كي لا يتحول التأسيس إلى دولة مخابرات
الشفافية أساس الأمن الديمقراطي، وحق الشعب في المعرفة
بقلم: د. أحمد التيجاني سيد أحمد
قيادي ومؤسس في تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)
مقدمة: جهاز قوي لحماية الدولة، لا للسيطرة على المجتمع
إن بناء الدولة السودانية الجديدة لا يقتصر على تغيير السلطة السياسية أو استبدال النخب الحاكمة، بل يتطلب إعادة تأسيس مؤسسات الدولة على قواعد تقطع مع الاستبداد، وتجعل سيادة القانون وحقوق المواطنين وكرامتهم أساساً للحكم. ويأتي جهاز المخابرات في مقدمة المؤسسات التي يتوقف على إصلاحها نجاح هذا التحول، لما يؤديه من دور حيوي في حماية الأمن القومي، واستباق المخاطر، ومواجهة التهديدات التي تستهدف الدولة والمجتمع.
لكن أهمية هذا الجهاز لا تمنحه سلطة مفتوحة على حياة المواطنين، ولا تبرر تدخله في خياراتهم السياسية أو إخضاعهم للمراقبة الدائمة. فالمخابرات القوية هي التي تمتلك الكفاءة المهنية والمعلومات الدقيقة والقدرة على تحليل المخاطر، وتؤدي مهامها ضمن اختصاصات قانونية واضحة، لا التي تثير الخوف أو تتوسع في الاشتباه.
لقد قاوم الشعب السوداني نموذج الدولة الأمنية بسبب الاستبداد وتغوّل الأجهزة على المجتمع والحريات. ولذلك، فإن استبدال دولة ٥٦ وبناء دولة جديدة، وهو جوهر مشروع التأسيس، يقتضيان تغيير طبيعة المؤسسات الأمنية وعلاقتها بالمواطنين، لا مجرد تغيير قياداتها. وإصلاح جهاز المخابرات، في هذا السياق، اختبار عملي لجدية الانتقال من دولة تهيمن فيها الأجهزة على المجتمع إلى دولة تحمي المواطنين وتخضع مؤسساتها للقانون والمساءلة.
تهنئة وتمنيات بالتوفيق للمناضل إدريس مدلل
نرحب بتعيين المناضل إدريس مدلل مديراً لجهاز الأمن والمخابرات في دولة الوحدة والتأسيس، ونتمنى له التوفيق والسداد في أداء هذه المهمة الوطنية المحورية. فقيادة جهاز المخابرات مسؤولية كبيرة تتصل بحماية الأمن القومي، واستباق المخاطر، والإسهام في بناء مؤسسات الدولة الجديدة.
ونأمل أن تشكل هذه المرحلة فرصة لتأسيس جهاز مهني حديث، يستند إلى الكفاءة والانضباط وسيادة القانون، ويؤدي واجباته في حماية الدولة والمواطنين، مع احترام الحقوق والحريات والخضوع للمساءلة المؤسسية. إن نجاح هذه المهمة لا يرتبط بقدرات القيادة وحدها، بل أيضاً ببناء مؤسسة راسخة في نظمها وقواعد عملها، تستمد قوتها من المهنية وثقة المواطنين.
كل التوفيق للمناضل إدريس مدلل في هذه المسؤولية الوطنية، ولجهاز المخابرات في أداء دوره بما يخدم أهداف التأسيس في بناء دولة جديدة، آمنة وعادلة، تحمي مواطنيها وتصون كرامتهم.
أولاً: المخابرات ضرورة وطنية وليست أداة للهيمنة
لا تستطيع دولة تواجه الحروب والاضطرابات والتدخلات الخارجية والتهديدات العابرة للحدود أن تستغني عن جهاز مخابرات مهني وفعّال. فحماية الأمن القومي تتطلب جمع المعلومات وتحليلها، وتقدير المخاطر، وكشف المخططات التي تهدد سلامة البلاد، وتوفير الإنذار المبكر لصانعي القرار.
وتزداد هذه الأهمية في السودان، بالنظر إلى اتساع مساحته الجغرافية، وتعدد حدوده، وتعقيدات النزاعات التي أثرت في استقراره. كما أن حماية الموارد الوطنية والمنشآت الحيوية ومصادر المياه والغذاء والطاقة تتطلب قدرات استخباراتية متطورة وتعاوناً منظماً بين المؤسسات المختصة.
غير أن نجاح الجهاز لا يُقاس بحجم سلطاته أو عدد المواطنين الذين يخضعون للمراقبة، بل بقدرته على كشف التهديدات الحقيقية، وتقديم معلومات موثوقة، وتجنب الأخطاء التي تضر بالأبرياء أو تزيد التوترات داخل المجتمع.
ويقتضي ذلك الفصل بين حماية الدولة وحماية السلطة السياسية من النقد والمنافسة؛ فالأولى مهمة وطنية أصيلة، أما الثانية فليست من اختصاص جهاز المخابرات.
ثانياً: الذكاء الاصطناعي فرصة للتحديث ومسؤولية جديدة
يتيح التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات فرصاً مهمة لتحديث العمل الاستخباراتي. إذ يمكن للتقنيات الحديثة مساعدة المختصين في تحليل كميات كبيرة من المعلومات، واكتشاف الأنماط غير المعتادة، وربط البيانات المتفرقة، وتحسين تقدير المخاطر وتطوير أنظمة الإنذار المبكر.
ويمكن للسودان الاستفادة من هذه الإمكانات في حماية الحدود والمنشآت الحيوية، ومكافحة الجرائم المنظمة وتهريب السلاح والاتجار بالبشر، وتعزيز الأمن السيبراني وحماية البنية التحتية الرقمية. غير أن تحقيق هذه الفوائد يتطلب كوادر مؤهلة، وبيانات موثوقة، وبنية تقنية آمنة.
فالتكنولوجيا لا تضمن صحة النتائج تلقائياً؛ إذ قد تنتج الأنظمة الذكية معلومات خاطئة أو متحيزة. لذلك، يجب إخضاع مخرجاتها للتحقق والمراجعة البشرية، وعدم الاعتماد عليها وحدها في اتخاذ قرارات تمس حقوق المواطنين.
كما ينبغي تنظيم استخدام تقنيات مراقبة الاتصالات والتعرف على الوجوه وتحليل النشاط الرقمي، بحيث تُحدد أغراض جمع البيانات، وصلاحيات الوصول إليها، ومدد الاحتفاظ بها، وضوابط استخدامها. فالهدف من الذكاء الاصطناعي هو رفع كفاءة الجهاز ودقة تحليلاته، لا توسيع المراقبة على حساب الخصوصية والحريات.
ثالثاً: القانون والرقابة أساس الأمن الديمقراطي
يجب أن تنعكس مبادئ سيادة القانون وحقوق الإنسان في التشريعات والإجراءات التي تحكم عمل جهاز المخابرات. وينبغي أن يحدد القانون اختصاصاته وصلاحياته، وينظم جمع المعلومات ومشاركتها، ويضع ضمانات واضحة تمنع التعسف في استخدام السلطة.
كما يجب أن تخضع إجراءات المراقبة التي تمس الخصوصية وسرية الاتصالات لإذن قضائي مسبق، وفق شروط قانونية محددة، مع توفير آليات للطعن والتحقيق والتعويض عند وقوع الانتهاكات. ويحظر استخدام المعلومات الأمنية لتخويف الخصوم السياسيين أو التضييق على الصحفيين والنقابيين والناشطين بسبب أنشطتهم المشروعة.
وتتطلب المساءلة وجود جهات رقابية مختصة ومستقلة عن الجهاز، تستطيع مراجعة مشروعية عملياته، والتحقق من الالتزام بالقانون، وفحص استخدام الصلاحيات والموارد، والنظر في الشكاوى. ويمكن أن تتكامل الرقابة القضائية مع رقابة تشريعية متخصصة وآلية مستقلة لتلقي الشكاوى، مع ضمان حماية المصادر والعمليات الحساسة.
فالسرية ضرورة لحماية المعلومات والعمليات المشروعة، لكنها لا يجوز أن تتحول إلى حصانة تمنع التحقيق في الانتهاكات أو محاسبة المسؤولين عنها.
رابعاً: استقلال مهني عن الصراع السياسي
يفقد جهاز المخابرات دوره الوطني عندما يتحول إلى أداة في الصراع على السلطة أو يرتبط بمصالح حزب أو تحالف أو قيادة سياسية بعينها. فالتوظيف السياسي للمعلومات يفسد التقديرات المهنية، ويبدد الموارد، ويحوّل المؤسسة الأمنية إلى طرف في النزاع.
لذلك، يجب أن يقتصر دور الجهاز على جمع المعلومات وتحليلها وتقديم التقديرات إلى الجهات المخولة قانوناً باتخاذ القرار، دون التدخل في المنافسة السياسية أو التأثير في الأحزاب والتنظيمات المدنية.
ولا يعني الاستقلال المهني أن يعمل الجهاز خارج مؤسسات الدولة، بل أن يؤدي مهامه بعيداً عن الأجندات الحزبية، مع خضوعه للقانون والرقابة المدنية المختصة. كما يتطلب ذلك تحديد علاقته بالمؤسسات العسكرية والشرطية والمدنية، منعاً لتداخل الاختصاصات وتضارب الصلاحيات.
خامساً: المواطن شريك في الأمن
لا يتحقق الأمن المستدام بالاعتماد على الأجهزة وحدها، بل يحتاج إلى تعاون المجتمع وثقته بمؤسسات الدولة. فالمواطن الذي يشعر بأن حقوقه مصونة وأن القانون يحميه يكون أكثر استعداداً للتعاون في كشف الجرائم والمخاطر الحقيقية.
أما حين تصبح المراقبة التعسفية أمراً مألوفاً، ويُعامل المواطن بوصفه موضع اشتباه دائم، فإن الخوف يحل محل الثقة، ويصبح الصمت بديلاً عن المشاركة. وتزداد خطورة ذلك في مجتمع يسعى إلى تجاوز آثار النزاعات والاستبداد واستعادة الثقة بين مكوناته.
وتتطلب معالجة هذا الإرث ضمان عدم استهداف المواطنين بسبب آرائهم أو انتماءاتهم أو مناطقهم، والتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها. فالمخابرات المهنية تستطيع الإسهام في كشف مخططات العنف والجرائم المنظمة والتدخلات الخارجية، بينما يؤدي توظيفها في قمع المجتمع إلى تراكم المظالم وإضعاف فرص المصالحة والسلام.
سادساً: أجندة إصلاح محددة لجهاز المخابرات
يتطلب تحويل المبادئ إلى ممارسة برنامجاً إصلاحياً واضحاً، يقوم على الإجراءات التالية:
١. إصدار قانون يحدد الاختصاصات والصلاحيات
وضع إطار قانوني ينظم مهام الجهاز وعلاقته ببقية مؤسسات الدولة، ويحظر التدخل في المنافسة الحزبية والعمل المدني السلمي، ويحدد شروط جمع المعلومات وتبادلها والاحتفاظ بها، والمسؤولية عن إساءة استخدامها.
٢. إخضاع المراقبة لإذن قضائي
اشتراط الإذن القضائي المسبق لإجراءات المراقبة التي تمس الخصوصية وسرية الاتصالات، وفق معايير الضرورة والتناسب. ويجب تحديد نطاق الإجراء ومدته، ومنع استخدام المعلومات خارج الغرض المصرح به قانوناً.
٣. إنشاء نظام رقابة مستقل
إنشاء آلية رقابية مستقلة قانوناً عن الجهاز، تتمتع بصلاحية مراجعة مشروعية عملياته وفحص استخدام الصلاحيات والموارد والنظر في الشكاوى. ويتكامل عملها مع الرقابة القضائية والرقابة التشريعية المختصة، مع حماية المعلومات الحساسة.
٤. منع التوظيف السياسي ومحاسبة المسؤولين
اعتماد قواعد ملزمة تمنع استخدام موارد الجهاز أو معلوماته لمصلحة حزب أو قيادة سياسية، وتحظر استهداف الأفراد بسبب آرائهم أو انتماءاتهم المشروعة. ووضع إجراءات واضحة للتحقيق في التجاوزات ومحاسبة المسؤولين عنها، بصرف النظر عن مناصبهم.
٥. تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات
اعتماد سياسة مكتوبة تحدد الاستخدامات المسموح بها والمحظورة، وتفرض مراجعة بشرية للنتائج المهمة والتحقق من دقة البيانات وتوثيق القرارات المؤثرة في حقوق الأفراد. كما ينبغي إجراء مراجعات دورية لمخاطر التحيز والاختراق وانتهاك الخصوصية.
٦. تطوير الكفاءة المهنية
اعتماد برامج تدريب مستمرة في تحليل المعلومات وتقدير المخاطر والأمن السيبراني ومكافحة الجرائم المنظمة وحماية البيانات والقانون وحقوق الإنسان. ويجب أن يستند التعيين والترقية إلى الكفاءة والنزاهة والخبرة المهنية، لا إلى الولاءات السياسية.
٧. توفير آلية آمنة للشكاوى والإنصاف
إنشاء قناة مستقلة وآمنة لتلقي شكاوى المواطنين، وضمان السرية وحماية المشتكين من الانتقام، وتحديد آجال للنظر في الشكاوى، وإتاحة التحقيق المستقل والإنصاف والتعويض عند ثبوت الضرر.
٨. اعتماد مؤشرات لقياس الأداء
تقييم الجهاز وفق دقة المعلومات، وجودة تقدير المخاطر، وفاعلية الإنذار المبكر، وكفاءة استخدام الموارد، والالتزام بالقانون، وسرعة معالجة الشكاوى. فلا ينبغي قياس النجاح بحجم المراقبة أو كمية البيانات المجمعة، بل بفاعلية حماية الأمن العام مع الحد من التدخل في الحقوق.
وتجعل هذه الإجراءات الإصلاح قابلاً للتقييم والمساءلة، بدلاً من تركه رهناً بالتصريحات العامة أو الثقة الشخصية في القيادات.
سابعاً: إصلاح المخابرات في مشروع استبدال دولة ٥٦
إن استبدال دولة ٥٦ وبناء دولة سودانية جديدة يقتضيان تغيير بنية المؤسسات وآليات عملها وعلاقتها بالمواطنين. ولا يتحقق ذلك بمجرد تغيير الأشخاص إذا ظلت الصلاحيات غير المنضبطة والممارسات الاستبدادية قادرة على إعادة إنتاج نفسها.
ومن هنا، يجب أن يكون إصلاح جهاز المخابرات جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء الدولة، تقوم على وضوح الاختصاصات، وسيادة القانون، والرقابة المدنية، واحترام الحقوق. ويعني الالتزام التأسيسي في هذا المجال بناء مؤسسة أمنية تحمي الدولة والمجتمع، لا سلطة تتغول عليهما، وتستخدم التكنولوجيا والمعلومات في مواجهة التهديدات الحقيقية، لا في إعادة إنتاج الاستبداد.
ولا يكتمل هذا الالتزام بالإعلان السياسي وحده، بل بتحويله إلى قوانين نافذة وضمانات مؤسسية وإجراءات قابلة للتطبيق. فالمعيار هو ما يتغير فعلياً في صلاحيات الجهاز وممارساته وخضوعه للمساءلة، لا ما يُعلن عن نوايا الإصلاح.
الخاتمة: إصلاح المخابرات شرط للانتقال الديمقراطي والسلام الاجتماعي
إن إصلاح جهاز المخابرات ضرورة لحماية الأمن القومي وتهيئة شروط الانتقال الديمقراطي والسلام الاجتماعي. فلا يمكن بناء حياة سياسية حرة أو استعادة ثقة المواطنين بالدولة في ظل أجهزة تتجاوز القانون أو تستهدف أصحاب الآراء المخالفة.
وتكمن مسؤولية مشروع التأسيس في تحويل هدف استبدال دولة ٥٦ إلى تغيير مؤسسي ملموس، يجعل جهاز المخابرات كفؤاً في أداء مهامه، محدد الصلاحيات، مستقلاً مهنياً عن الصراع السياسي، وخاضعاً لرقابة فعالة ومساءلة قانونية.
الخيار واضح: جهاز مخابرات يحمي الدولة والمواطنين، أم جهاز يعيد إنتاج الدولة الأمنية بأدوات جديدة. وستُقاس جدية بناء الدولة الجديدة بالقدرة على حسم هذا الخيار لمصلحة القانون والعدالة والكرامة الإنسانية؛ فالأمن الحقيقي لا يقوم على خوف المواطنين من مؤسساتهم، بل على ثقتهم بها.
Sent from my iPhone
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
