لم يكن ذاك النداء نداء الوطن ياعبد الله علي إبراهيم .. بقلم: عثمان محمد صالح
30 ديسمبر, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
48 زيارة
osmanmsalih@hotmail.com
رأيتك فيما تكتبه، ولم أرك رأي العين، لكأن قبساً من المعرفة بك قذِف في فؤادي فجلى صورتك في طائفة الأخيار ذكي العبارة أصيل الموهبة ساحرها. غير أن فصول الرعب التي شهدتها بعد مجزرة يوليو 1971 وماقبلها قد تركت فيك بصمة لم تنمحي، وغيّرت حياتك واقعدت قلمك على تبروقة أراها في كتاباتك الملفعة بالغموض فتبدو غنوصية تكتنفها الأسرار والألغاز، لكنها في جلية الامر كتابات مثقف تملكه الرعب في سنة 1971 فأرخى القلم,
كنتَ من صناع ثورة اكتوبر 1964. ثم شاهداً على انعطاف الجموع يساراً بعد الثورة، ثم على تكاكؤ القوى اليمينية وقد تملكها الذعر من تنامي النفوذ السياسي للحزب الشيوعي فوجدتْ في حادثة معهد المعلنين السانحة لإيقاف ذلك المدّ اليساري وبقية القصة معروفة.
وقبل أن يستفيق جيلكم من صدمة الإعتداء على دور الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان وتحريم نشاطه القانوني باغتتكم مجزرة يوليو 1971. ثم جاء عهد الارهاب والملاحقة ومعاناة الاختباء . وصارت الكتابة بالنسبة لك جبل أرارات، جزيرة في وسط محيط مائج، حصن حصين، وصدفة آمنة التجويف من فظائع العالم المحيط. ومنذ ذلك التاريخ البعيد صارت الكتابة عندك روتيناً بعد أن كانت الحيوية
نفسها، أضحت مثلومة الحدّ بعد أن كانت حادة النصل. لم تعد الكتابة عندك أداة ثورية لتغيير العالم، بل شبكة من الرموز المذعورة التي يسري في عظامها برد السنين الطوال الممتدة من حادثة معهد المعلمين العالي عام 1965، تلك الرموز التي تتهيب شرور العالم وتخشى بأس مُلاّك الشوكة والجاه فيه فتتجنب مصادمتهم متدثرة بغمغمات شبيهة بغمغمات المتشعوذة.
بوقوع مجزرة يوليو 1971 تكون قد طويتَ طياً صفحة السياسية كتوق ليوتوبيا، كمشروع لانعتاق البشرية من أغلال المجتمع الطبقي. وأضحت روتيناً يؤدى كواجب حزبي، كتكليف لابد من إنجازه ، كإجتماع رتيب الأجندة يبعث تكرارها على السآمة والضجر.
لقد خرجتَ من السياسة كتوق نحو مجتمع مثالي في ذات اللحظة التي سمعت فيها خبر إعدام تلك الكوكبة من قادة الحزب في يوليو 1971. خرجتَ ولكن بغير إعلان. وكان من الواجب وقتها أن تمتلك جرأة الخروج الذي تأخر أعواماً.
وعندما انقلب على الديمقراطية الثالثة حلف من الإسلاميين والعساكر نوديت في المذياع للمشاركة في ما اسمي بمؤتمر الحوار الوطني من أجل السلام في شتاء 1989.
وصدق حدس الطغمة الجديدة فقد لبيتَ النداء.
مجللاً بالحرج خاطبت مؤتمر مغتصبي السلطة قائلاً: ” نني كنت أعد حقيبة الاعتقال كسائر زملائي ، فسمعت اسمي في المذياع.عضواً بذاك المؤتمر. ونداء الوطن لايرد. ولكن متى طلبتم الحوار على حدّ الوطنية وجب أن تكفوا عن الجراءات الاستثنائية. فالحوار بعدها مستحيل.( من مقالك: المقال الملعون..24 عاما من البشير ).
أما لماذا وقع اختبارهم عليك لتمنحهم الشرعية ؟. فلعلهم أدركوا بحس الطغاة أن صمودك قابل للترويض على العكس من صود رفاقك
الذبن كانوا يُعذبون وقتها في بيوت الاشباح.
خاطبتَ مؤتمر الطغاة الذين انتزعوا منك مايريدون. اخذوك تمرة أثيرة عند اليسار ونبذوك نواة.
قلت أمام مالا يعنيه ماذا تقول. يعنيه فقط حضورك أمام لات التصوير، وظهورك في نشرة الأنباء،قلت لهم إنك سمعت اسمك في المذياع . وان نداء الوطن لايرد. وهذا القول شعوذة صراح اذ ان النداء الذي تناهى اليك، ياعبد الله، لم يكن نداء الوطن الرازح من وقتها تحت وطاة مناديك . كان ذلك النداء هو نداء الاستبداد، نداء السلطة الانقلابية، نداء الأشداء الغلاظ. نداء القتلة ومحترفي التعذيب في بيوت الأشباح. فكيف بلغك صوت الآمر بتعذيب الأبرياء والمنتشي بآلامهم وكأنه صوت الوطن؟!.
ثم مدحت الانقلابيون وهنأتهم على إطفاء أولى شمعات الاستبداد. وعددتها خيبة للمعارضين.
ثم خرجت من وطنك إلى أمريكا تحاضر في الجامعة وتكتب المقال الراتب في الصحف الخاضعة لشمولية الانقاذ التي لاتجرؤ على معارضتها الى يومنا هذا. تسوّد الصحائف في شتى الموضوعات إلّا في التابو الذي اصطنعته لنفسك. تكتب عن العالم شرقاً وغرباً دون أن تأتي بذكر الاستبداد المستفحل في الوطن العزيز. وكيف يكون عزيزاً عليك وانت لاتنصره في ساعة الشدة والضيق؟.
وفي ذاك المهجر بذلت قصارى جهدك للحصول على الوثائق التي تدين السيد منصور خالد المتهم عند الشيوعيين بالعمالة لأمريكا.. وكان لك ماسعيت له. فوضعت يدك، وفقاً لما ذكرته في مقال “منصور خالد القوّال” ، على كنز من الوثائق تثبت عمالة السيد منصور خالد. ووجدت من بين المحفوظات نسخاً من صحيفة” اللواء الاحمر”، انتخبتَ من عناوين مقالاتها إثنين أحدهما بقلم عبد الخالق محجوب، والآخر بقلم سعاد إبراهيم أحمد عن صديقها ستالين. وكانت غاية التعريف بفحوى تلك الصحيفة هو التعريض بماكتبته سعاد إبراهيم أحمد عن ستالين قصاصاً من موقفها السالب من موضوع مشاركتك في مؤتمر الحوار الوطني الأول ذاك. (صحيح ؟ ) . كأنك تسكتها بعد سنين طوال. كأنك تشير إليها من طرف خفي: سواءٌ نحن في نصرة الاستبداد.
كانت كتاباتك عن عمالة السيد منصور خالد نصراً مؤزراً أفحم خصمك. لقد كسبت المعركة ضد السيد منصور خالد لكنها كانت في واقع الأمر
بمثابة التعويض النفسي لعدم خوضك المعركة الحقيقية في سبيل حرية الوطن العزيز.
ومنذ عودتك الى السودان في2009 لم تتوقف عن الكتابة في الصحف جلها عمايدور خارج الوطن أو في الماضي البعيد، وكأنك لاتحيا مع الناس في عنت حاضرهم الآني الذي تهيمن فيه سلطة “الإنقاذ”.
عثمان محمد صالح
29-12-2015