بقلم: هشام الحلو
حين نقارب تجربة الشاعر والكاتب مأمون التلب، فإننا لا نقف فحسب أمام نصوص عابرة، بل نجد أنفسنا في مواجهة حقيقية مع قلق الوجود المكتوب بالحبر والشغف الإنساني الخالص. يمثل التلب، بوصفه أحد أبرز أصوات جيل ما بعد التسعينيات، حراكاً ثقافياً ونشاطاً معرفياً متميزاً؛ ذلك الجيل الذي تفتّح وعيه الإبداعي في فضاءات حافلة بالتحولات، فآثر أن يجعل من الكلمة أداة وحيدة لإعادة صياغة الرؤية للعالم.
وقد تجسد هذا السعي في إنتاج شعري وسريالي صادم وفارق؛ بدءاً من ديوانه “وحش التجوال”، ومطولاته التي تبحر في تفكيك الذاكرة مثل “تحقيقات (كان)”، وصولاً إلى نصوصه الكثيفة الحادة مثل “خوارج” و”قافلة التَّرميل”. في كل هذه الأعمال، يبرز التلب كعلامة فارقة في جيله، يعتمد على تفكيك المألوف وإعادة بناء صور سريالية غامضة تنقب في عوالم الفقد، والعزلة، والبيوت القديمة، محاوراً الوجود برؤية فلسفية ممتدة حتى نصوصه المتأخرة مثل “نساءٌ سائراتٌ على الماء”.
وفي نصه المفصلي والأشهر “جنة العميان” (سماوات الجذر المجهولة) —والذي قدمه أيضاً كعمل صوتي مميز مدمج مع موسيقى الموسيقار العالمي فيليب غلاس عبر منصة ساوند كلاود— يغرس التلب مبضعه الجمالي عميقاً في جسد الكينونة؛ إذ إن “العمى” في سياقه الإبداعي ليس عجزاً فيزيائياً، بل هو رمز لغياب البصيرة والتسليم بالرؤى الجاهزة والنمطية التي تحجب عن الإنسان جوهر حقيقته. وهو إذ يخلق في هذا الفضاء نثراً موازياً، يعيد من خلاله تعريف الضوء؛ لا باعتباره فيضاً خارجياً، بل بوصفه كشفاً داخلياً يجترح أصالته من عتمة الأسئلة نفسها.
ويتحرك الشاعر في أجواء وجودية خانقة ومقاومة في آنٍ واحد، تنعكس في صرخته الشهيرة:
«عِنْدَمَا صَرَخْتُ لَمْ أَشَأْ أَنْ أُزْعِجَ المَوْتَى.. وَلَكِنَّ السِّيَاجَ عَلَيَّ ضَاقَ، وَلَمْ أَجِدْ أَحَداً يُسَمِّنِي سِيَاجَا»
محذراً من الزيف والوعود الخادعة التي تسرق وعي الإنسان بنعومة، حيث يقول في شذرته: “من آخرها: تخرج شمس كاذبة، بخطوات خفيفة، دون أن تحرق القماش الواهي، الفقير”.
هذا التدفق يبرز لغة فخمة تتأرجح بين الفلسفة والتصوف المعاصر، نائية عن المباشرة التقريرية، لتفكك بنية الخطاب التقليدي عبر مزج النثر بالشعر، واليومي بالأسطوري. وتتبدى هذه النزعة بوضوح في أعماله السردية الأخرى، كرحلة دؤوبة لرفع الوعي، يتداخل فيها الذاتي بالكوني، ويصبح الجسد والروح هما المحركين الأساسيين لفك شفرات الحياة والموت على هذه الأرض.
ولم يكن التلب يوماً أديباً ينكفئ على مجازه في عزلة، بل تميز ككاتب نشط ثقافياً، قاد مع أبناء جيله حركة تنويرية تسعى لتقريب الأدب من وجدان الناس. وتجسد هذا التوجه في مبادرته الثقافية الرائدة “الكتاب المفروش”، والتي سعى من خلالها إلى كسر حواجز النخبوية وجعل المعرفة مشاعاً للجميع؛ فعبر نقل الكتاب إلى الفضاءات العامة المفتوحة، تحول رصيف الشارع إلى ملتقى حيوي يربط القارئ العابر بكنوز الفكر الإنساني، وهو ما أعطى حركته الأدبية بعداً حياً وتفاعلياً مع مجتمعه.
ويدخل هذا العالم النثري الشاسع ليشمل الترجمة بوصفها تلاقحاً معرفياً عابراً للحدود؛ فقد اهتم بنقل نصوص وفلسفات مغايرة، لا سيما المدارس السريالية، إلى الفضاء الثقافي المحلي، مدفوعاً بالإيمان بأن الانفتاح على قلق الآخر الإنساني يثري التجربة الإبداعية الذاتية ويمنحها أبعاداً عالمية. ويتكامل هذا الدور مع إسهاماته التأسيسية والكتابية في منصات صحفية مستقلة مثل “مجلة البعيد”، ومجلة “الحداثة السودانية”، وصفحات “تخوم”، حيث يبرز التلب كصانع للمنابر ومقاوم بارع للنسيان، يحول الكتابة والصحافة الثقافية إلى حائط صد لحماية الذاكرة الجمعية من التلاشي، مستمراً في اكتشاف الهوامش الجمالية وإعادة تقديمها كمراكز إشعاع معرفي جديد.
إن مأمون التلب يظل صائداً للغة، يغرس صنارته في جمر الأسئلة الكبرى، لا ليمنحنا أجوبة مريحة، بل ليقذف بنا في أتون الدهشة التي تعيد تشكيل وعينا بالجمال والحرية الإنسانية. وعوالمه المتشعبة هذه —شعراً، ونثراً، وممارسة ثقافية— هي التوثيق الحقيقي لروح جيل ما بعد التسعينيات؛ ذلك الجيل الذي آمن بأن الكلمة الصادقة قادرة دوماً على اختراق حُجُب الظلام.
hishamissa.issa50@gmail.com
