كتاب جعفر نميري ..لوحة لرئيس سوداني .. بقلم: هاشم علي حامد

 

في توطئة كتابه (جعفر نميري لوحة لرئيس سوداني ) – الطبعة الثانية- يقول المؤلف الاستاذ محمد الشيخ حسين.. ولعل ما يميز هذه اللوحة انها تفتح نافذة واسعة على تدوين السيرة الذاتية بصورة لا تهتم كثيرا بالثرثرة اللفظية التي تملا حياتنا عند الحديث عن الشخصيات العامة في البلاد. وبهذا التميز لا تزعم اللوحة انها تسد فراغا او ترسم طريقا جديدا بقدر ما تطمح ان تكون مرجعا مهما لشخصية مفصلية في تاريخ السودان.
—————
توثيق الشخصيات السودانية كان ولا يزال موضعا فقيرا بالمكتبة السودانية- ليس هناك معالجات وافية تجاه ما مر من قادة وشخصيات سودانية أثروا الحياة السودانية، ليس في المرفق السياسي فحسب، بل في كل اوجه العطاء.. الوطن يخدم بالعطاء السياسي والانسانية والوطن يخدمان بالعطاء الانساني والسياسي ادبا كان او شعرا كان او فنا او رواية، او انجازا علميا، او مبادرات وطنية، أوانجازات انسانية.. السودان مليء بمن أثروا حياته في مرافق العطاء ليس الرؤساء من امثال الرئيس القائد جعفر نميري فحسب بل الى جانب النميري كانت الحياة عامرة بالعلماء والفنانين والانسانيين..فالى جانب الرئيس القائد جعفر نميرى كان هناك علماء من امثال جعفر محمد علي بخيت، واحمد عبد الحليم ، وعمر الحاج موسى.. وكان الفنان محمد وردي ..كان رجل الدعوة والانسانية مبارك قسم الله …الى ثلة مباركة من ذوي العزم والافعال.
توثيق الشخصيات يقود الى توثيق العهود بكل ما حفلت به – وهو ما يشير اليه كتاب الاستاذ محمد الشيخ حسين.. ليفتح بابا لاسهام اوسع تنتظره المكتبة السودانية التي لا تزال عاجزة عن ملاحقة االانسان السوداني توثيقا وتقديما للاجيال المتعاقبة…
الاستاذ محمد الشيخ حسين اعرفه كقلم ذكي في التقاطه للمواضيع واختياره للكتابات، حصيف في معالجاته ونحن طلاب علم في جامعة الازهر، كان سباقا فيما يطرح من افكار تشهد بذلك مجلة الثقافي الطلابية التي صقلت مواهبه.
في الفصل الاول من كتابه جعفر نميري (هوامش وملاحظات في اثرجعفر محمد نميري الانسان) يبتدر الكاتب ملاحظاته بقوله: عجيب امر الرئيس الراحل جعفر نميري فما جاء عصر الا وهناك معجبون به مغالون في اعجابهم له، وقادحون مغالون في قدحهم- يضيف ولعل ملاحظتنا الاولى في تتبع اثر جعفر نميري الانسان ان نميري لم يكن مفكرا صاحب نظرية ولا داعية سياسيا يمكن ان تلتقط افكاره من خلال كتاباته ودعاويه – ولكن كان (رجل دولة) عملي المنزع يهتم بالقضايا التنفيذية، ويعبر عن نفسه من خلال المواقف العملية والمسائل الجزئية. يضيف في ملاحظات اخرى ان الكتابة عن ايام نميري تفتح المجال واسعا لقضايا كثيرة حول طريقة حكم نميري كيف يعين وزراءه وكيف يقيلهم ؟ .. ويقول هل كان نميري حاكما فردا ام ان سياساته كانت اقرب الى سياسات الاستعمارالبريطاني فرق تسد ؟
يضيف الاستاذ محمد الشيخ – في ملاحظته الاخيرة ان هذه الاسطر تأتي نتيجة لجهد توثيقي اعتمد على قراءة عدة مؤلفات كتبها نميري او كتبت عنه ، والاطلاع على ملف خدمته العسكرية منذ ان تخرج برتبة الملازم ثان في ديسمبر 1952م حتى وفاته في 31مايو 2009م وكذلك الاستماع الى افادات لمعاصرين وشهود عيان له.
يقول في الفصل الثاني – تعلمجي الكلية الحربية – لنميري ارى فيك مستقبل السودان..
وجعفر هو المولود الثاني وقد اختارت له والدته اسم جعفر استجابة لحلم رأته في اثناء حملها به بأنه اذا جاء المولود ذكر تسميه جعفر تيمنا بجعفر بن ابي طالب شقيق الامام علي كرم الله وجهه الملقب بجعفر الطيار ..ويضيف نميري حسب روايته لفؤاد مطر ( تذكرت ما قالته الوالدة حول اسمي بعدما اصبحت رئيسا للسودان حيث انني في الاشهر الثلاثة الاولى من بداية رئاستي للبلاد كنت احلم يوميا بأنني اطير واسمع الناس من حولي يقولون شوفوا الزول ده الذي يطير).
يقول في ذات الفصل – كان تعلمجي الكلية الحربية الملازم اول عبدالله شرف الدين عبد الرحمن من اميز جنود الجيش السوداني ومن ابرز ابطال قوات دفاع السودان الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية …وتدرب نميري تحت يد عبدالله فقال له نميري وهو طالب حربي مما تلقاه من عنف منه في التدريب ( انت عايز تشردني لكن انا راجل ) ورد عبدالله على نميري ( انا ارى فيك ميزة لم ارها في اخوانك. انت فيك مستقبل السودان المشرق. وحظي الملازم اول عبدالله باهتمام خاص من نميري ، حتى بعد توليه رئاسة السودان، وظهر ذلك عندما اقام نميري وهو رئيس للجمهورية في صيوان عزاء الملازم اول لمدة ثلاثة ايام.
يتنقل بنا الكاتب عبرسبعة فصول – في اثر جعفر نميري..(هل نجحت فصائل اليسار في تشويه صورة نميري)- ثم الفصل الثاني تعلمجي الكلية الحربية لنميري….ثم فصل عن المخابرات الامريكية (اذا وقع انقلاب في السودان على طريقة ناصر سيقوده نميري)..ثم فصل طفل من همشكوريب في منزل نميري ..الى فصل من هو مؤلف كتب نميري ..الى جوانب مختلفة من شخصية نميري الى الفصل السابع – نميري قارئ جيد ومستمع ممتاز.
في هذه الفصول يجد القارئ ابعادا لشخصية مواطن عادي، ورئيس سوداني ملئت شهرته الآفاق ويجد القارئ اسلوبا سهلا، ومواقف مختارة ،وطرح امين استند فيه الكاتب لمصادر كتابية وشفاهية لشهود عيان كانوا قريبين من نميري وثيقي الصلة بعهده.
الكتاب رغم صغر حجمه اعتقد انه اضافة كبيرة للمكتبة السودانية..أهم دلالة اجدها من كتاب (لوحة لرئيس سوداني) هي ان هذه اللوحة من حياة جعفر نميري وما شكلته من سرد وسيرة وتنقل رشيق.. سوف تعقباها لوحات تسد النقص الكبير في تناول الشخصيات السودانية التي كان لها اثر في الحياة السودانية والوطن الانساني.

hashimh640@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً