ألسياسة تكبّل القانون فى خطة المناهضة الحكومية !
ala-4506@hotmail.com
فى المؤتمر الصحفى الذى عقده نائب الرئيس ، علي عثمان محمد طه عشية صدور قرار قضاة المحكمة الجنائية الدولية بتوقيف الرئيس البشير ، و فى سياق دفوعه ببطلان القرار ، ذكر ان الحكومة ستسعى لمناهضته بكافة الوسائل السياسية و الديبلوماسية والقانونية . .
لكن ديبلوماسيا لم تستطع الحكومة حتى الان سوى انتزاع تصريحات مجاملة فى صعيدها العربى و الافريقى ، حيث فشلت هذه البلدان حتى فى الحد الادنى «الذى ترفضه الحكومة» وهو تأجيل تنفيذ مذكرة التوقيف نتيجة لتصلب البلدان ذات الشوكة و لعدم توفر اغلبية ايضا فى مجلس الامن ، و حملت الانباء امس نعي وزير خارجية مصر ،أحمد ابو الغيط للمساعى الرامية لتأجيل تنفيذ المذكرة . لكن سياسيا فان حملة الحكومة «لتوحيد» الجبهة الداخلية ، و ردة فعلها بطرد عدد من المنظمات الانسانية الغربية العاملة فى دارفور و تخويف المجتمع الدولى و المحكمة من مغبة ما يمكن ان يحدث فى البلاد من انفلات ثم انهيار للاوضاع حال الاصرار على المضى فى تنفيذ قرار المحكمة ، تبدو انها سيدة الموقف حتى الان للدرجة التى كبلت و اربكت مساعيها الاخرى فى اتجاه مناهضة القرار قانونيا و ربما غبّشت الوعى الرسمى حول جدوى السير فى هذا الاتجاه من اساسه و هزمت رؤى من يعتقدون داخلها -الحكومة- بأنه لا مخرج من هذا المأزق الا عبر بوابة القانون على الاقل فى المراحل الاولى من المقاربات الحكومية للحل .
فبما ان سقف الموقف الحكومى المعلن يرفض تماما الاعتراف بولاية المحكمة الجنائية القضائية على السودان ، فقد عاد وكيل وزارة العدل ، عبد الدائم زمراوى ليطرح فى مؤتمر صحافى عقده بعد ايام من صدور قرار المحكمة مقترحا حكوميا تم تداوله بعيد صدور مذكرة الاتهام من الادعاء العام بالمحكمة الدولية ضد الرئيس البشير فى يوليو 2007 ، و يقضى المقترح بالتقدم بطعن لدى محكمة العدل الدولية حول صحة قرار احالة الوضع فى دارفور من مجلس الامن الدولى بموجب القرار 1593 فى مارس 2005 تحت الفصل السابع ، الى المحكمة الجنائية الدولية . و ترددت الحكومة فى سلوك هذا المسار فى ذلك الوقت حتى فات عليها الوقت ، و كان التردد الحكومى راجعا الى الخشية من رفض محكمة العدل الدولية للطعن و بالتالى تكون تورطت و يصبح لزاما عليها القبول بولاية المحكمة القضائية . و قد عاد وزير العدل ، عبد الباسط سبدرات ليغلق الاثنين الماضى ضمن حديثه فى الندوة التى اقيمت بوزارة الخارجية هذا المسار ، و يقلل من جدوى خيار اللجوء لمحكمة العدل الدولية .
و كان مطلب الحركة الشعبية ، الشريك الثانى فى حكومة الوحدة الوطنية للمؤتمر الوطنى صاحب الحصة الاكبر فى تشكيلة الحكومة و المعنى بالاصالة عن الأزمة ، بعد صدور مذكرة الاتهام ، ضرورة التعامل القانونى المباشر او غير المباشر مع المحكمة الجنائية الدولية . و قد حاولت الحكومة سلوك طريق التعامل القانونى غير المباشر مع المحكمة الجنائية الدولية و ذلك بعد المباحثات التى اجراها مساعد رئيس الجمهورية ، الدكتور نافع علي نافع مع المسؤولين الفرنسيين الاكثر تشددا فى ضرورة خضوع الخرطوم لقرارات المحكمة الجنائية الدولية ، بباريس فى اكتوبر من العام الماضى ، وقد نفى نافع اى اتجاه لحكومته للتعاون مع المحكمة سواء مباشرة او عبر وسيط ، لكنه اوضح انهم لا يمانعون فى اى مبادرة قانونية من الاصدقاء او الاشقاء ان جاءت . وفهم من حديث نافع ذاك ان فى نية الحكومة اختبار المسار القانونى غير المباشر مع المحكمة الجنائية الدولية ، دون تحمل تبعات اى خيبة يمكن ان تجنى فى هذا الصدد . و بالفعل رفع المحامى البريطانى ، السير جيفرى نايس مذكرة انابة عن منظمة صدق و اتحاد نقابات عمال السودان ، و لكنها رفضت من قبل قضاة المحكمة . و قد كانت نتيجة هذا المسار واضحة النتائج سلفا لجهة ان المحكمة الجنائية الدولية و طبقا لنظام روما الاساسى لا تعقد محاكمات غيابية و تشترط لذللك مثول الاشخاص المطلوبين امام ساحتها اولا ، اضافة الى ان المرحلة التى قدمت فيها مذكرة منظمة صدق هى مرحلة فحص مقبولية الدعوى من قبل دائرة ما قبل المحاكمة لا يتم فيها اى نظر فى دفوعات الدفاع ، الى جانب ان مذكرة منظمة صدق تأسست فى غالبيتها على حيثيات سياسية لدحض مذكرة الاتهام من شاكلة تأثير القضية المرفوعة على فرص السلام و الاستقرار فى دارفور خاصة و البلاد بصورة عامة ، وهى دفوعات لا تصلح لمخاطبة جهة قضائية مثل المحكمة الجنائية الدولية و انما تصلح فى ساحات الجدل السياسى فى مجلس الامن الذى احال القضية للمحكمة الجنائية الدولية . لكن للمفارقة فان الحكومة وفى اطار دفوعاتها ببطلان قرار القضاة تضطر الى استخدام مواد و آليات نظام روما فى توضيح مفارقة المحكمة الدولية للعدالة و القانون ، فرغم انها لم تعلن صراحة انها تريد تأجيل صدور مذكرة التوقيف ، لكنها لم تكن تمانع فى ذلك ، و معلوم ان التأجيل يتم بموجب المادة 16 من نظام روما الاساسى المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية ، بينما احتج ، وزير العدل فى حديثه امام ندوة الخارجية بان المحكمة تحفظت على تقرير تقدمت به دولتا جيبوتى و جزر القمر بموجب المادة 158 من نظام روما حول حصانة الرؤساء ..
و قد وجدت الحكومة انها مضطرة لقبول عرض قديم كان تقدم به رئيس مفوضية الاتحاد الافريقى السابق ، الفا عمر كونارى الى الرئيس البشير فى العام 2004 حينما بدأ التداول داخل اروقة الامم المتحدة حول ارسال لجنة تقصى حقائق دولية حول انتهاكات القانون الدولى الانسانى فى دارفور، حيث طرح كونارى على البشير وقتها استباق القرار الدولى المحتمل بتشكيل لجنة تحقيق افريقية درءا للتدخل الدولى ، لكن الرئيس البشير طبقا لكتاب البريطانى اليكس دوال و مواطنته جولى فلنت «دارفور .. تأريخ حرب و ابادة» لم يعر المقترح الافريقى انتباها . لكن فيما يبدو فان الحكومة قد عادت قبل ايام وقبلت مقترحا مشابها لدى لقاء البشير بوفد الاتحاد الافريقى الذى زار البلاد بعيد صدور مذكرة التوقيف .
والان وفى اطار مساعى التعاطى القانونى مع الازمة ، صرح مدعى عام جرائم دارفور ، نمر ابراهيم محمد ، قبل ثلاثة ايام ، ان تحقيقات تجرى مع وزير الدولة للشؤون الانسانية ، احمد هارون و لكن لم توجه له اتهامات حتى الان ، واوضح ان القيادى بالدفاع الشعبى ، على كوشيب قيد الحبس بعد توجيه اتهامات له فى احداث دُلّيج . و كانت الحكومة و على لسان وزير الخارجية وقتها لام اكول قد ذكرت فى اغسطس 2007 ان كوشيب الذى كان محتجزا اطلق سراحه لعدم كفاية الادلة الموجهة ضده وهو امر اتخذه المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية ، لويس مورينو اوكامبو فى اللقاء الصحفى الذى عقده معنا ابان الدعوة التى وجهتها المحكمة الجنائية الدولية لمجموعة من الصحافيين السودانين فى اكتوبر 2007 ، بيّنة على عدم جدية الحكومة فى تعاطيها القانونى مع ملف الانتهاكات فى الاقليم . و كان واضحا من ذلك التأريخ ان هذا الملف محل صراع بين رؤيتين داخل الحكومة ترغب الاولى فى المضى به قدما درءا للتدخلات الدولية ، بينما ترفض الثانية المضى فيه حتى لا يُتّخذ بعض الاشخاص كباش فداء بينما كانوا فى الواقع شركاء مع مسؤولين اخرين فى تنفيذ الخطة الحكومية لمكافحة التمرد فى دارفور ، وفى نفس الوقت يبدو الامر و كأنه استجابة لضغوط المحكمة الدولية حول الرجلين . وقد دلّلت التصريحات المنشورة فى ذلك الوقت على تينك الرؤيتيين، فقد قالت مصادر عدلية رسمية تحدثت (للحياة اللندنية) الصادرة فى الاول من مارس 2007 إن فريق المحكمة الجنائية الدولية الذي زار البلاد في فبراير من نفس العام ، طلب التحقيق مع هارون إلا أن الوزارة تولت مساءلته بسبب حصانته باعتباره وزير دولة للشؤون الإنسانية، و اشارت المصادر إلى أن هارون كان متجاوباً ومتعاوناً في أثناء عملية الاستجواب. وأضافت المصادر أن فريق لاهاي لم يقابل كوشيب بعدما أكدت له السلطات أنه يُحاكم تحت سلطة القانون والقضاء السوداني ولا يحق للمحكمة الدولية التحقيق معه وهو ما عاد واكده وزير العدل نفسه للصحافيين . و عندما جهرت اراء صحفية بأن الحكومة ما كان لها ان تكشف عن خضوع هارون للتحقيق الا بعد ورود اسمه فى قائمة إتهام المحكمة و انه حتى و إن صحت واقعة خضوعه للتحقيق فأنه فعل ذلك وهو فى كامل حصانته الدستورية ، الامر الذى اضطر المدعى العام صلاح أبو زيد لأن يكشف بأن (محضر الاتهام به ما يستوجب اجراء المزيد من التحرى وإعادة استجواب وزير الدولة بالشؤون الانسانية أحمد محمد هارون ، طبقا لصحيفة الأيام 24/3/2007) . لكن الرئيس البشير قطع قول كل خطيب فى ذلك الوقت عندما صرح لصحيفة السودانى بعد يومين من حديث المدعى العام بأن : "أحمد هارون لن يستقيل ولن يقال ولن يخضع للتحقيق مجددا" .
و يبدو ان صراع الرؤى ذاك قد انفتح مجددا على خلفية الضغوط و المساومات الغربية بعد صدور مذكرة الاتهام ثم قرار القضاة ضد الرئيس البشير و ضرورة ان تسلم الحكومة الرجلين المطلوبين من المحكمة الدولية او تخضعهما لمحاكمة داخلية جادة ، الامر الذى اضطر احمد هارون نفسه ان ان يرد بعنف على تلك التوجهات و يقول ان مسألة خضوعه لتحقيقات لا تعبر عن موقف الدولة المعلن و انما عن (وزير العدل و مدعيه) على حد تعبيره . الامر الذى اعتبره المحلل السياسى و رئيس تحرير صحيفة (ايلاف الاسبوعية)، خالد التيجانى فى مقاله بالصحيفة الاربعاء 18 مارس، دلالة سياسية تبيّن أن المؤتمر الوطنى نفسه يفتقد وحدة الموقف الذى يطالب الاخرين بألتزامها .
و تفتح مثل تلك التصريحات التى اطلقها الوزير احمد هارون الباب واسعا حول إمتلاك الحكومة للارادة السياسية التى يمكن ان تناهض بها ولاية المحكمة الجنائية الدولية القضائية و التأكيدعلى رغبتها فى مناهضة قراراتها قانونيا كما قال نائب الرئيس عشية صدور القرار ضد الرئيس ، دون ان يتسبب ذلك فى انشقاق داخل صفوفها و اتهام للبعض من مسؤوليها بالخيانة ! .
لذا فمن الطبيعى ان يكون صوت السياسة هو الاعلى في الازمةحتى الان ، لانه الاسهل من وجهة النظر الحكومية، ويبدو ان الحكومة وجدت ان اية مقاربة قانونية للازمة باهظة التكاليف ، لذا فانها تريد ان تمضي في اتجاه ما تسميه بالمصالحة، وهو اتجاه اقل استحقاقا من ما يعرف ب(العدالة الانتقالية) التي تدعو لانتهاجها بعض القوى السياسية في البلاد، سوى ان هذا الاتجاه «المصالحات» سيزيد تشدد المجتمع الدولي لانه يعنى ان الحكومة تريد الاستمرار فى سياسة الافلات من العقاب التى يرفضها رفضا قاطعا و فى نفس الوقت ويبقي على المسألة القضائية الدولية مفتوحة على مصراعيها .
حجب نصف هذا الموضوع عن طريق جهاز الامن من صحيفة (الصحافة) عدد الخميس 19 مارس 2009