ما بعد قرار الخزانة الأمريكية .. بقلم: ناجي شريف بابكر
16 يناير, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
94 زيارة
.
.
في يوم الأربعاء الرابع والعشرين من مارس من العام المنصرم، أقرت المحكمة الفدرالية بولاية كولمبيا برئاسة القاضي جون بيتس بأحقية أولياء الدم بالتعويض خصما علي الأصول المملوكة لحكومة السودان، في مقابل القتلي والمصابين الأمريكيين الذين قتلوا أو أصيبوا في حادثتي تفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام في العام 1998. وقد أوضح القاضي أن الحكم بذلك، جاء لفشل المدعي عليها، أي حكومة السودان، عن الرد علي الدعوة رغم الطلبات والمخاطبات المتكررة والمقدمة عبر سفارة السودان في واشنطون، من قبل المحكمة، خلال عدة سنوات من التقاضي بهذا الخصوص، مما اعتبرته المحكمة إهمالا متعمدا لرجاءاتها، حملها علي إقرار مطالب المدعين في التعويض.. كلف هذا التباطؤ الرسمي حكومة السودان وشعوبها، أصولا في حدود 3,4 مليار من الدولارات، أمرت المحكمة بالحجزعليها لأمر الدعوة لدي عدة مصارف عالمية كان أبرزها بانك ناسيونال دو باريس..
.
إذا كان هذا هو ديدن حكومة السودان في الدفاع عن مصالح البلاد وأصولها، في قضايا بهذا الحجم من الجدية والمسؤولية، فإن ذلك ربما يتناقض مع المعارك المندلعة في صحف الخرطوم هذه الأيام، والتي إنقسم فيها الكادر الحكومي شعوبا وقبائل ينازع كل منها الآخر في إدعائه شرف أنه دون سواه، قد كان وراء الضغوط والجهود الجبارة والمستميتة التي حملت الإدارة الأمريكية للإنصياع والتراجع، عن عقوبات إستمرت إثنين وعشرين عاما متتاليات. فالجدل القائم في ذلك منظورا مع قرائن الدعوة المذكورة، لا يخلو من المفارقة المخلة.
كان الأجدي بالحكومة السودانية عقب المؤتمر الصحفي لوزير الخارجية الذي عقد يوم السبت بالخرطوم، أن تقوم بعقد مؤتمر صحفي آخر لوزارة المالية لتوضيح الآثار الإيجابية لقرار الخزانة الأمريكية برفع العقوبات عن الأقتصاد السوداني، قبل إعلان الوزارة عن نيتها مراجعة سياسة الصرف والإجرءات الأخري وفق المستجدات التي سيحدثها القرار، حتي تقطع الطريق علي التكهنات وتخرصات المنجمين وقارئات الحظ.
.
لكن وحتى ذلك الحين يجدر بنا أن نتكهن ولو إلي حين، بإن القرار سيساهم بصورة إيجابية فيما يتعلق بتقليل المخاطر في قطاع الصادرات السودانية بحيث تنتفي الحاجة للعمل بشروط دفع جائرة كان يرضخ لها المصدرون، وهم مضطرون، لتلافي آثار العقوبات الإقتصادية.. إذ أن العمل بالأعتمادات المستندية سيكون متاحا للمصدرين منذ تاريخ قرار الخزانة .. لا يمنعهم من التعامل بها إلا منشور بنك السودان الذي يتيح للبنك المركزي مصادرة أي حصائل لم يتم تخصيصها للإستيراد خلال ثمان وأربعين ساعة.. وهو قرار جائر ليت السيد الوزير يقوم بإعادة النظر فيه.. كما أنه لن يكون علي المصدرين السودانيين تحمل نفقات باهظة كانت تدفع لمعالجة مستندات الشحن حتي تتوافق في بعض بياناتها للمتطلبات التي تجعلها قابلة للتداول لدي المصارف الأجنبية.. مما يزيد هامش المناورة لصالح المصدر السوداني في مواجهة منافسيه.
.
في الجانب الآخر فإن قرار الخزانة الأمريكية سيتيح للحكومة السودانية الإتصال بالمؤسسات المانحة ومؤسسات ضمان القروض، كالبنك وصندوق النقد الدوليين، ويمكن للحكومة من خلال ذلك الحصول علي قروض ميسرة جديدة، تساهم في تحسين وضع الإحتياطي النقدي، وترتق عجز الموازنة، كما يمنح شيئا من اليسر يتيح الفرصة للمصارف السودانية المتعثرة من إستعادة أسقفها المفقودة لدي المراسلين..
.
لكنه ليس من المتوقع ان يتجرأ مانحون، في الوقت الراهن، بالتورط مع الحكومة السودانية فعليا قبل يوم الأربعاء الثاني عشر من شهر يوليو 2017.. وهو اليوم الذي حدده القرار كيوم تجتمع فيه الحكومة الأمريكية لتقييم سلوك السودان في التعاون في ملف مكافحة الارهاب.. وسيكون للحكومة الأمريكية بموجبه الحق في إعادة العمل بالعقوبات حال توصلها لأي خروقات في الملفات المعنية، أو تعطيلها نهائيا.
.
الشئ الذي يجدر ألا يعول عليه الناس خلال الأشهر القليلة القادمة، أن تعليق العقوبات سوف لن يفلح في تحسين وضع الإحتياطي النقدي المتردي أصلا، في القريب العاجل.. كما لن يفلح كذلك في تجميل صورة المصارف السودانية المتعثرة لدي مراسليها الأجانب، إلا بعد أن تتحصل الحكومة علي ضمانات قروض تحسن وضع إحتياطياتها النقدية، وتمكنها من الوفاء، جزئيا أو كليا، بالإلتزامات القائمة لدي المراسلين..
.
لكن الاثار غير المباشرة لقرار الخزانة الأمريكية برفع العقوبات ربما ينعكس مردوده النفسي بصورة وشيكة وإيجابية في الآتي:
.
1/ تحسن الطلب علي العملة الوطنية لتراجع عوامل المخاطرة فيها.. وبالتالي تحسن قيمتها التبادلية بصورة طفيفة تجاه الذهب والدولار، والعملات الأخري.
2/ تحسن نسبي في أسواق العقارات بالبلاد.. نتيجة لتحسن الثقة في الإقتصاد الكلي.
3/ إزدياد معدل تدفق رأس المال الأجنبي الإستثماري للبلاد.. والذي سيساهم لاحقا في تحسين الاحتياطي النقدي من العملات الحرة.
4/ زوال بعض الاشكالات الهيكلية التي كانت ترتبط بسريان العقوبات مما سيزيل بعض الأعباء ويساعد علي استعادة الشفافية والكفاءة في المقايضات وفي التدفقات النقدية، والمشتريات الحكومية.
5/ إزدياد فرص إنسياب قطع الغيار، وتدفق الدعم الفني، لبعض القطاعات الحيوية كالسكك الحديد والنقل النهري وقطاع صناعة السكر وصناعة الطيران.
.
وحتي ذلك الحين الذي تستعيد فيه شرايين الاقتصاد وسعاته الانتاجية عافيتها.. ستكون البلاد كعادتها سائرة علي طريق الوجع والمعالجة الغالية.
.
إنتهي
nagibabiker@hotmail.com