت في أوَّل الأمر لغزيَّة أكثر من أي شيء آخر، إلا أنَّ وايلداً كان قد دافع عن مقولته دفاعاً مستميتاً. إذ أنَّنا قد نجد بعضاً من النَّاس يستمد أفكاره من غيره، وحياته ما هي إلا عبارة عن محاكاة لغيره، ثمَّ إنَّك لواجدٌ أنَّ عواطفه مقتبسة من غيره أيضاً. فأولئك النمط من البشر يتماهون باندهاش بغيرهم. مهما يكن من أمرهم، فلعلَّك واجدٌ في السُّودان أنَّ النِّزاع الدائر اليوم، والبربريَّة المصاحبة لها، مصدره في الأساس هو وهم الهُويَّة المستجلبة، وإنَّ فن بناء الكراهيَّة ضد الآخر لنابع من تلكم الهُويَّة التي تستعير قوَّة سحريَّة من هُويَّة قاهرة مزعومة، وهي التي تنظر إلى العناصر الأخرى المكوِّنة للهُويَّة الوطنيَّة في شكل موارب، ومن ثمَّ يقود إلى النِّزاعات المسلَّحة، ويطغي على أيَّة عاطفة إنسانيَّة، أو الرأفة الطبيعيَّة التي قد يملكها الإنسان. وتكون النتيجة الحتميَّة في نهاية الأمر العنف المصنوع داخليَّاً والإرهاب المتصدَّر خارجيَّاً وما شابههما.
لا توجد تعليقات
