بــهــدوووء_
السودان هو البلد العربي الأفريقي السامي الحامي، كبير المساحة، غنيّ الموارد، فقير التنمية، شحيح الصادرات، فاقد الاستقرار، مزدوج الثنائيات والأقطاب. هو ساحة لتصفية حسابات وتعقيد أخرى، ومسمار عجلة في نظام الشرق الأفريقي، ورمانة ميزان في محاور اندثرت وأخرى قادمة، وثورة تتأرجح بين الخيبة والأمل منذ 3 سنوات، فما الجديد؟ وفيما لا يزال الانسداد يراوح مكانه، بين إصرار المكوّن العسكري على اغتصاب بالسلطة، وحراك الشعب السوداني عبر التظاهرات الثورية المتجددة من أجل استعادة السلطة المدنية، يعكس المشهد تعقيداً كبيراً يتزايد مع كل يوم. قطات لفيلم متكرر منذ قديم الزمان، فيظلّ العمل البطولي نحو الجلاء والاستقلال و(السودنة) متجذراً منذ لحظة رفع العلم فوق سراي الحاكم العام في الخرطوم، وتتكرر في الفيلم عينه المباهج والمآسي نفسها، مروراً بانقلابات مؤسساتية، وأخرى أيديولوجية، وحرب أهلية هي الأطول عمراً في القارّة السمراء، وسيطرة الإسلاميين، ولحظة انفصال الشطر الجنوبي، وليس انتهاء بثورة كديسمبر 2018م، التي وضعت البلد المتعدد الأعراق واللغات والأديان في مفترق طرق، أقصرها مميت وأطولها شاق، ما بين الحرب الأهلية مجدداً والجمهورية (الثالثة) التي ما زالت تتراءى خيالاً عند البعض، وحقيقة جوهريّة عند البعض الآخر، برؤية حديثة لبناء دولة لامركزية مرِنة وعادلة. الوضع في السودان يزداد تعقيداً بمقدار ما يزداد وضوحاً. والقوى الكبرى تبحث عن مصالحها الأمنية والاستراتيجية، وإن رفعت شعار التمسك بالقيم والحرص على الديمقراطية. روسيا والصين ضد (الثورات الملونة) وكل ثورة بحجة أنها (ألعاب أميركية). وأميركا التي ساندت الثورة الشعبية السلمية ضد نظام عمر البشير، عادت إلى مراعاة العسكر وتخفيف الضغوط بعد الانقلاب العسكري على الثورة والمكون المدني في السلطة الانتقالية. صحيح أن قائد الجيش والانقلاب الفريق عبد الفتاح البرهان يتحدث عن تصحيح الشراكة مع المدنيين، ويعلن أنه مستعد لتسليم السلطة إلى حكومة تخرج من الانتخابات أو حكومة يأتي بها التوافق السياسي. لكن الصحيح أيضاً أن الجيش يفعل كل شيء لتأخير الانتخابات ومنع التوافق السياسي. ولا شيء يوحي بأن الجيش يفكر في التخلي عن السلطة، وإن كان عاجزاً عن تأليف حكومة وإدارة المال والاقتصاد. فهو يمارس القمع العنيف لمواجهة التظاهرات المليونية اليومية في كل مدن السودان، مطالبة بالديمقراطية وتولي المدنيين للسلطة. وهو عمل ولا يزال على إضعاف التنظيمات الثورية وشق صفوفها، وإغراء بعض الأطراف والقيادات بالانضمام إلى سلطة الجيش. وليس أمراً عادياً أن تسقط وتفشل المبادرات واحدة بعد أخرى. مبادرة الاتحاد الأفريقي غابت. والمبادرة الأميركية احتوتها مناورات البرهان ونائبه (حميدتي). ومبادرة هيئة التنمية الأفريقية (الإيقاد) تكرار للتجارب ودعوات كل الأطراف إلى حل الخلافات سلمياً. مبادرة الأمم المتحدة ليست مبادرة محددة، بل مجرد استعداد لتفهم مطالب كل طرف ودفع الأطراف إلى التفاهم. والاتحاد الأفريقي يلعبها مزدوجة في مواجهة موجة جديدة من الانقلابات العسكرية في القارة السوداء: يعاقب الانقلابيين في مالي وغينيا وبوركينا فاسو قبل محاولة انقلابية فاشلة في غينيا بيساو، ويتراخى مع الانقلاب الذي سطا على الثورة في السودان. يتحدث بعد قمته الـ 35 في أديس أبابا عن (تراجع خطير في الديمقراطية) بسبب الانقلابات. ويصمت عن مخاطر الانقلاب السوداني الذي جرى على مراحل. وقادة الجيش يحاولون (إعادة نظام البشير) بلا بشير، بحسب ما نراه الآن على الساحة. ومما يرشح من هذه المبادرات أنَّ هناك تمترساً من جميع الأطراف المعنيّة في التمسّك بمواقفها وعدم تقديم تنازلات تفضي إلى التوافق المطلوب في هذه المرحلة الحسّاسة التي يمر بها السودان والإقليم، لتجنيبه مخاطر الانزلاق إلى العنف وعسكرة كلّ الأطراف، الأمر الذي قد يؤدي، في حال حدوثه، إلى سيناريوهات مدمرة، أخطرها تمزيق ما تبقّى من السودان، بما ذلك من تداعيات كارثية على المنطقة برمتها. والواقع أن قادة الانقلاب العسكري كانوا من أركان عمر البشير، بعضهم عمل في تنظيم (الإخوان المسلمين)، وبعضهم الآخر مثل حميدتي قائد قوات التدخل السريع، كان يقود ميليشيا (الجنجويد) التي ارتكبت الفظائع في دارفور، وصارت نواة التدخل السريع. والخطوة الأولى التي قاموا بها بعد فك الشراكة مع المدنيين هي طرد الإداريين الكبار الذين جاءت بهم حكومة عبدالله حمدوك، وتعيين مسؤولين سابقين في نظام البشير مكانهم. وهي أيضاً حل اللجنة التي كانت مهمتها تفكيك شبكات (التمكين) للإخوان المسلمين في السلطة والمجتمع.
والمشكلة أيضاً مزدوجة: الجيش يبدو في موقف واحد من خلال الضباط الكبار الأعضاء في مجلس السيادة. والثوار موحدون في الهدف متفرقون كفصائل. (قوى الحرية والتغيير)على اختلاف مع (تجمع المهنيين السودانيين). و(لجان المقاومة) تعمل منفردة. ثقل لجان المقاومة اليوم أصبح أكثر تأثيراً .. كما ذكرنا من قبل في أكثر من مرة .. بفعل قدرة تلك اللجان على طرح رؤية عامة واضحة مفادها: الإصرار على مواصلة الثورة والقطع مع أي إمكانية لعودة الجيش ونظام الإخوان المسلمين مرةً أخرى إلى حكم البلاد، بعد ثلاثين عاماً من الخراب. ومطلب القوى الثلاث واحد: إسقاط سلطة الجيش وتسلم المدنيين السلطة. بعضها يحاور ممثل الأمم المتحدة المتبرع بمبادرة تصالحية. وبعضها الآخر مثل (تجمع المهنيين السودانيين) يرفض مبادرة الأمم المتحدة ويراها غير جدية. والكل يعرف أن بداية الطريق إلى تسلم المدنيين للسلطة هي أن تتوحد (قوى الثورة). والكل يسمع في الداخل والخارج من يقول إن إسقاط السلطة العسكرية في الشارع مهمة بالغة الكلفة وصعبة، ولا بد من صيغة ما تعيد الشراكة العسكرية-المدنية في المرحلة الانتقالية.
ولا بد من ضغوط سياسية واقتصادية قوية وفعلية على الانقلابيين للعودة عن الانقلاب. فالأوضاع المالية والاقتصادية مأزومة. والضباط عاجزون عن تحريك النشاط الاقتصادي وعن إسكات الثوار. وقوى الثورة مصرة على التظاهر يومياً على الرغم من القمع والاعتقالات وقنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي، الذي أودى حتى اليوم بنحو 100 متظاهر.
وليس أخطر من التحديات الداخلية والخارجية أمام الخرطوم سوى تجاهل ما خربته في السودان وعلاقاته، سلسلة الانقلابات من أيام الفريق عبود إلى النميري والبشير والبرهان.
إن الإعداد للتغيير القادم لا بد أن يستند إلى ساقين؛ وعي شعبي آني وممتد، ونخبة شبابية جديدة تُمكن من صدارة مشهد التغيير وقادرة على أن تشكل قاطرة للفعل الثوري، على أن يكون ذلك مشفوعاً من أهل قوى الثورة وأصحاب المصلحة فيها باستراتيجية خطاب يستنفر طاقة الجماهير ويصنع الأمل، ويستشرف المستقبل. من أجل ذلك فإن ثورة ديسمبر لم تفشل، ولكنها باقية، قائمة، راسخة، مستمرة، مستأنفة، من أجل أن تُسترد الثورة لمصلحة الوطن والمواطن والمواطنة.
آخر الهبوط دا أيه ؟؟
في ظل استمرار هبوطنا المتواصل نحو القاع لماذا نحن نحاكم الأغنية بمعزل عن الهبوط العام الذي يغلق معظم حياتنا، فنحن الآن نرى هبوطاً في سعر الجنيه مثلاً وهبوطاً في الرياضة وهبوطاً في اخلاقيات البعض وهلم.. اذن الاغنية هبطت ان جاز ذلك بموازاة لحالة الهبوط العام في كل شيء وعلى رأسه السياسة.
Mohammed Ahmed <mido34067@gmail.com>
/////////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم