في آخر المطاف .. بقلم: عادل سيداحمد

 

لم يكن موقفه السوداوي و المتشائم من الحياة، قصراً على خياله، الرافض كل شيء تقريباً، فحسب، و إنما تعداه ليميز و يظهر في كل نقاشاته مع أصدقائه و الأقربين من شباب الأهل، و قال (حمدي) في مجلس عامر من مجالس الأصدقاء:

– لن أستغرب، للحظة، إذا ما نبأ لعلمي خبر إنتحار رشيد!
و صمت جميع من في المجلس، لسببٍ أوحد، و هو: إن ما قاله حمدي يصف قناعاتهم جميعاً، بلا استثناء، و لو كان ذلك اٌستثناء على سبيل التمنِّي اليائس و الرجاء الكذوب، بأن يكون حال رشيد: خلاف ما هو عليه!
و ظهرت علامات حبِّ الفوضى و التمرُّد على رشيد، و الإقبال النَّهِم على الملذات، دون قدرة حقيقية على تذوقِها أو الإستمتاع برونق ما انغمس فيه من مباهج حتِّى الإذنين… غير آبه بالعواقب الوخيمة و الإنعكاسات الداكنة على علاقته بأصدقائه و أهل البيت، و بالذات والديه، الذين أصيبا بما يمكن وصفه: بفقدان الأمل و خيبة الرجاء، بعد تعويل و ثقة لا محدودة فيه، و في قدراته، و في أصالة معدنه، التي جعلت منه في الماضي القريب، أملاً زاهياً… و بشارةَ طوقِ نجاةٍ لأسرة رقيقة الحال…
خاب الظن، و حلّ محل الأمل: ضياعه و زواله!
و رغم الفوضى العارمة التي أحاطت بحياته، فقد كان ينغمس رشيد في قراءة الكتب في إحايين كثيرة، ليس رغبة و حبّاً كما كان يبدو للبعض، و إنما تفادياً لجنس البشر، و صورة من صور الإعتزال الإجتماعي و الإنكفاء على الذات… و ليس القراءة و حدها، بل هوايات أخرى تتيح له الإنفراد بذاته و البعد عن الناس، كالإستماع للموسيقي بلا نية و دون استمتاع، و المشي و لكن بمشقة و عنت، يحتملهما فقط للإبتعاد عن: خلق الله المُضرِسِين!
و عندما داهمته آلام الصدر، خفيفة في البداية، فموجعة جداً بعد فترة و جيزة من الزمن، ثم مبرِّحة في آخر المطاف، ذادت من دوافعه لمغادرة هذه الفانية، و التحرر بروحه عن جسده الذي بات عبئاً ثقيلا و عالَّة على قدراته الذهنيّة، و خصماً على صفائه الروحي، و تأملاته الفلسفيّة…
و صار، أخيراً، يُعاني من صُعوبات في التنفس… و آلامٍ لا تحتمل مع كل زفرةٍ و شهقة.

و ذادت معاناته، بعدَه عن الناس بُعداً و مسافة، و كست وحدتُهُ و حبُهُ للإنفراد و العزلة تبريراتٍ جديدة، و كنزٍ من صُنُوف الأعذارِ: لا يَفنى!
لا أحد على يقين من الإجابة عن السؤال:

– هل كان من الأفضل إخفاء طبيعة المرض عن رشيد، أم: إخباره بحقيقة ما يُعاني؟
و لكن، مرتضى، الطبيب اليافع، و الصديق الأقرب إلى رشيد، و الذي كان متابعاً لأعراض المرض منذ أن كانت إشارات واهنة لا يؤبه لها، حمل، بظلمٍ و جهل، أمانة أن يخبره بما توصل إليه فريق الأطباء (الكونسلتو)، الذين عاينوه و تابعوا حالته، متأخر جداً، أو:
– Too late! Unfortunately
أو كما قالوا.
و في تلك الليلة أقيم ما يُمكن تسميته بالمأتم الاستباقي، الذي شرّفه المرحوم بلحمه و شحمه و قلبه النابض، و ندبت والدته حظها و حظ قبيلتها كلها، و بكت و ولولت و صرخت كما لم يصرخ أحد من قبل: صخباً و هياج.
و باتت إصابة (رشيد) بالمرض في حكم المؤكد، حينما أجمع على التشخيص أكثر من فريق طبي.
و توّسم رشيد الأمل في نفي التشخيص بالسفر إلى مصر و منها إلى الأردن، دون الإستمتاع بأيٍ من الفوائد التقليدية للسفر، حيث قال الأطباء هناك بما قال به الكونسلتُو الأوّل: باديء الرأي:
– سرطان الرئة من الدرجة الأخيرة.
و سأل وحيد مرتضى، مُتوسلاً الرد الصريح… بل و الصريح جداً:
– هل تبقى لي زمن طويل في الحياة؟
و نال مبتغاه بالرد الأبلج الذي تمنى عدم سماعه في بقيّة الأيام التى فصلت بينه و بين نهاية هذه القصة:
– باقي ليك بين ثلاثة إلى ستة أشهر، بالكتير على وجه هذه البسيطة!
و لكن رشيد استدعى قناعات دينية و يقين غيبي، لا وجود، و لا تأثير لهما في تفاصيل حياته الأخرى كلها… و همهم في حضرة دكتور مُرتضى، مبعداً عنه كوابيس و أشباح موته المرتقب، و ناكراً لإمكانية حدوثه وفق تقدير الأطباء، الذين: (لم يؤتوا من العلمِ إلا قليلاً):
– الأعمــــار بيد الله…
– و نِعْمَ بالله!
و مع ذلك، فإنه بين مصدقٍ و مكذب، أخذ أمر موته: مأخذ الجد… و بدأ، فور زوال الصدمة من سماع الإحتمال، بدأ في التحضير لمفارقته دنيا الأحياء الفانية إلى العالم الآخر، الذي هو: خيرٌ و أبقى، كما بشرّت به: الأديان السماويّة جميعاً.

و قرر (رشيد)، الإنغماس في عمل الخير… مع أنه وجد صعوبة في تحديد الخير من ناحية مفاهيمية، ورسم خريطة تقود إليه و تعيين مستحقيه… و مع ذلك فقد بدأ بما يشبه التوصيف الديني له: فوصل الأرحام، و بادر بالصلح مع أعدائه و مخاصميه، و شرع في سداد ما عليه من ديون.
و مع خصاصته و حوجته الأكيدة للمؤازرة و الحنيّة، فأنه وجد نفسه واقفاً (كحِمارِ الشيخِ) أمام إعتراف (سُمية)، بنت عمته الفاتنة، بحبِّها له، و أحتار في معرفة جذور نشأة و طبيعة شعورها، خائفاً أن تكون مجرد مشاعر إحسانٍ و شفقة… لا سيما و إن العلاقة لا مستقبل لها، و أضاف ذلك غصَّةً جديدة إلى حنقه و غبينته.
و نجح الأطباء في تخفيف آلامه بالمسكنات، بعد أن أوقفوا الحبوب العلاجيّة، لقناعتهم بعدم جدواها الآن…و كانت هذه إشارة جديدة لرشيد، بأن حياته في مهب الريح…
و لكن، و بموجب انهماكه في أفعال الخير، و مفعول مسكنات الألم السحري و حُب سمية الدفيق، طابت له الحياة و أشرقت أيّامه بعد إظلام، و أعتراه تفاؤلٌ ليس له ما يدعمه أو ما ما يُقيم الأَوْد…. و تبدَّلت عينه السوداويّة إلى عين ترى الدنيا المُنيرة…
و صار، يُناجي الله في سِرِهِ، و يدعوهُ أن: يهديهِ عماراً في الحياة، و يرزقه طوْلةَ العُمُر!

amsidahmed@outlook.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً