بقلم: د. يسن جعفر عبدالله عيسى
إذا كان وقف الحرب هو الخطوة الأولى نحو إنقاذ السودان وكان الحوار هو السبيل الموصل إلى السلام فإن السؤال الأشد تعقيداً يبدأ من هنا: كيف نتصالح بعد كل ما جرى؟
فالقتال لا ينتهي بمجرد صمت البنادق إذ تبقى آثاره حية في الذاكرة والبيوت والمجتمعات فقد ألقت الحرب بظلالها الثقيلة على قلب كل أم فقدت ابنها وعلى كل طفل حُرم من مقعده الدراسي وعلى كل أسرة نُهبت ممتلكاتها وشُردت عن ديارها وعلى كل مجتمع أُهدر أمنه وانتهكت كرامته وزُعزعت ثقته بالآخر. كما تركت جراحاً عميقة في النفوس والعلاقات بين المكونات وراكمت مشاعر الخوف والفقد والغضب. ومن هنا فإن إنهاء الصراع سياسياً لا يعني بالضرورة التعافي منه اجتماعياً وإنسانياً، فإسكات صوت السلاح قد يكون بداية الطريق لكنه لا يكفي وحده لإعادة بناء الإنسان واستعادة الثقة التي مزقتها سنوات الاقتتال.
إن المهمة الأصعب بعد توقف المعارك ليست فقط إعادة إعمار ما دمرته الحرب من بنية تحتية وإنما إعادة بناء ما هو أعمق: الإنسان والعلاقات والشعور بأن الوطن يمكن أن يتسع للجميع من جديد. فالمصالحة ليست نسياناً قسرياً ولا مطالبة للضحية بتجاوز آلامها قبل أن يُستمع إليها وتُنصف كما أنها ليست مساواة بين الجاني والضحية ولا إغلاقاً لملفات الانتهاكات تحت شعار السلام.
المصالحة الحقيقية تبدأ بالاعتراف بالحقيقة وصون حقوق الضحايا ومساءلة المتسببين في الجرائم وفق القانون وجبر الضرر. فالسلام القائم على النسيان قد يهدئ الصراع مؤقتاً لكنه يبقي جذوره حية تحت الرماد وما لم يشعر الناس بأن آلامهم قد وجدت من يستمع إليها ستظل الجراح عرضة للاستغلال وإعادة إنتاج خطاب الكراهية والانتقام.
وفي المقابل لا ينبغي أن تتحول العدالة إلى عقبة أمام هذا المسار ولا أن تتحول المصالحة إلى غطاء للإفلات من المسؤولية. فالعدالة تضع أساس الإنصاف والحقيقة تمنح الضحايا حقهم في الاعتراف وجبر الضرر يعيد شيئاً من الكرامة بينما يوفر الحوار مساحة لمواجهة المستقبل المشترك ومن تكامل هذه العناصر يمكن أن ينشأ سلام أكثر عدلاً واستدامة. ولأن آثار الحرب لم تقف عند حدود المؤسسات فإن هذا الجهد الوطني لا يمكن أن يظل حبيس الغرف المغلقة بين النخب نحن بحاجة إلى مسار مجتمعي يصل إلى القرى والأحياء والأسواق والجامعات ومناطق النزوح والعود ويمنح الناس مساحة آمنة لسرد تجاربهم والاستماع إلى بعضهم بعضاً.
وهنا يتجلى الدور المحوري للقيادات المجتمعية والنساء والشباب والمثقفين ورجال الدين والإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني ليس باعتبارهم متلقين لنتائج التسويات السياسية وإنما شركاء في صناعة التعافي وإعادة بناء الثقة. فالمصالحة ليست مشروعاً مؤقتاً ينتهي بتوقيع اتفاق، بل هي مسار طويل لإعادة بناء العلاقات والمؤسسات، تبدأ بالكلمة الصادقة وتتجسد في القانون وتترسخ في المؤسسات وفي قدرة الناس على التعامل مع اختلافاتهم دون اللجوء إلى العنف.
قد يكون التحدي الأصعب أن يستطيع الإنسان السوداني بعد كل هذا الألم أن يرى في الآخر إنساناً وشريكاً أصيلاً في الوطن وهذا هو الاختبار الحقيقي للمصالحة.
فإذا اخترنا الانتقام فلن تنتهي الحرب في وجداننا وإن توقفت في الميدان أما إذا اخترنا العدالة واستعادة الثقة فإننا نبدأ فعلياً في كسر دائرة العنف. ويقف السودان اليوم أمام فرصة تاريخية ليحوّل ذاكرة الألم من وقود للصراع إلى درس لبناء المستقبل وأن يستوعب الماضي بوعي يضمن عدم تكراره. فقد يكون السلام هو أن تتوقف الحرب لكن المصالحة هي أن نستعيد قدرتنا على العيش معاً بعد الحرب.
ويبقى السؤال الذي يمهد لخطوتنا القادمة:
بعد كل ما حدث، هل يستطيع السودانيون أن يستعيدوا القدرة على العيش معاً من جديد؟
