في كون اللُّغة محدِّد للهُويَّة .. بقلم: سلمى التجاني
26 فبراير, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
27 زيارة
دويق بييلي، آقى، اق أني، أمادو
في يوم ، كنت مع ابنتي في مركبة عامة بلندن ، أرادت أن تُسِرَّ إلي بشيئٍ ، فهمست في أذني طالبةً أن أرد عليها باللغة العربية . خصوصية حديثها واختيارها للعربية أوضحا لي موقع هذه اللغة في نفسها ، فهي وإن أجادت الإنجليزية فهناك لغة أخرى تشعرها بالأمان والطمأنينة وربما الإنتماء أكثر من غيرها .
الأسبوع الماضي احتفل العالم بيوم اللغة الأم ، الذي أقرته الأمم المتحدة في العام 1999م وبدأ الإحتفال به منذ سنة 2000 ، مع تحديد الحادي والعشرين من فبراير من كل عام يوماً للغة الأُم . ويُقصد بالمصطلح اللغة التي يتعلمها الإنسان في بيته ومن والديه . إحدى تفسيرات التسمية تذهب إلى أن اللغة الأم تكون بمثابة الأم في المنزلة لدى المتحدثين بها ، ويتشربها الطفل مع الرضاعة في سنين حياته الأُولى .
تأتي أهمية اللغة الأُم من أهمية اللغة بشكل عام ، في تشكيل هوية الفرد والمجموعات ، ومن وظائف اللغة نفسها كوسيلةٍ للتواصل ولتأويل ما نسمع من الآخرين . فاللغة حاوي وناقل للثقافة ومحدِّد لطريقة تفكيرنا وتصوراتنا للعالم من حولنا . الروائي والكاتب الفرنسي اللبناني أمين معلوف ، في كتابه الهويات القاتلة ، يعتبر اللغة أحد أهم الإنتماءات التي نعترف بها ، ويضعها بذات مستوى الدين في تشكيل الهوية ، بل يجدها تتفوق عليه كون الدين حصري ، إذ لا يمكن للشخص أن يدين بأكثر من ديانة غير أنه يمكنه الحديث بأكثر من لغة . وينحو ذات الإتجاه الباحث وأستاذ علم اللغة التطبيقي جون جوزيف ، إذ يؤكد أن للغة القدرة على إستيعاب أكثر من ثقافة واحدة ، ( فاللغة العربية استوعبت الإسلام والمسيحية ) كما ورد في كتابه اللغة والهوية :قومية، إثنية، دينية . بينما يضعها الباحث المغاربي محمد بودهان كعنصرٍ مهم محدد للهوية لكنه تابع لعنصر الأرض .
بالسودان ما يزيد عن المائة لغة لمجموعات سكانية مختلفة ، بعضها انقرض وأكثرها لم يجد حظه من الكتابة وبالتالي الدراسة والتطوير . هذه اللغات ظلت تحوي تأريخ وأحاجي وحكم ومورثات هذه المجموعات ، غير أنها تنحصر في ذات المجموعة ، يتعلمها الصغار من والديهم ، وقد يفقدون التواصل بها لأنها خارج إطار ممارستهم الحياتية من تعلُّم وتواصل . لكن ذلك لا يلغي دورها كمحدد لهوياتهم وعامل من عوامل ربطهم بجذورهم وإرث آبائهم ، وهي بلا شك تؤثر في تعاطيهم مع الحياة من حولهم ، سوى أنها تظل مجهولة لباقي مكونات المجتمع ، ليعيش في دوائر مغلقة ومعزولة عن بعضها ، الكل خارج دائرته غريب اللسان والإنتماء .
وأكبر خسائر الأمم تحدث عندما تفقد لغاتها ، إذ يعني ذلك أنك فقدت جزء من تاريخ وإرث مجموعة تشاركك ذات الوطن ، وفقدتْ هذه المجموعة وسيلتها للتواصل مع الآخرين ، ما يسفر عن خسارتها لجانبٍ مهم ومؤثر من هويتها . وخسارة الحضارة الإنسانية لمصدر من مصادر التنوع والثراء .
واقع الحال يؤكد أن عدداً من قبائل السودان فقدت لغتها ، لتحل محلها لغة الدولة الرسمية ، ولعل اللكنة التي لا زالت تلازم ألسنة أفراد هذه القبائل تشبه ما يمكن وصفه بالأحساس بالفقد ، أو الحنين إلى لغةٍ انقرضت وأخذت معها الكثير من كينونتهم.
عند الحديث عن الدول التي حققت نجاحاً في إدارة تنوعها اللغوي والإثني والديني يبرز النموذج السويسري ، فبعد حروبٍ طاحنة بين مكوناتها ، تم في العام 1848 التوافق على إنشاء دولة فدرالية بدستور وبرلمان فيدرالي ، وقُسِّمت البلاد لستة وعشرين كانتون تتحدث أربعة لغات ، كلها رسمية ؛ الفرنسية ، الإيطالية ، الألمانية والرومانشية ( لغة لاتينية ) .
التنوع الذي يتميز به السودان يناسبه نموذجٌ للحكم لا يُمارس فيه قمعٌ وعسف تجاه اللغة كعنصر هام في تشكيل هوية سكانه ، وبالتالي إقصاء لمجموعات سكانية مقدرة من حركة الثقافة العامة للدولة . في نوع الحكم الفيدرالي الذي يليق بالسودان ، يجب أن تُختار لغة أكبر المجموعات السكانية لتصبح لغةً رسمية للإقليم، على ألا يتم إهمال بقية اللغات ، لتجد حظها من الدراسة ، وتخصص لها المعاهد لتطويرها والحفاظ عليها وتعريف شعب السودان بها وبما تحمله من ثقافات ، فيحقق كل إقليم هويته الخاصة ضمن هويات الدولة المتعددة . وبذا تصبح اللغة مدخلاً لإدارة التنوع الثقافي والإثني .
* كلمة ( لغتي ) (My language ) بلغات الفور، الزغاوة، اللغة النوبية ( شمال السودان ) ، لغة التيمانج جبال النوبة، التاما، الفلاتة والبرتا بالنيل الأزرق على التوالي :
دويق بييلي، آقى، اق أني، أمادو، حنا بونغ، ديمنقال أمْ، لغتي .
سلمى التجاني
صحيفة البعث السوداني
salma_122@hotmail.com