روزنامة الأسبوع
الإثنين
يُكثر الإمام الصَّادق المهدي، وهذا حقُّه بالطبع، من التَّنويه بمشروع «عقد اجتماعي جديد» طرحه حزبه، في 26 مارس 2020م، بعد أشهر طوال من ثورة ديسمبر 2018م، وانتصارها في أبريل 2019م. استند المشروع إلى ركائز أساسيَّة، أهمُّها قيادة الحريَّة والتغيِّير للثَّورة، وبرنامجها، وانحياز العسكر لها، مِمَّا مهَّد لشراكتهم في التَّغيير، وأثمر وثيقة حكم انتقالي دستوريَّة لثلاث سنوات، من21 أغسطس 2019م، يتخللها مؤتمران دستوري واقتصادي، وتعقبها انتخابات عامة.
لكن «المشروع» رصد، في التَّفاصيل، ما يراه عيوباً نشبت في الحكم الانتقالي، أهمُّها: تفكُّك الشَّرط القيادي باختلال القيادة السِّياسيَّة، وانفلات بعض مكوِّناتها التَّنفيذيَّة إلى المزايدة الحزبيَّة؛ والتفاوض مع مجلس السَّيادة بلا تنسيق؛ وتفاهمات المجلس، نفسه، معها منفرداً؛ وعدم عبور لجان المقاومة إلى المساهمة في التَّغيير؛ وتحوُّل الاختلاف حول الملف الاقتصادي إلى اصطفاف حاد؛ والتَّعاطي مع ملف السَّلام بلا منهجية استراتيجية؛ وعجز المجلس المركزي عن حسم هذه الاختلافات؛ وتجاوز الوثيقة الدُّستوريَّة بصورة مدمِّرة؛ وتنازع الاختصاص بين أطراف الحكم؛ وحتى «نداء السُّودان» الذي يشغل فيه حزب الأمَّة مكانة قياديَّة، يعاني، هو الآخر، من خلافات بين مكوِّناته المدنيَّة؛ ومن مفاوضة عضويَّته المسلحة للمكوِّن السَّيادي بلا توافق.
ولأن «المشروع» يرى أن الاستمرار بهذا الشَّكل المختلِّ مستحيل، ويمثِّل تنصُّلاً عن المسؤوليَّة الوطنيَّة، فيقترح، بالنِّسبة لتجمُّع المهنيِّين الذي يرى أن قوى ضئيلة حاولت اختراقه، إمَّا تحويله لحزب أو لنقابة؛ وبالنِّسبة للمجتمع المدني ألا يمارس عمل الأحزاب، إلا إذا تحوَّلت تكويناته إلى أحزاب! أمَّا القوى السِّياسيَّة والمدنيَّة الجَّادَّة، فيقترح «المشروع» اصطفافها مع لجان المقاومة البنَّاءة، بعنوان «مؤتمر القوى الجَّديدة» (لاحظ حنين الإمام لتكرار تجربته القديمة عقب ثورة أكتوبر 1964م). وإذن، فهذا الاصطفاف الجَّديد تطوير، بحسب المشروع، لتنظيم جبهوي بميثاق يمثِّل عهداً اجتماعيَّاً جديداً، أهمُّ معالمه وضوح الرُّؤية الفكريَّة حول «الدِّين والعلمانيَّة»، بتأسيسها على «مدنيَّة الدَّولة»، و«الفصل بين المساواة في المواطنة والانتماء الديني»، والالتزام بمنظومة حقوق الإنسان الأمميَّة، ومبادئ الحكم الأساسيَّة، كالمشاركة، والمساءلة، والشَّفافية، وسيادة القانون؛ وتحقيق السَّلام العادل الشَّامل بإزالة أسباب الحرب، وإزالة آثار الاقتتال، وعدم السَّماح باختطاف منبر السَّلام لصالح أيَّة برامج سياسيَّة بدون انتخابات؛ والاهتمام بالمكوِّن العسكري كشريك في التَّغيير، وفي «العدالة الانتقاليَّة» القائمة على الحقائق، وإنصاف الضحايا؛ والتزام العسكريين بتوحيد مؤسَّستهم، وبميثاق حماية المدنيَّة، والاستعداد للفصل بين العسكريَّة والسِّياسة في ضوء الدُّستور؛ والاتِّفاق على أسس المشاركة، في المرحلة الانتقاليَّة، للقوى السِّياسيَّة والمدنيَّة التي ساهمت في معارضة النظام المباد؛ ومخاطبة جماعة المؤتمر الوطني لتمارس نقداً ذاتيَّاً يعترف بخطايا الانقلاب، والإقصاء، والتَّمكين، والاستعداد للمساءلة القانونيَّة؛ والاتِّفاق على علاقات خارجية متوازنة عربيَّاً، وأفريقيَّاً، وإسلاميَّاً، ودوليَّاً؛ والالتزام بإحسان إدارة التَّنوُّع الثَّقافي، والجِّهوي، والنَّوعي، والعمري؛ وإصلاح الأجهزة المدنيَّة والعسكريَّة؛ وإنصاف المفصولين؛ وتطوير الخدمات الاجتماعيَّة بخطة تراعي الأولويَّات والتَّوازن، وإزالة آثار الحرب بالتَّركيز على المناطق الأقلِّ نموَّاً؛ وتحقيق العدالة الاجتماعيَّة عبر برامج رعاية لمكافحة الفقر؛ والاهتمام بـ «العدالة الانتقاليَّة»، والقصاص للشُّهداء، وغيرها من مهام الوثيقة الدُّستوريَّة.
ويرصد «المشروع»، أيضاً، بعض المهام العاجلة، كتكوين المفوَّضيَّات القوميَّة؛ وإصلاح عملية السَّلام بجوبا لتكون شاملة بمنأى عن أيِّ مصالح حزبيَّة؛ وتكوين المجلس التَّشريعي بصورة متوازنة تعبِّر عن التَّمثيل الحقيقي للشَّعب؛ وعقد المؤتمرات القوميَّة تباعاً كالاقتصادي، والدُّستوري؛ وتجاوز فجوات الوثيقة الدُّستوريَّة التي سمحت لأطراف السُّلطة الانتقاليَّة بتعدِّي اختصاصاتهم، وذلك بالتَّوافق على دستور انتقالي للفترة الانتقاليَّة؛ وجدولة انتخابات التَّحوُّل الدِّيموقراطي بدءاً بالانتخابات المحليَّة فوراً، ثم انتخابات الولاة والمجالس التَّشريعيَّة الولائيَّة، وانتهاء بالانتخابات العامَّة في نهاية الانتقال.
هكذا يشتمل «المشروع» على عديد الجوانب التي يمكن الاتِّفاق أو الاختلاف حولها. غير أن عواره الأخطر، من وجهة نظرنا، هو تبنِّيه اقتصاد «السُّوق الحرِّ»، بدعوى أن ذلك يضمن التَّنمية والعدالة الاجتماعيَّة! مع أن الحقيقة الاقتصاديَّة السَّاطعة، كضوء الشَّمس، تجأر بأن «السُّوق الحرَّ» يتناقض، طرداً على عكس، مع فكرة «العدالة الاجتماعيَّة»، كما أن الواقع، نفسه، المتمثِّل في حكم النِّظام المباد في السُّودان، خلال العقود الثَّلاثة الماضية، تكفَّل بإثبات هذه الحقيقة، عمليَّاً، بما لا يدع، البتَّة، مجالاً لمزيد من التَّجريب!
مهما يكن من شئ، فقد وددتُّ لو أن الإمام كان نظر في مشاريع أخرى ربَّما أجدى استصحابها. ففي أغسطس 2018م، قبل الثَّورة بأربعة أشهر، وبمبادرة من الحركة الشَّعبية لتحرير السُّودان – شمال (عقار/عرمان)، وبمشاركة خبرات من مختلف المناطق المهمَّشة، وطيف واسع، إلى ذلك، من مفكرين، ومتخصِّصين، ومثقَّفين، وأكاديميِّين سودانييِّن، من شتَّى الخلفيَّات الفكريَّة، والسِّياسيَّة، والثَّقافيَّة، في مجالات التَّنمية الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، والقانون الدُّستوري، وحقوق الإنسان، والحقوق المدنية، والسِّياسة الخارجيَّة، والحوكمة، والأمن، والثَّقافة، والهويَّة، تكوَّنت «لجنة استشاريَّة» عكفت على صياغة وإصدار «وثيقة» مرجعيَّة، باللغتين العربيَّة والانجليزيَّة، بعنوان «عقد اجتماعي واقتصادي وثقافي جديد»، حوت العناصر المطلوبة لخارطة طريق التَّحوُّل المستدام، والسِّياسات المستقبليَّة البديلة التي تحدُّ من التَّدهور المتسارع، وتوقف الانحدار إلى نفق الفوضى والتَّفكُّك، خصوصاً بعد انفصال الجَّنوب في 2011م، ومع تفاقم جرائم الحرب والإبادة في دارفور والمنطقتين. فبرغم غلبة الجَّانب النظري على هذه «الوثيقة»، كونها طُرحت قبل الثَّورة، إلا أنَّها استهدفت القطيعة مع السِّياسات البالية، ونقل البلاد إلى مسار مغاير يوقف الانهيار الاقتصادي، ويحسِّن الأوضاع المعيشيَّة، ويضع حدَّاً لانتهاكات حقوق الإنسان، وينشر، بشكل واسع، مناخ الحريَّات، وسيادة حكم القانون، واحترام مبادئ العدالة، وتأسيس نموذج جديد للتَّنمية، والحوكمة، والقضاء على التَّمييز، والإقصاء، والفساد المستشري. وتستند «الوثيقة» إلى رؤية لـ «السُّودان الجَّديد» تجسِّد مصالح كلِّ السُّودانيِّين، خصوصا المهمَّشين والفقراء، بما يتجاوز الفشل التَّاريخي الموروث في الاتِّفاق على مشروع وطني، مِمَّا أفضي إلى خلق الأوضاع الكارثيَّة التي ظلت تعمُّ البلاد، من أقصاها لأقصاها، منذ نيلها استقلالها السِّياسي عام 1956م.
بهذا الاتِّجاه شخَّصت «الوثيقة» الأوضاع، وحدَّدت المعالجات، وقدَّرت الفترات اللازمة لإنجاز التَّغييرات الهيكليَّة، وحصرت الموارد الضَّروريَّة لذلك، وألزمت الدَّولة بطرح السِّياسات البديلة، ومصفوفة تطبيقها منذ اليوم الأول، في إطار الالتزام بالحكم الرَّشيد، واحترام حقوق الإنسان بمعاييرها العالميَّة، والإعلاء من شأن الحقوق المدنيَّة المتساوية، وأولويَّة الحصول على الماء النظيف، والعلاج، والتَّعليم، والسَّكن، وخلافه.
كذلك أقرَّت «الوثيقة» بأن العمل على إنهاء معاناة شعبنا تشكِّل بداية جديدة لتخطيط نظام اجتماعي ـ اقتصادي ـ ثقافي جديد يغير شروط الحياة مستقبلاً، ويكفل التَّحوُّل الدِّيموقراطي على قاعدة المواطنة كأساس للحقوق والواجبات، والتَّنمية المستدامة، بتركيز خاص على فئات وشرائح النِّساء، والشَّباب، والأطفال. وإلى ذلك دعم علاقات التَّكامل الإقليمي، والتَّعاون مع دول الجِّوار، إضافة إلى الاستمساك بالإسهام في توطيد السِّلم والاستقرار الدَوليَّين، وببناء علاقة استراتيجيَّة بين دولتي السُّودان وجنوب السُّودان.
أخيراً نوهت «اللجنة الاستشاريَّة»، التي شرفنا بعضويَّتها، إلى أن مساهمة المرأة الواسعة تعتبر شرطاً ضرورياً للانتقال إلى نظام جديد بمصداقيَّة وجديَّة. كما أعلنت، في ذلك الوقت السَّابق على الثَّورة، عن ضرورة الاستمرار في التَّشاور، ليس، فقط، مع الحركة الشَّعبيَّة التي يسَّرت صياغة هذا المشروع، بل ومع قوى المعارضة كافَّة، فضلاً عن منظمات المجتمع المدني، بهدف تطوير هذا البرنامج، ودعم إنشاء مؤسَّسة بحثيَّة لمواصلة هذا الجهد بما يخدم مستقبل البلاد.
الثُّلاثاء
شهد المحامون من جيلنا، والأجيال السَّابقة، فضلاً عن الكثير من الأجيال اللاحقة، عهداً لم يكن القضاة ليتهاونوا فيه، أو يتسامحوا مع أيٍّ مِمَّن تسوِّل لهم أنفسهم الاستهانة بإجراءات التَّقاضي، أو الاستهتار بهيبة المحاكم. كان القاضي، في تلك الحالات، لا يتردَّد في تحرير محضر فوري لمرتكب الواقعة، تمهيداً لنيله العقاب الذي يستحقُّه. بل لم يكن نادراً ما يبادر المحامون أنفسهم برفض ذلك المسلك، وتقديم الطلبات اللازمة بشأنه. أمَّا الآن، فها نحن، للأسف، نشهد قدراً من الاستخفاف، وعدم الاحترام، يتعامل بهما بعض المتَّهمين مع الإجراءات القضائيَّة؛ فحين يُسألون، مثلاً، عن أسمائهم ينخرطون في «دوبيت» مطوَّل على طريقة «الهمباتة»، أو يُستفسرون عن أوضاعهم الاجتماعيَّة فينطلقون في تباهٍ سخيف بأعداد زوجاتهم، مثنى وثلاث ورباع، بلا مسوِّغ سوى الاستهزاء الواضح، بينما ذووهم يتضاحكون، ويتغامزون، ويتلامزون، والقاضي صامت لا يحرِّك ساكناً!
الأربعاء
النِّظام البائد، فضلاً عن نظامين شموليَّين سبقاه، علَّموا العسكريِّين، للأسف، إلا من رحم ربُّك، أنهم لا كبير فوقهم من المدنيِّين «المَلَكيَّة» في هذه الدَّولة؛ ولذا، ما لم يُفطموا مِن هذا الذي تعلموه، يكون مفهوماً تماماً، ما اتَّخذه الفريق شرطة بشير الطاهر، مدير عام الجَّمارك، من موقف مضادٍّ لقرار رئيس النِّيابة العامَّة، قطاع الخرطوم، برفع الحصانة عنه، تمهيداً لمحاسبته، بعد تدوين إجراءات في مواجهته بنيابة الخرطوم شمال، لرفضه تنفيذ فتوى المحامي العام بوزارة العدل، القاضية بإعادة مال كانت الجَّمارك تحصَّلته من رجل أعمال دون وجه حق. لكن الذي لا يمكن قبوله، البتَّة، بله فهمه، هو أن يساير د. حمدوك، رئيس الوزراء، موقف الفريق الطاهر في مقاومته لقرار النِّيابة!
لكن ثمَّة مفارقة ينبغي إيرادها هنا، وهي أن التُّرابي، عندما تولى منصب وزير العدل النَّائب العام، مطلع ثمانينات القرن المنصرم، ألزم كلَّ من يخالف، مِن الموظَّفين العموميِّين، توجيهات الوزارة في شأن أيِّ نزاع، مع أيِّ مواطن، سواء كان شخصاً طبيعيَّاً أو اعتباريَّاً، بتحمُّل مغبَّة تلك المخالفة، خصوصاً إذا ترتَّب عليها، لاحقاً، حكم قضائي في النِّزاع، وكان من الممكن تفاديه بالالتزام بتوجيه الوزارة؛ فإن تضمَّن ذلك الحكم سداد مال، فإنه، في هذه الحالة، يُقتضى من الموظَّف العمومي، شخصيَّاً، مهما كان منصبه، حتى لو لزم ذلك الاقتضاء خصمه، قسراً، من استحقاقات ما بعد خدمته!
أمَّا الآن فرئيس وزراء الثَّورة التي أطاحت بنظام التُّرابي يشجِّع، للغرابة، مدير الجَّمارك على مخالفة فتوى المحامي العام بوزارة العدل .. فتأمَّل!
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم