د. مهدي تاج الدين
حين يتحول باب المسجد إلى مكانٍ للقلق، ويصبح الحذاء أهمَّ ما يفكر فيه المصلّي بعد التسليم!
في لحظة يفترض أن يكون فيها الإنسان أقرب ما يكون إلى السكينة والطمأنينة، يقف بعض المصلين في السودان أمام سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يحمل دلالات اجتماعية وأخلاقية عميقة:
هل يستطيع المسلم أن يدخل المسجد، ويؤدي صلاته بخشوع، ثم يخرج ليجد حذاءه في المكان الذي تركه فيه؟
السؤال قد يبدو طريفاً للوهلة الأولى، لكنه لم يعد كذلك بالنسبة لكثير من المصلين الذين أصبحوا يدخلون المساجد وهم يلقون نظرة أخيرة على أحذيتهم، وكأنهم يودعونها وداعاً قد لا يكون مؤقتاً!
فبعد أن كان المصلّي يحرص على الوصول إلى الصف الأول، أصبح بعض الناس يحرصون قبل ذلك على وضع أحذيتهم في مكان آمن، أو حملها إلى داخل المسجد، أو اختيار حذاء قديم للصلاة خوفاً من أن يعود إلى منزله حافياً.
إنها مفارقة مؤلمة: يدخل الإنسان بيت الله طلباً للأمان والسكينة، فيجد نفسه منشغلاً بحماية ممتلكاته.
سرقة الأحذية من أمام المساجد ليست ظاهرة جديدة، وقد سُجلت وقائع مشابهة في السودان منذ سنوات، كما شهدت دول أخرى حالات متكررة وصلت في بعض الأحيان إلى توقيف متهمين وضبط مسروقات أو الاستعانة بكاميرات المراقبة لكشف مرتكبيها.
لكن خطورة الأمر في السودان لا تكمن في قيمة الحذاء المسروق وحدها؛ فقد يكون الحذاء رخيصاً أو غالياً، قديماً أو جديداً، لكن القضية أكبر من ذلك بكثير.
إنها قضية أمانة.
فالذي يمد يده إلى حذاء مصلٍّ يعلم جيداً أن صاحبه تركه خارج المسجد لأنه وثق في المكان، ووثق في المجتمع، ووثق في أن حرمة المسجد ستمنع الآخرين من الاعتداء على ممتلكاته.
والسرقة هنا لا تقع في سوق مزدحم أو شارع معتم، وإنما تحدث في محيط بيت من بيوت الله، وفي الوقت الذي يكون فيه صاحب المال واقفاً بين يدي ربه.
وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية الكبرى.
كيف يمكن لإنسان أن يقف في صف الصلاة، ويسمع آيات القرآن، ثم يخرج بعد دقائق ليأخذ ما ليس له؟
وكيف يستطيع أن يمد يده إلى مال إنسان آخر، وهو يعلم أن صاحب ذلك المال ربما يكون عاملاً بسيطاً، أو طالباً، أو شيخاً كبيراً، أو شخصاً لا يملك ثمن حذاء آخر يعود به إلى منزله؟
الأمر ليس حذاءً فقط.
إنه اعتداء على الثقة.
وحين تنتشر مثل هذه السلوكيات، فإنها لا تسرق الممتلكات وحدها، وإنما تسرق شيئاً أخطر: الثقة بين الناس.
المؤلم أكثر أن بعض المصلين أصبحوا يتعاملون مع الأمر باعتباره شيئاً عادياً أو متوقعاً، حتى صار السؤال بعد الصلاة أحياناً ليس: هل تقبل الله صلاتنا؟ وإنما: هل ما زال الحذاء موجوداً؟
وقد وثقت تقارير صحفية في بلدان مختلفة حالات أصبح فيها بعض المصلين يحملون أحذيتهم معهم أو يتخذون وسائل احترازية بسبب تكرار السرقة.
وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا:
أي مجتمع نريد؟
هل نريد مجتمعاً يدخل فيه المصلّي المسجد مطمئناً إلى أن ماله محفوظ، أم مجتمعاً يضطر فيه الإنسان إلى مراقبة حذائه أثناء الصلاة؟
المسؤولية هنا ليست مسؤولية الشرطة وحدها، ولا إدارة المسجد وحدها، ولا الإمام وحده.
إنها مسؤولية المجتمع كله.
فالمساجد بيوت للعبادة، لكنها أيضاً فضاءات اجتماعية ينبغي أن تعكس أرقى ما في المجتمع من قيم الأمانة والتكافل والرحمة.
ومن المهم أن تتخذ إدارات المساجد، خصوصاً المساجد الكبيرة، إجراءات عملية للحد من الظاهرة؛ مثل تحسين ترتيب أماكن الأحذية، ووضعها في مواقع أكثر أمناً، والاستفادة من كاميرات المراقبة حيثما أمكن، وتشجيع المصلين على الإبلاغ عن أي سلوك مشبوه، مع عدم تحويل المسجد إلى مكان أمني يبعث على التوتر.
كما أن التوعية الدينية والأخلاقية تظل ضرورية؛ لأن الكاميرا قد تمنع السرقة، والشرطة قد تضبط السارق، لكن الوازع الأخلاقي هو الحارس الأول الذي ينبغي أن يمنع الجريمة قبل وقوعها.
فالذي يعلم أن ما يفعله حرام، وأن مال أخيه المسلم ليس مباحاً، وأن حرمة المسجد لا تسمح له باستغلال انشغال الناس بالصلاة، لن يحتاج إلى كاميرا فوق رأسه حتى يكون أميناً.
لقد عانى السودان خلال السنوات الماضية من تراجع كبير في مستويات الأمن والثقة المجتمعية، وأصبحت كثير من السلوكيات التي كانت مستهجنة اجتماعياً تحتاج إلى وقفة جادة لإعادة بناء منظومة القيم.
ومن هنا، فإن قضية الأحذية المسروقة أمام المساجد، رغم صغرها مقارنة بالقضايا الكبرى التي يعيشها السودان، تستحق أن تُقرأ باعتبارها مؤشراً صغيراً على قضية أكبر: ماذا حدث لمنظومة الأمانة في مجتمعنا؟
قد يسرق أحدهم حذاءً قيمته بضعة آلاف، لكنه في الحقيقة يسرق معه شيئاً لا يُقدّر بثمن: إحساس إنسان آخر بأن المجتمع من حوله آمن.
