في مصائر الانتقالات السياسية بين سلطة الانقاذ ومناوئيها .. بقلم: عثمان محمد صالح/ هولندا


 
    بقبوله الإستوزار في حكومة ولاية الخرطوم في أغسطس الماضي، يصبح السيد حسن إسماعيل آخر المتنقلين الى جانب سلطة كان يناصبها سافر العداء. وهو مسبوق في انتقاله السياسي هذا بكثر كثار منهم من حذا حذوه، ومنهم من سار في الاتجاه المعاكس من السلطة نحو المعارضة، ومنهم من انتقل مرتين : من المعارضة الى السلطة ثم عاد من حيث أتى، وهناك فئة آخرون.

    فممن انتقل من السلطة إلى المعارضة: يحيى بولاد، والدكتور حسن الترابي وجماعته في المؤتمر الشعبي، والدكتور عبد الوهاب الافندي، والدكتور الطيب زين العابدين، والدكتور خليل إبراهيم، والدكتور غازي صلاح الدين وحزبه الاصلاح الآن، وجماعة سائحون.

    وممن كانوا معارضين ثم جانبوا السلطة: الحزب الاتحادي الديمقراطي بزعامة السيّد محمد عثمان الميرغني، ياسر يوسف (من مؤتمر الطلاب المستقلين إلى وزرة الاعلام )، صديق محمد توم( من حزب أمة إلى المؤتمر الوطني)

    ومن الذين انتقلوا مرتين، أي من المعارضة الى السلطة ثم عادوا الى المعارضة: السيّد رياك مشار، السيّد مبارك الفاضل وحزبه الامة – الإصلاح والتجديد، والحركة الشعبية لتحرير السودان، وجبهة الشرق، وحركة تحرير السودان- جناح أركو مناوي.

     وفي فئة آخرون نضع الحزب الشيوعي السوداني لتميّزه بالمعارضة     
    طوال سني الانقاذ على الرغم من أنه ارتضى المشاركة  لبعض الوقت بثلاثة من أعضائه نوّاباً في المجلس الوطني (البرلمان) القائم بالتعيين.

    فأمّا من كان إنقاذياً ثم انقلب عليها فإن أهل السلطة يصلونه بألسنة حداد إن جهر بالرأي السياسي المعارض وتحالف مع خصوم الأمس فيناله من عسف الحاكم  ضرّ القمع والكبت والاعتقال كما حدث للدكتور حسن الترابي، وأماّ من خرج على إخوة الأمس وحمل عليهم السلاح كيحيى بولاد فقد كان مصيره القتل. ويعني هذا أن جزاء السلطة للمارقين من صفّها تتناسب شدّته وعنفه طردياً مع نوع المعارضة التي يختارها المارق والخطر الذي تمثله على بقاء السلطة.

    فأمّا الذين انتقلوا من المعارضة الى السلطة سواء مكثوا بها أم لم يمكثوا فقسمان : أفراد وجماعات، مدنيون وعسكريون صالح بعضهم السلطة بناء على اتفاق مبرم ومشهر، وهناك من فوجيء الرأي العام بخير تعيينه في منصب حكومي.  

       متنوعة هي مصائر  المتنقلين من جانب المعارضة إلى جانب السلطة. وفي وسطهم يتفرّد السيد حسن إسماعيل، آخر المتنقلين، بضراوة عاصفة الغضب والاستهجان الذي أثاره انتقاله في صفوف معارضي السلطة. ولقد بدت  تلك العاصف من الضراوة بمكان حتى ليحسبنّ المرء أن  المعصوف هو أول المارقين من صف المعارضة، وليس آخرهم.
    والسؤال الذي يبرز من هذه الواقعة هو:  لماذا هوجم السيّد حسن إسماعيل بضراوة غير مسبوقة؟,

    أتساءل دون ادعاء سبق في بلورة السؤال الذي تقدمني في طرحه السيد بهاء الدين أحمد سيد عجيب،  في مقاله الموسوم: حسن إسماعيل .. وزيراً.. مابين الشامتين والحادبين والمشفقين.(موقع الراكوبة دوت نت-08-2015) قائلاً : ما الضير في أن يصبح الصحفي المعارض حسن إسماعيل وزير اً بحكومة الخرطوم، فقد سبقه إلى دخول القصر، وليس حكومة الولاية أركو مناوي بلامؤهل أو سفر يؤهله لذلك. وهناك مالك عقار وياسر عرمان ومنصور خالد. فلماذا حلال على البعض وحرام عليه، طالما أنّ السوابق السياسية في بلد كالسودان تعزّز مساره وتنفي الغرابة في قبوله الاستوزار؟.

    قد يجيب على سؤالنا الآنف الذكر قائل : لان السيّد حسن إسماعيل ق إرتدّ سياسياً.
    وعلى مثل هذا القول نرد: هو ليس أول المرتدين سياسياً بعقيدة المعارضة.

    وقد يجيب آخر قائلاً:  لأنه كان من أعلام المعارضة ولاسيما أثناء هبة سبتمبر 2014 الشعبية ضد السلطة.
    وعلى هذا القائل نجيب: أو ليس في زمرة سابقيه في الصلح مع الانقاذ أعلام  من المعارضين؟!.

    وربما أجاب ثالث بقول من شاكلة: تتناسب ضراوة الهجوم الذي تعرّض له السيّد حسن إسماعيل طردياً مع ضراوة النقد الذي كان يصوّبه للسلطة قبل أن يجنح نحوها.

    وعلى هذا المجيب نجيب: هو ليس استثناء في صلي السلطة بألسنة حداد. ومن بين سابقيه في الصلح من جمع بين حدّة اللسان الناقد للسلطة ومضاء السلاح المصوّب  نحوها، ومع ذلك لم يلحقهم بسبب صلحهم اللاحق مع السلطة أيّ أذى من جمهور المعارضين. بل ان من بينهم من صالح وابرم وعاد الى الخرطوم فاستقبلته الجموع الغفيرة في مطار الخرطوم استقبال الفانحين كماجرى لقادة الحركة الشعبية لتحرير السودان بعد نايفاشا 2005 . وهناك أيضاً قادة التجمع الوطني الديمقراطي الذين صالحوا السلطة في 2005  وعادوا للخرطوم، وان لم يجدوا فيها حفاوة الاستقبال الحاشد الذي حظيت به الحركة الشعبية لتحرير السودان، الّا أنهم في المقابل لم يواجهوا العاصفة التي نهضت في وجه السيد حسن إسماعيل. فلماذا هذا التمييز الظاهر بين فئات المعارضين الجانحين للصلح مع السلطة؟. وبماذا يمكن تفسير الترحاب الحافل الذي تلقاه قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان عند عودتهم للخرطوم، والبرود واللامبالاة التي كانت رد فعل الجمهور إزاء اتفاقيات القاهرة وأسمرا لسلام شرق السودان وأبوجا والدوحة لسلام دارفور، والهجمة العاصفة التي ووجه بها إستوزار السيّد حسن إسماعيل؟!.

     للإجابة لابدّ من عقد مقارنة بين الأطراف المعارضة التي يحتويها السؤال : الحركة الشعبية لتحرير السودان، التجمع الوطني الديمقراطي، جبهة الشرق، حركات دارفور المسلحة والسيّد حسن إسماعيل. فإذا بدأنا بالاخير وجدناه يحتل مؤخرة القائمة لضعفه البيّن قياساً ببقية الأطراف موضع المقارنة وذلك لكونه فرداً مدنياً أعزلاً من سند جماعة سياسية ذات بأس وقدرة على إملاء إرادتها عند التفاوض مع السلطة. يتميز السيّد حسن إسماعيل عن الآخرين أيضاً بكونه الوحيد الذي صالح السلطة وليس بينه وبينها ميثاق مكتوب.
     
      
     
    إذا ألقينا نظرة على سجل الاتفاقات التي أبرمتها السلطة مع فرقائها نجد انّ اتفاقات مع الحركات المسلحة وفي صدارتها نايفاشا هي الأقوى من حيث  مقدار التنازلات التي قدمتها الانقاذ ، مقارنة باتفاقاتها مع المعارضة المدنية. وهذا من طبائع الأشياء فالانقاذ شأنها في هذا شأن أيّ سلطة استبدادية لاتقيم وزناً ولاتصغي بجديّة إلّا للأقوياء من الفرقاء ذوي النصار والسِنان. مّا الجمهور فمعياره لتصنيف لأحزاب وجماعات المعارضة في تراتبية المهابة هو معيار القوة، أي بما لدى الجماعات والأحزاب من أنصار وسلاح. وعليه فلاغرو ان يتذيّل تراتبية النهاية في أعين الجمهور الأفراد المدنيون العزل من أسباب القوة أمثال السيّد حسن إسماعيل الذين يصالحون السلطة من موقع الضعف دون ان يكون بمستطاعهم إملاء شروط موقع عليها في ميثاق. ليس لأمثال هؤلاء المعارضين الضعفاء من حظ في تراتبية المهابة عند الجمهور المناهض للسلطة غير اللعنات وحصب الكلمات.

    عثمان محمد صالح
    تلبرخ- هولندا
    الثاني من ديسمبر 2015
    osmanmsalih@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً