في فضل الطب والمهن الصحية .. بقلم: بروفيسور/ حسن بلّه محمد الأمين/ مستشار المجلس القومي السوداني للتخصصات الطبية

 

كان للطب والأطباء على مر العصور وكد الدهور مكانةٌ رفيعة. فالإسلام مثلاً يعتبر تعلم الطب والعلوم الصحية فرض كفاية. يقول الإمام الشافعي – رحمه الله – ” لا أعلم بعد الحلال والحرام علماً أنبل من الطب.” ويقول آخر: ” تعلم الطب وعلومه فرض كفاية، وهو تحصيل ما لابد للناس منه وما يحتاج إليه في قوام أمر الدنيا كالحساب والهندسة.” ويقول النووي: ” الحاصل أن المسلمين اتفقوا على أن الاشتغال بالعلم لوجه الله تعالى أفضل من الاشتغال بنوافل الصوم والصلاة والتسبيح ونحو ذلك من نوافل عبادات البدن.” وعن مكانة العاملين في الحقل الصحي يؤكد الشافعي هذه المكانة بقوله: ” إنما العلم علمان: علم الدين وعلم الدنيا. فأما الذي هو علم الدين فهو الفقه، والعلم الذى للدنيا هو علم الطب، فلا تسكنن بلداً ليس فيه عالم يفتيك في أمر دينك ولا من ينبئك عن أمر بدنك.” ويقولون صنفان لا غنى للناس عنهما: العلماء لأديانهم والأطباء لأبدانهم.”

يقول الرازي في فضل الأطباء أنه ” قد اجتمع للأطباء خمس خصال لم تجتمع لغيرهم: الأولى اتفاق أهل الملل والأديان على تفضيل صناعتهم، والثانية اعتراف الملوك والسوقة بشدة الحاجة إليهم إذ هم المفزع والغياث حين لا ينفع عدةٌ ولا عشيرة، والثالثة: مجاهدة ما غاب عن أبصارهم، والرابعة اهتمامهم الدائم بإدخال السور والراحة على غيرهم، والخامسة الاسم المشتق من أسماء الله؛ (الحكيم). والذي يلفت النظر ويدعو للإعجاب قوله: اهتمامهم بإدخال السرور والراحة على غيرهم.” وفي هذا تذكرةٌ للطبيب والعاملين في المهن الصحية بأهم واجباتهم.

يدخل أطباؤنا المتقدمون في فضل تطوير الطب فقد قيل ” كان الطب معدوماً فأوجده أبو قراط، وناقصاً فأتمه ابن سينا ومشتتاً فجمعه الرازي.” ويدخل الأطباء والعاملون في المهن الصحية بفضل عملهم ومهنتهم فيما تشير إليه الآية الكريمة: “ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً.” ولهذا فالأجر الحقيقي للطبيب هو الأجر المرتجى من الله أما الأجر الذي يتقاضاه الطبيب مهما كثر فهولا يوازي ذلك. إدخال السرور على الآخرين لا يكون بالمعالجة وتخفيف الآلام فقط، وإنما يكون بالمشاطرة الوجدانية مع المريض والرقة في التعامل معه، والإحسان إليه، ويكون بحفظ صحة الأصحاء ونشر ثقافة العافية (Wellness)وكلها واجباتٌ على الطبيب تذكرها في كل حين.

كيف يحفظ الطبيب صحة الأصحاء؟ هذا علم قائم بنفسه في دراسة الطب اليوم، فهناك “تعزيز الصحة” وتعني بالمختصر مساعدة الناس على مساعدة أنفسهم وأن يتحملوا جزءاً مقدراً من مسؤولية الحفاظ على صحتهم. وهناك “طب نمط الحياة” (lifestyle medicine) باعتبار أن نمط الحياة والسلوك من أهم محددات الصحة. حفظ الصحة ورد أيضاً في كتابات الأولين عن رؤية الطب ورسالته وهدفه وهي “حفظ الصحة إذا كانت موجودة وردها إذا كانت مفقودة.” وليت أساتذة الطب وواضعي المناهج الطبية استصحبوا هذا التعريف الجامع المانع الجديد القديم.

تأمل أيها القارئ الكريم أن هؤلاء الأطباء العلماء جميعهم قدموا حفظ الصحة على معالجة المرض، فلا يقولن قائل “أنا طبيب معالج وأترك أمر الوقاية للمختصين فيها.” هذا قولٌ مردود، لأن خير من يقدم الوقاية هو من يقدم العلاج. ونسوق رسالة الاهتمام بالوقاية لكل من يقرأ هذا المقال لأننا نريد للأصحاء أن يروا ويستشعروا على الدوام تيجان الصحة التي على رؤوسهم لا أن يدركوا ذلك عند وقوع المرض. ويكون استشعار تاج الصحة بشكر الله عليها أولاً ثم بالمحافظة على استدامتها بالسلوك الصحي القويم، وأن يدركوا أن “الصحة ليست كل شيء ولكن كل شيء بدون الصحة لا يساوي شيئاً.”

لابد من الإشارة هنا إلى أن الطبيب بالمعنى الشامل هو ما كان يطلق عليه في ثقافتنا “الحكيم” ولهذه التسمية دلالات، غير أن التسمية لا تنحصر فقط على الطبيب بتعريف اليوم بل يدخل فيها كل أعضاء الفريق الصحي الذي يقوده الطبيب. ولذلك يدخل كل أولئك في فضل الطب. في يومنا هذا لا يعالج الطبيب وحده وإنما الفريق الصحي بأكمله ويدخل في ذلك الممرض والصيدلاني وأخصائيي المختبرات والفنيين وغيرهم.

تعددت أنواع الطب وتخصصاته في عصرنا هذا وقد اتفقت الدوائر العلمية اليوم على أهمية ممارسة ما يسمى ” الطب المبني على البرهان” (Evidence-Based Medicine) وربما نفرد رسالة عن هذا لأهميته، ولكن نتمنى أن يكون ما يمارسه أطباؤنا في السودان طباً مبنياً على البراهين. وقد ضمن ذلك مناهج كليات الطب. لقد حفل تاريخ الطب في السودان بما جعل أحد أهم الأطباء الانجليز الذين عملوا في السودان ان يصف الخدمات الصحية في السودان بأنها “تجربة ناجحة في الطب الاجتماعي” ويقصد بذلك الجودة والعدل في تقديم الرعاية الصحية لأهل السودان.

hassanbella@yahoo.com

///////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً