ana_omdurman@hotmail.com
حتّم تسارع وتيرة انتصارات الثورة المهدية علي قوي الحكم التركي في السودان .. واقعاً تاريخياً و جيو سياسياً جديداً أفضي الي تورط بريطانيا وتدخلها المباشر لقمع الثورة السودانية حفاظاً علي مصالحها في المنطقة . وعلي إثر ذلك احتدمت المواجهات العسكرية بين المهدية وجيوش بريطانية عتيدة ومنها جيش حملة الانقاذ البريطانية الذي أرسلته الملكة فكتوريا لإنقاذ الجنرال تشارلز غردون والذي حاصرته قوات الثورة بمدينة الخرطوم وقطعت عنه الامداد و وسائل الاتصال بالعالم الخارجي .و في ظل تلك الأجواء المتوترة يسهل علي القارئ استقراء طبيعة ذاك المناخ الملتهب والذي تشكلت تبعاً لاجوائه سلسلة من مراسلات طويلة بين الامام المهدي والجنرال غردون . لقد كانت مراسلات المهدي كقائد لتلك الثورة السودانية مع غردون .. هي ابلغ مثال لكاريزما القائد و مقدرته علي توظيف الكلمة المكتوبة من اجل الانتصار للثورة .
ولعل كل ما خطه قلم محمد احمد المهدي من مراسلات مع غردون .. يتباين متنه ومحتواه بوضوح علي حسب ما تمليه الظروف الموضوعية المشكلة لمراحل تطور الصراع بين الثورة والقوي الاستعمارية التي واجهتها .. ويتبدي ما سبق جلياً عندما كتب غردون اولي رسائله للمهدي مخاطبا إياه بفخر الاولياء الصالحين و عارضاً عليه ان ينصبه سلطانا علي كردفان . .. ذاك العرض الذي رفضه المهدي في اباء وترفع . وقد وصف المؤرخ البريطاني فيرغس نيكول كلمات المهدي في رفض عرض غردون بخصوص سلطنة كردفان بالإباء الصارم او ” Stern dignity” .. كما تحدث نيكول محللا مضمون رد المهدي لغردون مشيرا الي انه احتوي علي استفاضة مكررة لنقاط متتابعة رأي محمد احمد انها تشكل سوء فهم أساسي و متأصل في ثنايا حجج الضابط البريطاني التي أنبنت عليها دعائم خطابه ..( نيكول: مهدي السودان ومقتل الجنرال غردون ) ..
عَنْوَن المهدي خطابه لغردون بعنوان دبلوماسي وان أعقب ذلك بكلمات توحي بسخرية واضحة من مقاصد غردون الحقيقية -وبقدر اكثر تحديدا من شفقته المصطنعة- التي أبداها تجاه المسلمين و هو القائد الذي سبقه صيته الذائع الي السودان بتخصصه في قمع ثورات الشعوب علي بريطانيا الاستعمارية فيما وراء البحار وقد جاء فيما كتب المهدي : ” الحمدلله الوالي الكريم والصلاة علي سيدنا محمد وآله مع التسليم ، اما بعد فمن عبد ربه محمد المهدي بن عبدالله الي عزيز بريطانيا والخديوية ، غردون باشا فقد بلغنا جوابك وفهمنا ما فيه ، والحال انك تزعم ارادة إصلاح حال المسلمين وفتح الطريق لزيارة قبر النبي صلي الله عليه وسلم واتصال المودة فيما بيننا وبينكم وحل المأسورين من النصاري والمسلمانين وان تجعلنا سلطانا علي كردفان” ..وفي ذلك الإطار تبقي زمرة من التسأولات بلا إجابة قاطعة عما اذا كان المهدي قد اطلع علي تصريحات غردون المعبرة عن نواياه الحقيقية تجاه ثورته والتي تسربت الي صحافة مصر قبل قدومه الي السودان ومنها قوله محذراً من مغبة التهاون مع الثورة السودانية :” سيسود المدن المصرية جميعاً شعور بأن في وسعهم ان يفعلوا مثلما فعل المهدي وأن يطردوا الدخلاء والخونة كما طردهم وليست إنجلترا وحدها هي التي ستواجه هذا الخطر ، فإن نجاح المهدي أهاج غلياناً خطيرا في بلاد العرب و سوريا ” ..( شلبي : الأصول الفكرية لحركة المهدي السوداني و دعوته ) .. وتبقي تلك الفرضية قائمة ويُعضّد صحتها ما أوردته المصادر المختلفة عن العيون والجواسيس الذين جندتهم الثورة المهدية بمصر لنقل اخبار صحافتها و احوالها عموماً .
ولكن بالعودة علي ما ابتدأناه من إشارة الي كلمات خطاب المهدي فإننا نلحظ هنا انه مال الي سرد ملخص خطاب غردون السابق اليه حتي يسهل عليه تجميع النقاط التي طرقها للرد عليها الواحدة تلو الأخري وتلك ايضا واحدة من سمات أسلوبه في الكتابة ألا وهي ترتيب الردود بحسب السياق التراتيبي الذي ورد في خطابات خصومه . أما بخصوص عرض سلطنة كردفان فقد تميزت كلماته بالحزم اللفظي الذي لا يقبل اي لبس او مزيد من التفاوض حين قال ” لا اريد ملكا ولا جاها ولا مالا وإنما انا عبد مسكين أحب المسكنة والمساكين اكره الفخر وتفخر السلاطين لما جبلوا عليه من حب المال والبنين وهذا هو الذي صدهم عن صلاحهم و أخذ نصيبهم من ربهم فاخذوا الفاني وتركوا الباقي واشتغلوا بما لا يكون الا من الفانيات “.. ( ابوسليم : الاثار الكاملة )
ويحلل كل ٌ من البروفيسور الامريكي ريتشارد ديكميجيان استاذ العلوم السياسية بجامعة جنوب كاليفورنيا و زميلته الباحثة مارغريت وزروموسكي، جوانب كاريزما القيادة في ردود المهدي علي خطابات غردون .. في سفرهما القيم بعنوان ( كاريزما القيادة في الاسلام ، مهدي السودان ) حين يقول : ” في الواقع ، في ظل اجواء مناخ ثوري متفجر كتلك التي كانت في العام ١٨٨٤ لا يمكن اعتبار غردون صنواً كارزمياً للمهدي .. فبأي حال من الأحوال لم يمتلك غردون المقدرة علي السيطرة او التأثير علي روح الأخلاص والتجرد للثورة التي صنعها خصمه الكاريزمي ( المهدي ) بين الجماهير السودانية .لقد اتسمت السياسية البريطانية بالتردد تجاه السودان تماما كما اتسمت تحركات غردون في هذا الشأن بعدم الكفأة (incompetence ) مما اسهم كثيرا في سوء فهم متكامل تكون لدي هؤلاء عن طبيعة الثورة المهدية . ومن الممكن رؤية ذلك بوضوح في عرض غردون سلطنة كردفان علي المهدي. ذلك العرض الذي قابله الأخير بالرفض الفوري . لقد كان رد المهدي علي خطاب غردون تجسيداً لسمة أساسية من سمات القيادة الكاريزمية التي لا تطلب لنفسها موقعا رسميا حكوميا ( السلطنة مثالا) .. بل هو يتحدث عن موقع قيادي لشخصه خارج إطار منظومة القوي (الاستعمارية) القائمة آنذاك ” .. ( دكيجيمان و وزورموسكي : كاريزما القيادة في الاسلام – مهدي السودان ).
لقد تميزت رسائل المهدي المتكررة لغردون – عند احكام قبضته علي المدينة من خلال الحصار – تميزت بمحتوي واحد ألا و هو الضغط علي الأخير بشتي السبل لتسليم الخرطوم حقنا لدماء المدنيين .. وذلك علي نحو رسالته المؤرخة بأواخر اكتوبر ١٨٨٤ والتي جاء فيها :” كن علي يقين انني علي علم بحضور عساكر الانجليز بجهة دنقلا ولكن لست مبالٍ بهم ولا بغيرهم بفضل الله ” الي ان يقول .. ” ولولا مراعاة حسم دماء المسلمين لضربت صفحا عن مخاطبتك وبادرتك بالهجومات التي لا أشك في نجاحها . فسلم تسلم انت ومن معك ، وقد نصحتك وأنصحك وإلا فالحرب بعد ذلك والسلام علي من اتبع الهدي ” .. ثم تتوالي رسائل المهدي لغردون بذات المضمون مع تصاعد سقف التطمينات الكافية و المتكررة والتي بذلها المهدي لخصمه بخصوص سلامته الشخصية الي درجة الوصول بتلك التطمينات الي مشارف عرض سخي بإيصاله ( اي غردون ) آمناً مطمئنا الي حملة الانقاذ البريطانية ان هو آثر التسليم وحقن دماء الناس وذلك علي نحو : ” ان أراد الله سعادتك وقبلت نصحي ودخلت في أماننا وضمانا فهو المطلوب، وان أردت ان تجتمع علي الانجليز نوصلك اليهم “.. ثم يجدد المهدي ندائه له بالرجوع الي وطنه فيقول : ” وسنكتب لك آية واحدة من كتاب الله عسي الله ان ييسر هدايتك ، فطالما كاتبناك لترجع لوطنك ( ولا تقتلوا انفسكم ان الله كان بكم رحيما) .. وقد بلغني في جوابك الذي أرسلته إلينا ان الانجليز يريدون ان يفدوك وحدك بعشرين الف جنيه ، ونحن نعلم أن الناس يتقولون من البطال كلاما كثيرا ليس فينا ولا يعلم نفيه الا من اجتمع بنا . وانت إن قبلت نصحنا فبها ونعمت وان أردت ان تجتمع بالإنجليز فبدون خمسة فضة نرسلك اليهم ” .. ( ابوشامة : من أبا الي تسلهاي ) .. ذلك كان عرضا سخيا رفضه غردون بصلفٍ انجليزي ملك عليه نفسه ليزج بالمدينة في أتون حرب دامية ظل المهدي يعمل علي تجنب تبعاتها من خلال حصار مطول للمدينة قارب العشرة اشهر زمنياً وهو ذات ما عبر عنه المؤرخ البريطاني فيرغس نيكول حينما سرد مجهودات المهدي لحقن الدماء و ومحاولة إقناع غردون بتسليم المدينة فقال : ” لقد شرع محمد احمد المهدي في حملة مراسلات مطولة امتدت لزهاء العشرة أشهر لإقناع غردون بالعودة الي بلاده مكرماً بدلا من إزهاق باقي عمره في الدفاع عن ما لا فائدة في الدفاع عنه ! ” .. وقد أقر نيكول بمصير مختلف للمدينة وخسائر اقل في صفوف مدنييها إن اختار غردون الاستجابة لتلك النداءات وتسليم الخرطوم حين قال :” لقد كان المهدي رجل عند كلمته ( The Mahdi was a man of his word ) .. ولم يُعرف عنه الفتك بالمدنيين او الجنود الذين استسلموا له ” .. ( نيكول : مهدي السودان ومقتل الجنرال غردون ). وفي ذات الصدد يستفيض المفكر المصري الراحل الدكتور عبد الودود شلبي في دراسة مراسلات المهدي مع غردون.. قبل ان يخلص الي رؤيته المستمدة من التمحيص في تلك الوثائق والتي قال فيها : ” هذا هو المهدي في تفكيره و دعوته ، وذلك هو غردون في عناده وتصلبه . إن القائد الذي لا يُقهر و لا يهُزم لا يريد ان يعترف بقائد اخر لا يُهزم ولا يُقهر فلا يزال غردون أسير أمجاده السابقة وأحلامه . ماذا عليه لو حقن الدماء و أوقف الحرب ؟ إنه غرور العظمة و ميراث الصليبية و كبرياء رجل يري الافارقة والمسلمين عبيدا و وحوشا مفترسة. الحروب لا تدبر بمثل هذه العقلية . فالحروب كَر و فر و عقل وفن ، وإعداد وتخطيط ، والقائد الحكيم هو الذي يزن الأمور بتجرد كامل من هوي النفس. غردون لم يكن حكيما ، كان كما يصفه اللورد كرومر – مندفعاً متهوراً ، ونادراً ما كان يصير علي رأي ويبدو انه كان خلواً من اي موهبة عظيمة القيمة ” .. ( شلبي : الأصول الفكرية للمهدي السوداني ) .
ويتفق المؤرخ الوطني الدكتور احمد ابراهيم ابوشوك مع ما سبق الإشارة اليه من تعنتٍ جلي اتسمت به مواقف غردون من خلال مراسلاته مع المهدي تجاه الاحداث التي سبقت تحرير الخرطوم وما ترتب علي ذلك من نتائج . و يُرجع ابوشوك تحول الثورة من سياسة الحصار لاستراتيجية المواجهة العسكرية مع غردون لتعنت الأخير وتهديده المستمر بقدوم حملة الانقاذ الانجليزية من الشمال . كما يري ابوشوك :” أن استراتيجية المهدي العسكرية لم يكن هدفها الأوحد تدمير قوات العدو او الانتقام من الأعداء بل كانت تسعي لفرض وضع عسكري يهئ لها النصر اما بهزيمة العدو حربا او استسلاماً ” .. ( ابوشوك : الاستراتيجية العسكرية للامام المهدي )
وفي الجانب الاخر.. و علي المستوي الشعبي تحديداً.. أسال المهدي الكثير من المداد.. مستميلاً به الي جانبه تأييداً شعبياً كاسحاً داخل المدينة المحاصرة مما انتقل بغردون الي اجواء من العزلة عززها المزاج الشعبي الملتهب بفضل الخطاب التعبوي الجماهيري الناجح للامام المهدي من خلال حركة المنشورات النشطة آنذاك .. فعرفت الخرطوم لأول مرة ثقافة المنشورات السرية حتي قبل أن تعرف غيرها من المدن في المنطقة تلك الثقافة .. وفي ذات المعني يقول ابوشوك : ” شرع المهدي في حرب المنشورات المتبادلة مع تشارلز غردون إذ كتب منشورا الي أهالي الخرطوم.. استنسخ الكُتاب نسخاً منه ثم أعطوها لأحد الجواسيس فوضعها في إناء من صفيح علي شكل إبريق وعبر به النيل الابيض سباحة بالليل و دخل المدينة علي حين غفلة من اهلها وألقي بالمنشورات بالازقة والطرقات وقذف بها للمنازل “.. وترتب علي ذلك أضعاف الروح المعنوية لسكان الخرطوم وتأليب الرأي العام ضد غردون ووقوف بعض أعيان وعلماء الخرطوم موقفاً معارضاً له كأحمد العوام .. ممهدين الطريق لإنجاح سياسة الحصار والانهيار من الداخل .. ( ابوشوك : نفسه).
واستكمالاً لما سبق من تداعيات بإصرار غردون علي مواصلة المواجهة مع قوي الثورة .. فقد فُرض علي قلم محمد احمد المهدي التصدي لجملة من التحديات المترتبة علي ما يتوقع حدوثه من تجاوزات عندما تجتاح جيوش الثوار المدن وذلك من خلال منشورات متتابعة وسمها- كدأبه دوما في مخاطبة الجماهير- بميسم البساطة والمباشرة ، فيعمل القائد بحزمٍ شديد علي تحقيق مقاصد الثورة قدر ما استطاع ومن ذلك منشوره الشهير بعد تحرير الخرطوم مباشرة : ” ان النساء الخارجات من ققرة الخرطوم جميعا قد أحببنا ان يعطين لازواجهن ولا يجوز لأحد من أصحابنا وأحبابنا ان يتزوج منهن .. فذوات الأزواج يسلمن لازواجهن وكل من لا زوج لها تكون لدي امين مأمون( المقصود شخص محرم ) ويجري راحتهن.. فالحذر من التزويج لأحد من نساء ألقياقر المذكورة صغيرة او كبيرة .. ثيبا او بكرا ومن تزوج بواحدة من المذكورات بدون نظر حكم الله فهو الجاني علي نفسه والسلام “.. وكان المهدي قد استبق معركة التحرير الحاسمة لعاصمة البلاد بمنشوره لقوات الثورة الداعي لإكرام المدنيين الهاربين من جحيم الحصار داخل المدينة وتأليفهم بحسن معاملتهم حين يقول ؛ ” فألفوا عباد الله الذين يخرجون مُسّلمين ومنقادين بأنواع التأليف وتلقوهم بالإكرام والتشريف .. ولا تتلقوا احداً من المنقادين بتعنيف ” .. وفي ذات المنشور المطول يشدد قائلاً : ” واكرموا الذين يأتون مُسّلمين وخصوصاً العلماء ومن كانوا من أهل الوظائف الكبار ، وبالأخص نحو الأمين الضرير ” .. ( ابوسليم : الاثار الكاملة للأمام المهدي ) .
ولم يقف سيل منشورات المهدي بهذا الخصوص عند ما سبق من أوامر ادارية بل جنح الي الخروج بما كتب الي حيّز التطبيق الواقعي لما نادي به من ادبيات وبالأخص حينما حاد بعض المتفلتين عن ما ورد سابقاً . عندها لم يتأخر قلمه عن اصدار نص عقوبات تعزيرية صارمة تصل الي السجن لمدة شهر والجلد لكل من تثبت ادانته بتلك الانتهاكات ففي ١٨٨٥ كتب للخليفة عبدالله قائلا : ” لا يخفي حبيبي ، اننا نبهنا من اول الامر ان نساء الققرة( ققرة الخرطوم) من لها زوج منهن تسلم اليه ولا يعارضه فيها احد . وقد بلغني ان بعض الانصار يقولون ان امر المهدي لا يلزم العمل به . وقد وقف علي ذلك بعض الاخوان الصادقين ، ومن ذلك بلغني ان علي ود الجاركوك أخذت منه امرأته التي تسمي العازة بنت نائل وهربت منهم واتت الي مستغيثة ممن حبسها و أراد ان يخرجها عن زوجها وكذلك احمد أخذت منه زوجته فاطمة بنت موسي الكريل . ولما كان يحصل التجاسر علي خرق امرنا و مخالفته هكذا مع ان امرنا ناشئ مع المشورة المسنونة فكيف يجوز تركه والتهاون به ، ومع ان امراء الدنيا سابقاً لو امر ( باشتهم) بترك المصالح وحرق المدافع يطيعونه حالاً وينفذون أمره بلا تهاون كسعيد باشا ومثل غردون يسكر ويقول كسروا هذا فيكسره بدون تهاون . فكيف لا يقوم الانصار ان كانوا أنصارا حقاً بأمرنا حالاً ؟ وما أظن الذين يفعلون هذا الا عائقون عن سبيل الله صادون عباد الله عن طاعة الله اتباعاً لأهوائهم . فأفحص يا صديقي هذا انت ومن معك من الخلفاء والأنصار الصادقين وانه من يفعل مثل هذا او غيره من ترك الأوامر تحبسوه شهرا وكل يوم يُضرب أربعين سوطا كفارة له وعبرة لغيره لينزجروا عما يورث الهلاك لهم وللأمة ، والسلام ..
تحشية: وكذلك من يمسك امرأة بدون ان يأمنونه عليها ولا يحفظها ولا يوصلها محل الي الأمانة المعد لها كأمين بيت المال ومن امرهم فلازم ان يحصل عليهم الزجر الكافي والتهديد الشافي . وما مثل هذا الا افعال الجبابرة الذين لا خلاق لهم ، فلازم الاهتمام بهذا الامر الذي أمرض قلبي وانالني هماً والسلام “.. ( ابوسليم :الاثار الكاملة للأمام المهدي )..
وكما نري هنا يستخدم المهدي التحشية للتأكيد والتذكير بما كتب وهو عموما لا يستخدمها كثيرا الا عندما ينتوي التشديد علي مضمون ما ذكره في نص المنشور . فالمهدي لا يستنكف أن يكتب مصححاً ومقوماً كلما رأي الرسم البياني المتصاعد للثورة يحيد عن ما ارتأه من قيم ومنظومة اخلاق بل و يتبع ذلك بإصدار القوانين الزاجرة لما يراه من ” افعال الجبابرة الذين لا خلاق لهم ” . فحتي بعد انتصاره العسكري الحاسم علي القوي الاستعمارية بتحرير الخرطوم .. نجده يكتب بقلم المحارب الذي لا يزال محتفظاً بسلاحه لردع مظاهر الانفلات الثوري التي عادة ما تصحب الهبات الجماهيرية المسلحة . وفي نفس المعني أيضاً كتب الامام المهدي في أعقاب تحرير الخرطوم للأمير محمد عبدالكريم وجيشه المحاصر لسنار مشيداً بقوات حمدان ابوعنجة لانضباطها وحسن مسلكها مع المدنيين : ” وجزي الله الحبيب حمدان ابوعنجة عنا وعن دينه خيراً فقد بلغنا عنه ما سرنا من الاستقامة ومنع الأصحاب من أخذ حقوق العباد واذيتهم ” .. ( ابوسليم : نفسه ) ..
وفي هذا الصدد يقرر كل من رتشارد دكيمجيان و مارغريت وزموريسكي اللذان قاما بدراسة منشورات المهدي باستفاضة من خلال ” كاريزما القيادة في الاسلام – مهدي السودان “.. يقرران.. بان مرحلة حصار و تحرير الخرطوم تميزت بنضج واكتمال ملامح القائد الكاريزمي عند المهدي في أوضح صورها وذلك من خلال تمتين العلاقة الكاريزمية للقائد مع الجماهير بالاستناد الي منظومة من القيم والاخلاق الثورية النابعة من القائد الكاريزمي نفسه .. مما يبقي علي الأثر النفسي المطلوب بين الجماهير لتحقيق اهداف الثورة. وتندرج تلك المعاني وفق التراتيبية التصاعدية لكاريزما القائد و ذلك في إطار المرحلة الثالثة فيما يعرف بعلم التاريخ بمقياس Weber لكاريزما القيادة الثورية .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم