أخبار عاجلة

لا يا محافظ بنك السودان ما هكذا تورد الابل .. بقلم: برفيسور احمد مصطفى الحسين

صرح محافظ بنك السودان (انهم سيعتمدون الخيانة العظمى كعقوبة للمتعاملين بالنقد الأجنبي خارج اطر بنك السودان). ويجعل هذا التصريح الغريب حقا الشخص العادى دع عنك الخبير المجرب ان يستغرب وله الحق ان يتسال: هل يدير الاقتصاد فى السودان خبراء اقتصاد وسياسات عامة ام انهم رجال شرطة وعسكريين ، مع احترامنا لدور رجال الشرطة والعسكريين حيث كانوا، الذين لا يرون حلولا للمشاكل الاقتصادية وغيرها الا با ستخدام السيف وسلاح التخويف والارهاب. ان تشخيص مشكلة ارتفاع اسعار الدولار كمشكلة خيانة عظمى يؤدى فى احسن الاحوال الى ارتفاع اسعاره فى السوق الموازى بشكل جنونى، واحسب انها ستكون، اذا ما طبقت، من الاخبار السارة لتجار العملة والعاملين فى مجالات تداولها، ولكن عبء تحمل أثارها الجانبية سيكون كارثيا على المواطن البسيط الذى ناء جانبه من ثقل الازمة الاقتصادية التى يتحمل جل اثارها الان. وليس هذا القول اكتشافا جديدا اذا ان حكومة الانقاذ جربت هذا الاسلوب فى بداية عهدها واعدم بجرم حيازة العملة وليس تجارتها عددا من الأبرياء ولم تؤدى او تمنع الاتجار فيها فى السوق الموازى بل زا\تها حدة. لقد جربت هذه الحكومة كل اساليب المعالجة الخطأ لمشكلة العملة ولم تجرب الاساليب الصحيحة قط. وظلت تكرر تطبيق نفس الاساليب دون ان تخرج بعبرة من مساوى نطبيقها وكأنها لم تجربها من قبل.

لقد قلت فى مقال سابق ان ازمة ارتفاع اسعار الدولار بازاء الجنيه السودانى ليست هى جوهرمشكلة الاقتصاد السودانى ولكنها اعراض ناجمة عنها. ومعالجنها بالاساليب القمعية والترهيبية يشبه فعل من يعالج بثورا طافية على سطح الجلد بسبب داء فى المعدة بالمراهم التى قد تؤدى الى اختفاء الاعراض بشكل مؤقت ثم تعود مرة اخرى للظهور بصورة اكثر شراسة لأن الداء المسبب لها لم تتم معالجته بشكل مناسب. مشكلة الاقتصاد السودانى مشكلة سياسية فى المقام الاول ومشكلة اقتصادية فى المقام الثانى ولا يمكن ان تعالج بالعنف والارهاب الذى لن يزيدها الا تفاقما. ان العملة فى اى بلد هى انعكاس لوضعه السياسى والاقتصادى فى ان واحد. العملة هى المرأة التى تعكس قوة وضعف الاقتصاد او بمعنى اخر تعكس وجه الاقتصاد سوى كان قبيحا او جميلا واستعمال اساليب العنف سيؤدى الى تجميل وجه الاقتصاد بكريمات تجميلية بشكل مؤقت ثم لا تلبث ان تزول الكريمات ويظهر وجه الاقتصاد اكثر قبحا بعد ان ضعف مفعول الكريمات العنفية. من المعروف بديهيا ان تحريم التداول فى سلعة ما سيدفع بها الى السوق الأسود وترتفع اسعارها بشكل متطرد. وتعتمد سرعة ارتفاع سعرها على درجة سواد السوق الذى يعتمد على عنف الاسلوب المتبع فى محاربة السوق الأسود. اذ كلما كانت العقوبات عنيفة كلما كانت المغامرة فيها كبيرة وتؤدى الى رفع اسعارها ثم تشجع الارباح العائدة منها الى دخول مغامرين جدد.

ان الاستنتاج السابق يدلل عليه ما يحدث فى سوق المخدرات. فتشديد العقوبة عليها يؤدى الى ارتفاع اسعارها بشكل خرافى ووفرة العائد منها مغرية بصورة تشجع المزيد من المغامرة فى الاتجار فيها وزيادة اعداد مستهلكيها من الشباب. والشاهد على ذلك ان دول الخليج توقع عقوبة الاعدام على تجار المخدرات ولكن هذا لم يوقف التجارة فيها والادمان عليها. ومقاربات دول الخليج لمعالجة مشكلة المخدرات تركز بشكل اكبر على جانب العرض -اى العقوبة على التجار- ولذلك حاولت بعض الدول الاوربية اباحة استخدام المخدرات مركز على جانب الطلب حتى تنخفض اسعارها وتزول عنها هالة المغامرة التى تجذب الشباب والمراهقين لاستعمالها والادمان عليها. ومن الغريب ان تجار المخدرات لا يرحبون بتخفيض العقوبات على الاتجارفيها واستعمالها لان هذا يخفض من اسعارها فى السوق وبالتالى عائداتها. وهذا الوضع يشبه تماما حالة الاتجار فى العملة حيث ان تشديد العقوبة فى التعامل معها ستدفع تجارتها الى مزيد من السواد فى سوقها وسوف تنخفض اسعارها بشكل مؤقت على المدى القريب ثم لا تلبث ترتفع اسعارها وعائداتها المجزية مما يشجع المزيد من الافراد الذين لم يكونوا جزأ من المتعاملين فيها فى السابق على الدخول الى مضمارها. وغنى عن القول ان ارتفاع سعر العملة فى السوق الاسود بعد تشديد العقوبات سيقود الى هروب المستثمرين الذين سيواجهون سعرا حقيقيا مرتفعا للدولار فى السوق الاسود وسعرا رسميا منخفضا يقودهم اما للتعامل مع السوق الاسود ووقوعهم تحت طائلة القوانيين. كما سيزيد ذلك من احجام المغتربين عن تحويل لاموالهم واستثماراتهم للبلاد.ولن يعجز التجار والمغتربين عن اكتشاف حيل جديدة للالتفاف حول العقوبات المشددة.

علاج مشكلة العملة لا تكون بتشديد العقوبات فيها وانما يجب ان تتجه الى علاج المشكلة السياسية التى تتمثل فى النظام السياسى الأمنى المغلق الذى شجع على الفساد واهدار الاموال وعشوائية الضرائب وتقديم اهل الولاء على اهل الكفاءة فى الوظيفة العامة. كما قاد هذا النظام الأمنى القابض وتكميم الافواه من منع اجهزة الاعلام من كشف الفساد والمتعاملين فيه واللجؤ الى الأساليب العنيفة فى حل المشاكل السياسية مما ادى الى انفجار الحروب الاهلية والتقاتل الذى يستنزف موارد الاقتصاد وامكانياته. اما هيكل الاقتصاد فقد اختل تماما واصبح يعتمد على التجارة الطفيلية فى السلع التفاخرية واهمل الانتاج الحقيقى بل تم دميره بالكامل فى مجالاته الحيوية مثل الزراعة والمواصلات والتعليم والصحة. لقد ازدهر اقتصاد الحرب وفى وقت الحروب ترتفع اسعار كل شى بما فيها العملةوتنخفض اسعار الاخلاق والقيمة. وخلاصة القول لا يمكن علاج مشكلة الاقتصاد بدون تحول حقيقى لنظام ديمقراطى، وتقوية دور القطاع العام فى توفير خدمات الصحة والتعليم واعدة تأهيل البنية التحتية الاقتصادية المدمرة التى لا يكون بدونها اقتصاد ولا سياسة. وصدق الاستاذ محمود محمد طه بقوله ان ازمة السودان ليست ازمة كفاءات وانما ازمة اخلاق ويتكشف صدف هذا القول كل يوم ممارسات نظام الحكم فى السودان. وما هكذا تورد الابل يا محافظ بنك السودان

hamadna@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً