لا تضيعوا وقتكم في قراءة أرقام تقرير المراجع العام.. فليس فيها فساد ولا يحزنون!!

 


 

عثمان ميرغني
20 January, 2014

 


الحكومة – ولله الحق– سعيدة للغاية بالتقرير السنوي للمراجع العام.. لأنه يمنح الصحافة والإعلام مادة (وهمية!!) ينصرفون إليها ويتركون الحكومة في حالها ترتاح من وعثاء السهر والكدر الإعلامي طوال العام.
إخوتي الصحافيين والإعلاميين.. هل قرأتم تقرير المراجع العام بتمعن؟ ليس هناك فساد ولا يحزنون.. هو تقرير روتيني يتحدث عن (مخالفات) أقرب للإدارية منها للمالية.. غالبها الأعظم ناتج إما عن اجتهاد خطأ (وللمجتهد أجران إذا أصاب وأجر إذا أخطأ).. أو عن تعمد لتجاوز اللوائح والقانون دون الإخلال بكون المال العام موجه في موقع عام آخر غير الذي حدده القانون..
لكن الفساد الذي تبحث عنه الصحافة بالمعنى المباشر لكلمة (فساد!!).. ليس محله تقرير المراجع العام.. ففي كل التقرير الذي أدلى به المراجع العام أمام البرلمان ليس هناك (فساد!!) ولا يحزنون.. بل ولمزيد من الدقة.. الفساد عموماً لا يتم في الدورة المستندية التي يراجعها المراجع.. بل ولا حتى في الأوراق الرسمية بصفة عامة.
حسناً تسألونني أين (الفساد)؟؟ الفساد في (قانون ديوان المراجعة القومي) الذي يعمل به المراجع العام..
هذا القانون قط أليف منزوع المخالب.. يجعل من المراجع العام وبقية منسوبيه الكبار والصغار مجرد (ضيوف!!) يطرقون باب المؤسسة الحكومية المطلوب مراجعتها بكل لطف وتهذيب ويلتزمون بالآية الكريمة (فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ.. وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا..).
مثلاً الخطوط الجوية السودانية (سودانير) التي تنشر صحيفة (اليوم التالي) هذه الأيام تحقيقاً صحفياً استقصائياً عنها.. كانت تملك الحكومة 30% من أسهمها وينص قانون ديوان المراجعة القومي على إلزام مراجعة أي شركة تمتلك الحكومة 20% وأكثر من أسهمها.. ومع ذلك ظلت دون مراجعة.. هذا مجرد مثال واحد فقط..
لكن الأنكد من كل ذلك.. هل تدرون كم يبلغ (أجر!!) المراجع.. لا أقصد المراجع العام ونوابه الكرام (رغم أن الأمر ينطبق عليهم أيضاً) بل أقصد أعضاء فرق المراجعة الذين ينتشرون في المؤسسات الحكومية لإعداد تقرير المراجعة لكل وحدة حكومة..
موظفو المراجعة يقبضون أجراً مماثلا للأجر الذي يناله رصفاؤهم في الخدمة المدنية.. بل أقل منهم بحساب البدلات و(المخارجات) الأخرى التي يتفنن فيها موظفو الخدمة المدنية.
إذا لم يُميز المراجعون في ديوان المراجعة بامتيازات وظيفية ومالية بائنة فإن قدرتهم على فرض (هيبة!!) المراجعة على أجهزة الدولة سيكون مشكوكاً فيها.. أي (ملاينة) أو (ظرافة) طفيفة من المؤسسة الحكومية التي يراجعونها تكفي للتأثير على أدائهم.. ولو نفسياً.
كيف ينجح جهاز الأمن والمخابرات الوطني في فرض هيبة القانون والنظام على الجميع؟.. طبعاً ب(التمييز) الإيجابي.. الذي يجعل منسوبيه قادرين على ممارسة عملهم بكل سهولة ودون اعتراض. نفس الأمر ينطبق على ديوان المراجعة القومي.. لابد من تمييز (إيجابي) في شروط الخدمة والحصانات الوظيفية حتى لا ينتظر موظف الديوان –بكل أدب- أن تبتسم في وجهه المؤسسة الحكومية وتقول له (هيت لك..).
لا تضيعوا وقتكم في قراءة أرقام تقرير المراجع العام.. فليس فيها فساد ولا يحزنون..!!
/////////

 

آراء