الهند حين اختلف آباؤها ولم تختلف دولتهم
ما الذي يمكن أن يتعلمه السودان من تجربة غاندي ونهرو وباتيل وأمبيدكار؟
دكتور محمد عبدالله
هناك بلدان تولد بعد الاستقلال وهي تعرف، ولو على نحو تقريبي، ماذا تريد أن تكون، وبلدان أخرى تحصل على استقلالها ثم تبدأ في البحث عن نفسها. والهند، رغم كل ما أحاط بولادتها من دماء وتقسيم وفقر وفوضى، كانت أقرب إلى النوع الأول.
لم تكن الهند التي خرجت من الاستعمار البريطاني عام 1947 دولة متجانسة. كانت شبه قارة شاسعة تتعدد فيها الأديان واللغات والطوائف والطبقات والمناطق، وتضم مئات الولايات الأميرية التي لم يكن مستقبلها السياسي قد حُسم بعد. ثم جاء الاستقلال مقترناً بأحد أكثر الأحداث مأساوية في القرن العشرين: تقسيم الهند وقيام باكستان، وما رافق ذلك من قتل وتهجير جماعي.
ومع ذلك، استطاعت الهند أن تخرج من تلك اللحظة العاصفة إلى بناء دولة دستورية ديمقراطية بقيت، رغم أزماتها وانتكاساتها، متماسكة حتى اليوم.
والسؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده في السودان ليس: كيف أصبحت الهند قوة كبرى؟ بل سؤال آخر أكثر تواضعاً وأهمية: كيف استطاع جيل الآباء المؤسسين للهند أن يختلف بهذا العمق من دون أن يتحول اختلافه إلى حرب على الدولة نفسها؟
هنا تكمن واحدة من أكثر التجارب السياسية إثارة للاهتمام في القرن العشرين.
ليس من الدقة اختزال الآباء المؤسسين للهند في شخصية واحدة. صحيح أن المهاتما غاندي كان الأب الروحي للحركة الوطنية، لكن الهند الحديثة كانت ثمرة تفاعل شخصيات ومذاهب سياسية وفكرية متباينة. كان جواهر لال نهرو يرى الهند الحديثة دولة علمانية ديمقراطية ذات مؤسسات قوية، تتجه إلى التصنيع والعلم والتخطيط الاقتصادي. وكان سردار فالابهاي باتيل أكثر واقعية في نظرته إلى الدولة، وأكثر اهتماماً بتثبيت السلطة والحفاظ على وحدة البلاد. أما بي. آر. أمبيدكار، الذي تولى رئاسة لجنة صياغة الدستور، فقد دخل إلى المشروع الهندي من زاوية مختلفة: حقوق الفئات المهمشة، والمساواة أمام القانون، ومواجهة نظام الطبقات والتمييز الاجتماعي. وكان هناك أيضاً أبو الكلام آزاد، المفكر والعالم والسياسي المسلم، الذي دافع عن فكرة الهند الموحدة ورفض أن تتحول الهوية الدينية إلى أساس لتقسيم الوطن.
لم يكن هؤلاء متفقين. كانت خلافاتهم عميقة في الاقتصاد والدين وموقع الدولة والعلاقة بين المركز والأقاليم وحقوق الأقليات، بل وفي طبيعة المجتمع الذي ينبغي أن تنشئه الدولة الجديدة. لكنهم امتلكوا شيئاً بالغ الأهمية: القدرة على الفصل بين الخلاف حول شكل الدولة والخلاف حول وجود الدولة. وهذه ربما تكون أولى النقاط التي تستحق أن نتوقف عندها نحن السودانيين .
كانت العلاقة بين غاندي ونهرو واحدة من أكثر العلاقات السياسية تعقيداً في تاريخ الهند الحديث. كان غاندي أقرب إلى الهند الريفية وإلى الاقتصاد المحلي والبساطة واللاعنف، بينما كان نهرو أكثر تعلقاً بالحداثة والعلم والصناعة والتخطيط والدولة الحديثة. كان الاختلاف بينهما فكرياً حقيقياً، وليس مجرد اختلاف في الأسلوب. ومع ذلك لم يتحول إلى خصومة شخصية أو إلى محاولة لإقصاء أحدهما الآخر. كان غاندي يدرك أن نهرو يمثل جيلاً جديداً من الهند، ونهرو، رغم اختلافه مع معلمه في قضايا أساسية، لم يتعامل معه باعتباره عقبة أمام المستقبل. وربما تكمن أهمية غاندي هنا في أنه لم يكن مجرد قائد سياسي؛ فقد امتلك سلطة أخلاقية جعلته قادراً على إدارة الخلاف من دون تحويله إلى معركة كسر عظم.
أما العلاقة بين نهرو وباتيل فكانت مختلفة. هنا كان الخلاف داخل مركز السلطة نفسه، حول كيفية بناء الدولة الجديدة. كان نهرو أكثر ميلاً إلى الدولة الحديثة ذات التوجه الاشتراكي والتخطيط المركزي، بينما كان باتيل رجل دولة عملياً، وضع تثبيت السلطة ووحدة الهند في مقدمة أولوياته. ومع ذلك، عملا معاً في لحظة لم تكن الهند تستطيع فيها تحمل انقسام القيادة.
وكان دمج الولايات الأميرية في الاتحاد الهندي أحد أبرز إنجازات باتيل السياسية. وقد تم ذلك عبر مزيج من التفاوض والضغط السياسي، وأحياناً استخدام القوة. لم يكن الأمر مجرد انتصار لباتيل على خصومه، بل كان جزءاً من عملية أوسع لبناء دولة تدرك أن الاستقلال لا يستقيم مع بقاء أراضيها مجزأة بين مراكز قوة متعددة. وهنا تظهر مفارقة مهمة: كان باتيل من أكثر المدافعين عن الدولة المركزية القوية، لكنه لم يتعامل مع التنوع باعتباره شيئاً ينبغي محوه، بل باعتباره واقعاً ينبغي استيعابه داخل إطار سياسي واحد.
وربما كان أمبيدكار أكثر الشخصيات المؤسسة للهند إدراكاً لخطر تحويل الوطنية إلى عاطفة مجردة. كان يعرف أن المجتمع الهندي يحمل تفاوتات هائلة، وأن الديمقراطية السياسية لن تكون كافية إذا ظلت فئات اجتماعية بأكملها محرومة من المساواة. لذلك لم يكن الدستور الهندي، في نظره، مجرد وثيقة لتنظيم السلطات، بل محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة.
كان السؤال الذي شغل أمبيدكار هو: كيف يمكن بناء دولة لا تعتمد على حسن نية الحكام؟ وكانت الإجابة في المؤسسات والحقوق والقضاء والانتخابات وتوزيع السلطات والضمانات الدستورية. وهذا درس شديد الأهمية للسودان. فمشكلة الدول الخارجة من الحروب ليست دائماً في العثور على الأشخاص الصالحين لإدارة الدولة، وإنما في بناء نظام لا يحتاج إلى أشخاص استثنائيين لكي يعمل.
ولم تقل الهند إن الوحدة تعني أن يصبح الجميع نسخة واحدة من الآخر. وعلى الرغم من كل عيوب تجربتها، حاولت أن تجعل التنوع جزءاً من هندسة الدولة نفسها. أعطى النظام الاتحادي الأقاليم مساحة للحكم المحلي، ثم أثبتت التجربة لاحقاً أن إعادة رسم حدود الولايات على أسس لغوية يمكن أن تكون وسيلة لاحتواء النزعات الإقليمية، بدلاً من التعامل معها دائماً باعتبارها تهديداً لوحدة الدولة.
ولم تكن التجربة خالية من العنف. فقد شهدت الهند تمردات ونزعات انفصالية وصراعات دامية في البنجاب ومناطق أخرى، كما شهدت أزمات كبرى في كشمير وغيرها. لكن الفكرة الأساسية ظلت حاضرة: المطالبة بالحقوق الإقليمية لا تعني تلقائياً السعي إلى تفكيك الدولة، والاختلاف مع المركز لا يجعل صاحبه بالضرورة عدواً للوطن. وهذه نقطة تستحق عناية خاصة في السودان.
والمقارنة بين السودان والهند ليست مطابقة، ولا ينبغي أن تكون كذلك. فالتاريخ والجغرافيا والتركيبة الاجتماعية والتجربة الاستعمارية مختلفة. كما أن التنوع الهندي، من حيث عدد اللغات والمجموعات والأديان، أوسع بكثير من التنوع السوداني. لكن ثمة أوجه شبه لا يمكن تجاهلها. كلا البلدين ورث دولة حديثة من الاستعمار، وكلاهما شديد التنوع، وكلاهما واجه، بدرجات مختلفة، السؤال نفسه: كيف نبني أمة سياسية من جماعات ومناطق وهويات متعددة؟
وفي الحالتين برز مركز سياسي قوي، وأقاليم تشعر بدرجات متفاوتة من التهميش، ومشكلة في توزيع السلطة والثروة، وتوتر مستمر بين المركز والأطراف. لكن الفارق الحاسم ربما كان في طريقة إدارة الاختلاف. في السودان، جرى في أوقات كثيرة التعامل مع التنوع باعتباره مشكلة ينبغي السيطرة عليها، بدلاً من اعتباره حقيقة ينبغي أن تنعكس في مؤسسات الدولة نفسها. أما الهند، فعلى الرغم من إخفاقاتها الكثيرة، فقد حاولت بدرجة أكبر أن تجعل هذا التنوع جزءاً من النظام السياسي.
وهنا لا تكمن قيمة التجربة الهندية في أنها نجحت دائماً، وإنما في أنها أثبتت أن التنوع يمكن أن يكون جزءاً من الدولة، لا سبباً لانهيارها.
وهناك درس هندي آخر ربما يكون أكثر إلحاحاً بالنسبة إلى السودان: مكان الجيش في الدولة. لم تكن الهند دولة بلا جيش قوي، ولم تكن محاطة ببيئة جيوسياسية سهلة، لكنها نجحت في السنوات الأولى من الاستقلال في تثبيت مبدأ أساسي: الجيش مؤسسة للدولة، وليس بديلاً عن السياسة.
وهذا فارق جوهري. فالديمقراطية لا تعني فقط إجراء الانتخابات، وإنما تعني أيضاً أن القوات المسلحة لا تصبح حكماً بين السياسيين، وأن الخلاف السياسي لا يُحسم بالدبابات.
وليس معنى ذلك أن الهند لم تعرف تراجعاً ديمقراطياً. فقد شهدت، في عهد إنديرا غاندي، حالة الطوارئ بين عامي 1975 و1977، وهي واحدة من أخطر لحظات التاريخ الديمقراطي الهندي الحديث. لكن الانتخابات اللاحقة أظهرت أن النظام كان قادراً على تصحيح مساره من داخله. وهذه نقطة أخرى تستحق التأمل: الديمقراطية ليست نظاماً لا يخطئ، وإنما نظام يمتلك الوسائل التي تسمح له بتصحيح أخطائه من دون إسقاط الدولة.
ليس المطلوب أن يستنسخ السودان الدستور الهندي، ولا أن يبحث عن “غاندي سوداني” أو “نهرو سوداني” . فهذه طريقة خاطئة في قراءة التاريخ. الدرس الحقيقي أعمق من الأشخاص.
أول ما يمكن تعلمه هو ضرورة تحويل الخلاف من صراع على الدولة إلى تنافس داخل الدولة. فلا توجد دولة ديمقراطية من دون خلافات، والمشكلة ليست في وجود الخلاف، وإنما في غياب القواعد التي تجعل المختلفين قادرين على الاستمرار في العيش السياسي معاً.
ثم إن الوحدة لا تعني المركزية المطلقة. يمكن أن تكون الدولة واحدة من دون أن تكون كل القرارات في العاصمة، وقد تكون إدارة التنوع وتوزيع السلطة بين المركز والأقاليم وسيلة لحماية الوحدة، لا تهديداً لها.
والدستور ليس عقداً بين النخب فقط. الدستور الناجح هو الذي يجعل المواطن، في الخرطوم أو دارفور أو كردفان أو الجزيرة أو الشرق أو الشمال، يشعر بأن الدولة تخصه هو أيضاً، وأن حقوقه لا تتوقف على قربه من مركز السلطة.
ولا يجوز، كذلك، بناء الدولة على انتصار مجموعة على أخرى. خرجت الهند من الاستعمار وفيها جروح هائلة، لكن مشروع الدولة لم يكن مشروع انتقام من الذين اختلفوا مع المؤتمر الوطني الهندي. وهذا درس بالغ الأهمية للسودان بعد الحرب: لا يمكن بناء سلام دائم على فكرة المنتصر والمهزوم وحدها.
ثم إن الشخصيات التاريخية مهمة، لكنها لا تكفي. كان غاندي استثنائياً، ونهرو استثنائياً، وباتيل وأمبيدكار كذلك. لكن أعظم ما تركوه للهند لم يكن أسماءهم، وإنما المؤسسات التي استطاعت أن تستمر بعد رحيلهم.
وهنا تكمن إحدى المعضلات السودانية القديمة. لقد اهدرنا وقتاً طويلاً في البحث عن “الرجل المناسب” ، بينما السؤال الأهم هو: كيف نبني نظاماً لا يسمح للرجل غير المناسب بأن يصبح فوق الدولة؟
ربما لا يكون الدرس الهندي في غاندي نفسه، وإنما في الثقافة السياسية التي أحاطت به. كان يستطيع أن يًختلف مع نهرو، وأن يختلف نهرو مع باتيل، وأن يعترض أمبيدكار على الجميع، وأن تتصادم رؤاهم حول مستقبل الهند، ثم يعودون إلى الإطار السياسي نفسه للبحث عن صيغة مشتركة.
لم تكن تلك العلاقة خالية من الغضب والمناورات والمرارة، ولم يكن التاريخ الهندي مثالاً للمدينة الفاضلة. فقد ارتكبت الدولة أخطاء، واندلعت صراعات، وسقط ضحايا، ومرت الديمقراطية نفسها بلحظات عصيبة. لكن الجيل المؤسس أدرك شيئاً بالغ البساطة: الدولة أكبر من الحزب، والوطن أكبر من الزعيم، والدستور أكبر من الحكومة.
وهذه هي النقطة التي ربما يحتاج السودان إلى استعادتها اليوم.
فبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لا يحتاج السودان فقط إلى اتفاق يوقف إطلاق النار، بل إلى فلسفة جديدة لبناء الدولة. دولة لا تسأل المواطن أولاً: من أي قبيلة أنت؟ أو من أي إقليم؟ أو ما موقفك السياسي؟ وإنما تسأله: ما حقوقك كمواطن، وما واجباتك تجاه الدولة؟
دولة لا تنظر إلى دارفور بوصفها مشكلة أمنية، ولا إلى الشرق بوصفه هامشاً، ولا إلى كردفان بوصفها خزاناً للجنود، ولا إلى الخرطوم بوصفها السودان كله.
دولة تستطيع أن تقول لمواطنيها المختلفين: يمكنكم أن تختلفوا في كل شيء تقريباً، لكن لا ينبغي أن تختلفوا على حقكم في أن تكون لكم دولة واحدة عادلة.
وهذا، في النهاية، هو الدرس الأهم من آباء الهند الأوائل. لم يتفقوا على الهند التي يريدها كل واحد منهم، لكنهم اتفقوا على أن مستقبل الهند لا يجوز أن يكون رهينة لخلافاتهم.
وفي السودان، ربما يكون هذا هو أول الطريق: أن نتعلم أخيراً أن بناء الدولة لا يبدأ عندما نتفق جميعاً، بل عندما نتعلم كيف نختلف من دون أن نهدم البيت الذي يجمعنا.
muhammedbabiker@aol.co.uk
