في يومها العالمي، التحية للمرأة النازحة في دارفور وفي كل مكان .. بقلم: د. سعاد موسي


Khairkhanaga16@gmail.com

نساء دارفور لهن تاريخ طويل في الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي وممارسة الإرادة دونما تدخل، غير نبيل، من مؤسسات الحياة الاجتماعية والسياسية التي ائتمنتها علي تسيير أحوال الاسرة وتنميتها بما يعني الإنتاج الانساني والاقتصادي والبيئي. كل هذه البناءات الاجتماعيةتعمل من داخل منظومة سياسية تحفظ للمرأة براحا ومساحة للتحرك والفعل الحر. فها هي المرأة الريفية تصحو مع الفجر لترتيب أوضاع الأطفال والزوج ومن ثم الذهاب الي المزرعة والعودة منها والرأس محملا بالحطب والقش، والظهر “محضوناً” بوليدٍ يناغي فجراً وليد. تعود بهذه الحالة لمواصلة ما بدأته في الصباح من ترتيب أحوال الاسرة من نظافة وطبخ وأيضاً التواصل الاجتماعي والمجاملات. عقب العشاء دوماً تحمل جرتها للذهاب الي البئر لجلب الماء وبعدها قد تنضم الي الحفل الليلي المقام علي عتبات القرية فتمرح وتستأنس مع الكل رقصاً وغناءاً وابتهاجاً،يخفّف عن كاهلها معاناة الصباح والمساء والليل. في الكثير من القري تستغرق رحلة جلب الماء ما بين ساعتين الي أربعة ساعات أو أكثر عبر ممرات للمشي، ضيقة ومظلمة، لا تري فيها سوي ضوء القمر، وتزداد خطورة هذه الممرات في الخريف عندما تنسرب الثعابين  بين الحشائش لتلوذ بالفرار من المارة؛ وفي محاولة لحماية نفسها، قد تضطر الي لدغ الكثيرين اناساً كانوا أم بهائم. دابة الآرض والحشرات كانت تشكل مصدر الخطر الأوحد لجميع أهل القري وخاصة المرأة ولذا فقد صمم أهل الريف وسائلهم ومعارفهم الخاصة للتصدي لها ومعالجة آثارها إن حدثت. تذهب المرأة ايضاً الى اسواق القرى المجاورة، بعيدة كانت أم قريبة، راكبة أم راجلة، لوحدها أم مترافقة، والعودة في المغيب، مصونةً ومحفوظة، دون رقيب أو حسيب. استمر هذا الحال في ريف دارفورلقرون مضت وعبر سلطنة الداجو والتنجر والفور، ولم تعرف المرأة خلال هذه الحقب عدواً آخر غيرما قد يأتي علي حين غرة من داخل الغابات من أسد أو (مرفعين) أو عقرب أو ثعبان والأخيران لا يفتآن يخترقان المنازل والآشجار القريبة من القري للتسبب بالأذي والألم وأحيانا الموت لمن ساء حظه، وتلك سنة حياة اعتادها الناس بلا ضجرٍ، ولا لَعْنِ سوء حال.

هكذا استمر الحال لقرون الي بدايات الألفية الثالثة عندما بدأ أبناء هذه القري، المظلوم أهلها،بمناداة حكومة المركز وحثها للالتفات الي هؤلاء القوم البعيدين، حصراً، والمستبعدين، قسراً، من حدود مؤسسات الدولة وخططها. لم يستدرك هؤلاء المنادون أنه ليس مسموحاً لهم بالحديث لأن  أصواتهم، حدّثهم من حدّثهم بصوت جهير، غير ذات جَرْسٍ يندغم في ’الصوت النخبوي المؤسسي‘ الذي يُسْعِدُ الحاكمين رَجْعُه، ولذا فهي غير مستساغة ولهجتهم جبلية، رملية ودارفورية دارجة، غير محنكة عربياً، زد علي إنهم ليسوا بسودانيين أصلاً! اقتادتهم الدولة السودانية الى حجرها من غير وعيٍ منها، في آن غير ذي الآن! أرادت الدولة إخراس هذه الأصوات ووعدتها بالويل والثبور ومثالب الأمور. وحينما لم تسكت الأصوات ولم ترعبها التهديداتوطغى ضجيجها، ثارت الدولة، الأم الروؤم، فقتلت الناس وأحرقت البيوت، عذّبت وقطعت من خلاف وأبادت المجموعات والأفراد،  أثكلت النساء ويتمت الأطفال، ثمّ جوّعت وشرّدت. وللمزيد من التنكيل والتعذيب قامت الدولة، الام الروؤم، باستخدام الاغتصاب الجنسي ضد النساء والبنات الصغيرات دون سن البلوغ، حيث أوحت لمنسوبيها من الجنجويد والقوات المسلحة وأمرتهم ، كما جاء في اعترافات الكثيرين من أفراد الجيش السوداني الذين كانوا طرفا حاضراً ومتورطاً، أنْ ليس عليكم من إثم، أو حرج، فهؤلاء ليسوا من “عبيد” الله! جرائم الاغتصاب التي ارتكبت في حق نساء دارفور خاصة والسودان عامة تمثل عاراً تاريخيا في جبين النخبة الحاكمة.

لقد ظلت المرأة الدارفورية في حماية سلطنة الفور بالرغم من الخلافات والحروبات القبلية التي كانت تنشب بين الفينة والاخري. ولكن لم يروِ لنا راوٍ أن السلطنة، خلال تلك العهود، قد اغتصبت النساء والأطفال أو نكّلت بهنّ بالرغم من أنها قد خاضت من الحروبات مع قبائل تمردت عليهامعارك عددا. أيضاً شهدت دارفور ولا تزال العديد من الحروبات القبلية والتي عادة ما تُعالج بمؤتمرات قبلية ومجالس أجاويد يتم التوصل عبرها الي اتفاقات تحصر بمؤداها خسائر الحرب لدي المتصارعين المتقاتلين وذلك بدفع التعويضات ورفع الضرر بناءاً علي مواثيق وأعراف مرعيةبين القبائل. لم يَرِدْ الى سمعنا أنه قد حدث في أي من الحيثيات التي دارت خلال تلك الجوديات أن ذُكِرت كلمة ’اغتصاب‘، ناهيك عن ارتكابه برغائب غشوم؛ وذلك في تقديري، أن زعماء القبائل والعشائر، ومنسوبيها، يراعون الأخلاق والمواثيق وأن مثل هذه الممارسات لو حدثت تمثل اسقاطاً وطعناً في أخلاقيات القبيلة المعتدية، ثم أن مجرّد حدوثها، يعلم الجميع، سيزيد الغبن، ويؤجج نار الانتقام ويعيق عملية المصالحة المجتمعية. هذا ما كان يحدث بين القبائل في دارفور حيث يحرص الجميع علي المصالحة ولو طال الخصام.

ذلك ما نستطيع أن نتأسى به؛ نظام عدمناه كان يراعي سلامة المرأة وكرامتها ومساعدتها علي القيام بما يتوفر لها من أدوار علي خلفية المنظومة الاجتماعية السائدة في المجتمع والتي تحدد توزيع الأدوار ما بين المرأة والرجل، المرأة فيه خيار في خيار، والمجتمع صونٌ على عون.

ما تحتفل به نساء دارفور هي الإرادة التي منحتها المقدرة علي الفرار من نيران الحرب والبحث عن مأوي آمن لأطفالها في المعسكرات داخل الوطن وخارجه. نحتفل بإرادة المرأة النازحة وصمودها في وجه ظروف لا تحمل لها سوي الموت والعنف النفسي والقهر الجسدي. نحتفل بالمرأة النازحة لاستمرارها بزرع الأمل لدي صغارها والاستماتة من أجل ما تبقي من اسرتها، حفاظاً وجودياًورعايةً وتضحية.

نساء الريف الدارفوري ظللن، وسيبقين، جيل التضحيات والبطولات القادمة، وسيستمرالتاريخ في تسجيل روعة بطولاتهن في الريف قبل الحرب وفي المعسكرات ومواطن اللجوء فيما بعد الحرب.

عاشت المرأة الريفية وعاش نضالها من أجل حياة كريمة.

د. سعاد موسي

Khairkhanaga16@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً