قراءة في تقرير لجنة التحقيق في أحداث الجنوب 1955 : الحلقة الرابعة .. بقلم: عبد الله محمد أحمد الصادق
29 أكتوبر, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
41 زيارة
الكيد السياسي:
كانت المعارضة البرلمانية تحالفا بين حزب الأمة وحزب الأحرار الجنوبي الذى تمخض عن استقالة ثلاثة وزراء من حكومة الأزهرى احتجاجا علي سياساتها في الجنوب، وتبعهم النواب الذين كانوا ينتمون الي الحزب الوطني الاتحادى الحاكم، وكانت المعارضة تفتقر للموضوعية والمسئولية الوطنية والأخلاقية، فقد طغا عليها الكيد للحكومة بالحق والباطل لازعاجها وزعزعتها فلم تكن تختلف عن الجبهة الاسلامية في الديموقراطية الثالثة التي كان لها خمسة صحف تطلق سحبا من الضباب في الفضاء السياسي كل يوم للاساءة الي الديموقراطية واشانة سمعتها للانقضاض عليها واجهاضها، وكان حزب الأمة يتهم الجلابة في الجنوب الذين ينتمون الي الحزب الحاكم بالجشع و ا متصاص دم الجنوبيين فأصبح الوطني الاتحادى يعرف بحزب الجلابة، أما الاتحاديون فقد كانوا يحملون حزب الأمة مسئولية تجارة الرقيق، فلم يتبقي للمبشرين شيئا يقولونه ضد الشمال في الصراع علي السلطة كتركة خلفها الاستعمار ، ولم يكن الجنوبيون وسكان جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق يحتاجون في ذلك الوقت لمن يذكرهم بتجارة الرقيق لأن الكبار منهم عاصروا الزبير باشا ولهم أقارب مفقودون، وجاء في تقرير لجنة الانتخابات الأولي ان الناس قاطعوا مراكز التسجيل والاقتراع ظنا منهم بأنها حيلة لاصطيادهم وبيعهم في سوق الرقيق، وكانت أحداث مارس رد فعل انفعالي لفشل حزب الأمة في الانتخابات وزيارة اللواء محمد نجيب رئيس حكومة الضباط الأحرار في مصر، وقد يكون فشل حزب الأمة بسبب تدخل الحكومة المصرية لصالح الحركة الاتحادية التي كانت تنادى بوحدة مصر والسودان تحت التاج المصرى، وتكون الحزب الوطني الاتحادى في القاهرة برعاية الصاغ صلاح سالم وكان الأزهرى عضوا نشطا في حزب الوفد المصرى ومسئولا عن السودان،
وقد يكون فشل حزب الأمة بسبب توزيع الدوائر بتخصيص مقاعد أكثر للمناطق الحضرية علي حساب المناطق الريفية، لكن حوادث مارس استغلت في الجنوب كتضحيات من أجل الاستقلال وضد الوحدة مع مصر، ومن المؤسف جدا ان حزب الأمة الذى كان في ذلك الوقت أقرب الي الجنوبيين أصبح الآن أكثر تناقضا معهم وقد أضرت ممارسات الصاغ صلاح سالم في الجنوب بموقف الاتحاديين وجاءت نتائجها ع كسية والناس أذكي مما يعتقد السياسيون.وجاء في كتاب سير قوين بل آثار في الرمال الجزء الخاص بالسودان ان حزب الأمة طلب من الحكومة البريطانية دعمه ماليا في مقابل الدعم الذى تقدمه الجكومة المصرية للحركة الاتحادية وجاء الرد بأن حكومة صاحبة الجلالة ليس في يدها أموال خارج الميزانية وليست كالحكومة المصرية تتصرف في أموال دافع الضرائب كيف تشاء، الجزء الخاص بالسودان ترجمة ونشر بشير محمد سعيد.
أدعياء الاسلام:
أشارت لجنة التحقيق الي الود المفقود بين المبشرين والاداريين الشماليين الذي آلت اليهم السلطة برحيل الاداريين البريطانيين، ومن الطبيعي أن يكون للمبشرين مخاوفهم، ويفترض أن تحرص الحكومة علي التقرب منهم وتبديد مخاوفهم واكتساب ثقتهم تحسبا لتأثيرهم علي المتعلمين من أبناء الجنوب وأغلبهم مسيحيون من خريجي مدارس الارساليات، وهي تفعل ذلك مع رجال الادارة الأهلية وليس لهم تأثير يذكر في الأوساط الشعبية، والمتعلمون في الشمال والجنوب يرون في الادارة الأهلية واقع من مظاهر التخلف ولا بد من التخلص منه، والجنوبيون فخورون بأولادهم من المتعلمين ويرون فيهم أندادا للشماليين، والرأى العام في الشمال والجنوب يقوده المتعلمون وليس رجال الادارة الأهلية، وقد يكون بعض الاداريين الشماليين كبعض الاداريين البريطانيين الذين يعانون من التعصب الديني والذين عارضوا الغاء قانون المناطق المقفولة تعاطفا مع المبشرين، وقد يكون بعض الاداريين الشماليين يتعاطفون مع الأصوات في الشمال التي كانت تحتكر منابر المساجد وتنادى بتحكيم الاسلام وتكيل الاتهامات للمبشرين وتطالب بطردهم من السودان، وكانت المذكرة التي رفعت الي البرلمان تطالب بدستور اسلامي صبا للزيت علي النار ولم يعارضها علنا غير محمود محمد طه، وكان الاستقلال علي منابر المساجد معركة حربية والجنوب غنيمة حرب، واستجابت حكومة الأزهرى لتلك الأصوات بتأميم مستشفي الارسالية بأمدرمان وحرمت المرضي في العاصمة والأقاليم من خدماته فامتدت طوابير المرضي أمام الأطباء بمتشفي أمدرمان ويعرف الآن بمستشفي التجاني الماحي للأمراض العصبية، وهكذا طغت المصالح الحزبية الضيقة علي المصالح القومية الشاملة فلم يكن الأولون أشد احساسا بالمسئولية الوطنية والأخلاقية قياسا بعصابة الترابي وحيرانه بعد ثلاثين عاما، وكانت ولا تزال النخب المتسلطة تنافق أدعياء الغيرة علي الاسلام والحرص علي الفضيلة وتتقي شرهم، ولم تجد لجنة التحقيق أثرا للمنشورات التي كان يقال في الشمال أنها تسيء الي الاسلام والمسلمين، وكانت الوثيقة الوحيدة التي حصلت عليها اللجنة رسالة من قسيس في نيروبي الي طالب جنوبي تصف الاسلام بأنه ديانة شريرة وتستدل بتجارة الرقيق وكانت تجارة الرقيق عصب الاقتصاد في الشمال، وقال ذلك القسيس تيرى جونز في الألفية الثالثة وأصبح الاسلام تنينا لاخافة الأطفال فليس للاسلام عدوا غير المسلمين أنفسهم، ولم يكن موقف المسلمين من النصارى موقفا ايجابيا علي عكس ما جاء في القرءان الكريم وهم الآن في العقد الثاني من الألفية الثالثة يضطهدون لاجبارهم علي الرحيل من وطنهم مثلما يحدث في مصر، لكن معطم الذين أفلتوا من المذابح كان الفضل في نجاتهم لرجال الارساليات ورجال الشرطة والجيش والأهالي من أبناء الجنوب، وفي معهد التربية في مريدى كان الفضل في نجاة المعلمين الشماليين لطلابهم من أبنا الجنوب.
الحرية الدينية:
الأصل في الحرية الاطلاق بصريح القرءان، ومن الطبيعي أن يكون التبشير المسيحي علي حساب الاسلام والعكس صحيح، ولا يملك الشماليون حق احتكار التبشير في الجنوب، وهو في الحالتين محاولة للاستلاب الثقافي يواجه بالاعراض والنفور بدليل ان الارساليات سبقت الاستعمار البريطاني بعشرات السنين ولا يزيد عدد المسيحيين في الجنوب علي عدد المسلمين، ولا يجوز للدولة في أى مجتمع تعددى أن تتدخل في عقائد الناس ومعتقداتهم الدينية أو تنحاز الي أى عرق أو دين، والدين في منظور معتقديه حقيقة مطلقة ومنطقة حساسة لا تقبل الخدش والتجريح، فالناس أحرار في اعتناق المسيحية أو الاسلام أو التمسك بمعتقداتهم الطبيعية، وكان لرجال الطرق الصوفية الفضل في نشر الاسلام في السودان وأفريقيا كلها بالتسامح والمعاشرة والمشاركة الوجدانية وليس بالتلقين والاغراء والرشوة فالاغراء قد يواجه باغراء مضاد و لدينا بعض حالات الردة عن الاسلام، وسئل شيخ الأزهر عن حكم المرتد وكان الرد ما يغور في ألف داهية ماذا يريد الاسلام من شخص يغير دينه كما يغير ملابسه، ومثل هؤلاء الذين يتاجرون بدينهم وضمائرهم موجودون في كل زمان ومكان وكانوا في مكة يسرقون النذور من الكعبة ولا يزالون يفعلون ذلك في المساجد والأضرحة ، ومنهم شهود الذور أمام المحاكم في انتظار الزبائن والصحفيون المتخصصون في تضخيم الانجازات وتبرير الاخفاقات وتلميع الشخصيات، والناس في المجتمعات الحرة يبحثون عن الحقيقة ويسعون اليها ولا يجدون ضالتهم الروحية الا في الاسلام بدليل ان الذين يعتنقون الاسلام من المثقين والطبقة الوسطي، ولو أن برنارد شو عاش في أيامنا هذه لما قال ان الاسلام سيسود العالم وتختفي سائرالديانات الطبيعية والسماوية لآنه يعترف بالحرية الدينية ولا يتنافي مع الغقل والشعور، والدين اعتقاد مقره العقل والضمير ولا يتأتي بالعنف والاكراه أو الترغيب أو الترهيب، لذلك أوقف عمر بن الخطاب سهم المؤلفة قلوبهم وأوقف الفتوحات بعد القادسية واليرموك لآن الحرب ليس لها مردودا سوى الكراهية ولا تصلح وسيلة لنشر الدين، وكان الاسلام يتمدد في ظل الاستعمار الذى يصفونه بالنصرانية الحاقدة ولم يواجه بالاعراض والنفور الي أن جاءت قوانين سبتمر كحاجز مخيف أمام الاسلام، فقد أصبح الاسلام سجنا وسجانا ومقصلة من دخله يقطع رأسه اذا خرج وتقطع يده اذا جاع وسرق ولا يقول ذلك الا متعصب مخبول ومكابر جهول.
abdullohmohamed@gmail.com