قامبيلا 2 .. بقلم: عثمان أحمد حسن

البعض يعتقد أني منفي في قامبيلا، أنا أعتقد أنها نافذة أطل منها على الكون الواسع، جلسنا ثلاثتنا عصر اليوم الذي وصلنا فيه، عيوننا وآذاننا تدور محاولة استكشاف المكان و انسانه و طبيعته، بلا مقدمات اخترق أسماعنا صوت الأذان، ما طربت لنداء مثلما طربت حينها، صلينا العصر في مسجد واسع من الحجر مسقوف بالحديد المقوي ترتفع مئذنته فوق العشرة أمتار، تجمع حولنا المصلون مرحبين يستعيدون ذكرى الوجود السوداني و الذي شيد هذا المسجد ومئذنته التي تداعب السحب في عليائها قبل نصف قرن من الزمان.
يجول بصري في سوق قمبيلا وأرهف سمعي أتملى الوجوه و السحنات، السمرة الداكنة و السواد الأبنوسي، قامبيلا فسيفساء متداخلة من أعراق شتى، هي في الأصل أرض الأنجواك ولكن الآن يقاسمهم الوجود النوير الذين بدأ استيطانهم الأقليم في العام 1942 عقب ثورة النوير بقيادة الثائر السوداني البطل شول جوك، والد السيد ريت شول جوك حاكم إقايم أعالي النيل و الذي تزامن عهده في الحكم مع عهد شقيقه الأصغر ماك شول جوك الذي ولد في الأراضي الإثيوبية فحمل الجنسية الإثيوبية و أصبح حاكما لإقليم قامبيلا.
عقب الإطاحة بالأمبراطور هايليسيلاسي قام نظام العقيد منقستو بتهجير عوائل من الأورومو و التقراي و الأمهرا من مناطقهم لأقليم قامبيلا بهدف خلخلة النسيج الإجتماعي و إعادة رسم الخارطة الديمغرافية في الراهن و الخارطة الجينية في المستقبل، نتج عن ذلك وضع لغوي غريب إذ تبلغ اللغات المستخدمة في سوق قامبيلا تسع لغات منها عربي جوبا، اللغة التي تجمع اللاجئين السودانيين بقبائلهم المختلفة.
الأنجواك قبيلة واحدة يبلغ عددهم مائة ألف نفس، قسمتهم ترتيبات رسم الحدود قسمين، ستون ألفا في السودان و أربعون ألفا في إثيوبيا، سلطانهم في فشلا في الجانب السوداني، حين يخلو منصب السلطان يتخطون الحدود و يجتمعون لإختيار السلطان الجديد، إذا اختاروا سلطانا من الجانب الإثيوبي يتوجب عليه الإنتقال و الإقامة في الجانب السوداني لممارسة مهامه و سلطاته.
كعادتي في مواقع عملي أتحلل من صفتي الرسمية و أنطلق بين الناس الأسواق و التجمعات و ساحات اللعب و المهرجانات و المآتم أصبحنا نتزاور و نتناول وجباتنا معا، دعوني لزيارات القرى و الفرقان في عطلات نهاية الأسبوع، سافرت بالقوارب و السيارة و البغال و الدراجات و على الأقدام، بعضهم له ذكريات مع من سبقوني بالعمل في ذات المكان، ما تعلمته خلال عامين أثبت لي أن الأقدار قد فتحت لي نافذة أنظر منها للعالم.
من كتاب اسفار استوائية
الفائز بجائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة، مركز الأدب الجغرافي ابو ظبي للعام 2019

oahassan.1963@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً