في الإقتصاد السياسي للفبركة … المعارضة ومبدأ الثالث المرفوض .. بقلم: ابراهيم عثمان

————————–

مبدأ الثالث المرفوع ( أو الوسط المرفوع ) أحد أركان المنطق الأرسطي ، وهو يعني أن القضيتين المتناقضتين لا وسط بينهما، فكل شيء هو إما أ أو لا أ . ولا وسط بينهما. أي لابد ان يكون الواحد أو الآخر ، مثلاً إما فلان حي أو ميت ولا مجال لوسط بينهما ، بعض الفلاسفة لا يعترفون بان لهذا القانون قيمة مهمة ، الفيلسوف كانط مثلاً- رغم تصحيحه لمبدأ الثالث المرفوع- لا يرى له سوى قيمة تحليلية تجعل منه مجرد تحصيل حاصل. أي أنه معيار سلبي لا يضع أية أحكام إيجابية صحيحة . يمكن القول أن الساسة لهم أيضاً ثالثهم ، ويمكن تسميته بالثالث المرفوض ، وهي أن أي قضية تحتمل ثلاثة احتمالات : مؤامرة أو نقيصة في هذا الإتجاه ، لا مؤامرة ولا نقيصة ، مؤامرة أو نقيصة في إتجاه مضاد للأول ، يفضل الساسة المؤامرتين أو النقيصتين المتناقضتين ، ويرفضون تماماً وجود وسط بينهما . ولكن هل يلتزم الساسة بمنطقهم هذا ؟ أم يتم استخدامه بطريقة تهدمه تماماً على عواره فيصبح العوار مضاعفاً . كان يمكن استخدام القانون على علاته بطريقة تقلل من علله ، وذلك بأن يثبت الساسة على خيار واحد وأن يختاروا مؤامرتهم المفضلة التي ينسبونها إلى الآخر ويثبتوا عليها . مرور الزمن وتغيرات الظروف ، والجمهور المخاطب ، وحسابات العائدات ، كلها عوامل تجعل الساسة ( المعارضين منهم بالذات ) لا يثبتون على نظرية مؤامرة واحدة وإنما يستخدمون المؤامرة ونقيضها غير عابئين بأن واحدتهما لا تقوم إلا على أنقاض الأخرى . هذا النوع من الأداء يسمم الجو السياسي ويسمه بميسم عدم المصداقية ، والأمثلة على هذا النوع من الأداء من الكثرة بحيث لا يمكن تناول إلا القليل منها في مقال واحد .

حاولت حركات التمرد بمساعدات إعلامية من حلفائها في أحزاب المعارضة إقناع العالم بأن الحكومة ما حررت جبل مرة إلا لتسلمه إلى داعش ( لتنحدر ) من هناك على إفريقيا ! ، لماذا ترسل حكومة السودان داعش إلى دول إفريقيا ؟ وإذا كانت تفعل فلماذا تنتظر حتى تحرير الجبل لتطلق داعش على افريقيا ؟ لماذا لا تضعها في أي منطقة من المناطق الواسعة الأخرى التي تسيطر عليها ؟ ثم إن أقرب دولتين إلى جبل مرة هما تشاد وافريقيا الوسطى فما هي المشكلة بينهما وحكومة السودان التي تجعل الحكومة تغامر وتضع نفسها في ورطة أمام العالم كله بإستقدام داعش وتسليطها على دور الجوار ؟ أسئلة لن يجيب عليها الذين يتبنون هذه النظرية ، ولا تؤثر إجاباتها أياً كانت على ( قناعتهم ) الصلبة هذه ، لا يمر وقت طويل حتى تكتشف أن تلك لم تكن قناعة صلبة ، بل نظرية من صناعته ، سيتصلب في الدفاع عنها حتى تلوح فرصة مناسبة لنظرية أخرى حتى لو كانت ستقوم بتغيير قناعته تلك جملةً وتفصيلا ، لا سيما إذا ثبت أن النظرية الأولى قد استنفدت أغراضها أو ثبت فشلها في تحقيق المراد ، وفعلاً جاءت السانحة في ورقة دافعوا بشدة عن صحتها و تداولوها ونشروها على نطاق واسع على إنها خطة سرية لجهاز الأمن للتخويف بداعش وهمية لا وجود لها على أرض الواقع ! بين داعش كحقيقة موجودة ويستخدمها النظام لتهديد أمن إفريقيا ، وداعش كتنظيم لا وجود له في الساحة لا حقيقةً ولا إيهاماً ، وداعش كبعبع وهمي يقوم جهاز الأمن بتسويقه للتخويف به ، اختاروا النقيضين واستبعدوا الثالث لأنه غير مجدي نضالياً !

ظلوا يقاتلون قتال الأبطال (منذ أواخر التسعينات حتى بدايات العشرية الأولى من القرن ال ٢١) لإثبات أن مشروع استخراج البترول وهم وتخدير وكلام فاضي ، وتحدثوا كثيرا عن قلة الكمية ، وتكلفة الإستخراج العالية ، ونصيب الشركات المرتفع ( وفي فترة لاحقة نصيب الجنوب ال ٥٠٪ ) ، والتكلفة الأمنية العالية ، والنوعية غير الجيدة للخام ، وانخفاض أسعار البترول… الخ ، ومع ذلك كان هناك خطاب آخر موجه إلى الغرب والدول الكبرى بأنها إذا سمحت لحكومة السودان بإستخراج البترول فإن ذلك سيوفر لها عائدات كبيرة ستسعر بها الحروب ! ، ثم أتي وقت استداروا فيه وأصبحوا يزايدون على النظام في ضخامة الإنجاز، ليغرقوه بإنجازه ؛ ، واستبعدوا وهمشوا كل العوامل السالف ذكرها و التي طالما ضخموها لتلغي الإنجاز تماماً ، فالحقيقة عنده يجب أن تكون مفصلة على مقاس مصالحه ، ويجب عليها أن تكون مرنة جداً وتقبل أن تنعكس تماماً إذا اقتضت مصلحته ذلك ، خاصةً إذا ظهرت حقائق جلية واضحة تهدد تماسكها في نسختها الأولى ، فالبترول لم يكن أحلام زلوط ، بل حقيقة رآها الناس كل الناس بشكل أو آخر . إذن بعد أن خسرنا الحرب على هذه الجبهة يجب علينا أن نستغل الحقائق التي دحضت روايتنا الأولى لكي تكون في خدمتنا ، فنتبنى خطاب النظام بأن البترول كان إنجازاً ، ولكن مع تعديل بسيط يقول : بل كان إنجازاً ضخماً لا تقلل منه الكميات البسيطة في المراحل الأولى ، ولا نصيب الشركات ، ولا الأسعار المتدنية في تلك الفترة ولا ال ٥٠٪ نصيب حكومة الجنوب ، بحيث كان منذ السنة الأولى يحقق دخلاً سنوياً صافياً مقداره ١٠ مليارات دولار ! طبعاً المعارضون يعولون كثيراً على عامل الزمن وأن معظم الناس سيتعاملون مع آخر نسخة للحقيقة التي يسوقونها، وأن ذاكرتهم السمكية ستنسيهم الطبعة القديمة لها والتي بنيت الأخيرة على أنقاضها . تفسير ذلك كما أزعم هو أن حقيقة البترول كإنجاز معقول لا يريح المعارضة ، لذلك يجب التطرف في التقليل منه في البداية والتضخيم في النهاية ، ففي البداية لا يصلح تكتيك المزايدة وتضخيم الإنجاز لأن ذلك سيصب في مصلحة النظام ، وفي النهاية لا يصلح تكتيك التهوين لأن ذلك أيضاً سيصب في مصلحة النظام ويقلل من أهمية السؤال عن أوجه صرف أموال البترول ، ولعل الأمور جرت بطريقة جعلت رؤية صورة نموذجية لهذا النوع من الممارسة ممكنة بسبب إنفصال الجنوب . وذهاب معظم البترول مما يجعل المعارضة تضخم الإنجاز كما تشاء دون خشية استفادة النظام من ذلك . بين البترول كأكذوبة وأحلام ظلوط ، والبترول كإنجاز تفاوتت مداخيله عبر السنوات، والبترول كإنجاز خرافي يحقق ١٠ مليارات دولار سنوياً منذ السنة الأولى ، يختار المعارضون الضدين الأول والأخير . فتلغي اختياراتهم بعضها البعض وتلغي أيضا مصداقيتهم، وتبقى الحقيقة تعاند محاولات القتل العمد ، وتقف بجانبها حقيقة غير قابلة للدحض وهي أنهم مدلسون ، والدليل قدموه بأنفسهم

في فترة سابقة كانت المعارضة تعول على العلاقات السوانية الإيرانية لتوتير العلاقات بين السودان ودول الخليج ، وعندما تحسنت العلاقات نسبياً مع دول الخليج حاولوا إيغار صدر الخليجيين بمحاولات إثبات أن السودان يمارس التقية ، وفي هذا الإطار أتت أوراق إريك ريفز التي صاغها أحدهم بطريقة ركيكة غير احترافية ، وترك بصماته بإصراره الغريب على أن يوظف كل جملة فيها لتحمل تهمة خطيرة للنظام ، وكان التركيز الأكبر على العلاقة مع إيران و تصويرها كإستهداف مباشر لدول الخليج خاصة السعودية ، وتم اسناد أوراق ريفز بصورة لوثيقة سرية مزعومة لمخابرات إحدى الدول الخليجية تحاول أن تعطي مصداقية لإدعاءات ريفز ، طبعاً توصلت تلك الدولة إلى مصدر الفبركة وتم التعامل معه ، و عندما تحسنت العلاقات السودانية الخليجية وساءت العلاقات مع إيران تأكد هؤلاء أن مواصلة الإستثمار في مخاوف الخليج من علاقات السودان وإيران لم يعد مجدياً ، لذلك لا مناص من تغيير التكتيك ، والإنتقال من التسويق لفكرة أن حكومة السودان تتحدى دول الخليج وتخونها وتعمل ضدها إلى فكرة مضادة تقول بأن حكومة السودان تخضع وتستكين وتقبل بالتبعية الكاملة لدول الخليج ، وهي فكرة استثمروا – في فترة سابقة – كثيراً في تكتيكات تجعل تصديقها صعباً ، فالمتحدي والمتآمر إذا مورست عليه ضغوط شديدة قد يكف عن التحدي والتآمر أو قد يلجأ إلى التقية التي اقترحها المعارضون في فترة سابقة لكنه لا ينتقل إلى النقيض . بين المواجهة والتآمر والتحدي ، والعلاقات الطبيعية ، والتبعية الكاملة ، يريد المعارضون أن يروا النظام إما متآمراً متحدياً أو تابعاً خانعاً .لأن هذان التطرفان يمكن الإستثمار فيهما ، أما الخيار الثالث فهو مرفوض لأسباب إستثمارية أيضاً !

بعض المشروعات خاصة مشروعات السدود يهاجمها المعارضون على أساس أنها استهداف لسكان المناطق التي تقام فيها و لتاريخهم وأراضيهم ، وفي أحيان أخرى يهاجم ذات المعارضين ذات المشروعات على أساس أنها محاباة لذات السكان ! بين السدود كمؤامرة واستهداف ، والسدود كمشروعات تنموية ، والسدود كمجرد محاباة واهدار موارد البلد لمصلحة ضيقة لسكان مناطق السدود ، يختار المعارضون المؤامرة والمحاباة ، تتجاوران وتتعاركان ويطلع من فسيخهما معارض مسلي ودمه شربات يلغي بإرادته جدوى نظرياته الواحدة تلو الأخرى . وهكذا حاله في معظم القضايا ،لأن خفته ومحاولاته لإقتناص كل الفرص تجعله دائما في حالة إطلاق نار مباشر على إحدى نظرياته إلى الدرجة التي تجعل الإشتجار بين نظرياته أشد وأقسى من ذلك الذي بينها وبين النظام

salaby2013@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً