ما بعد مولانا: عن استراتيجية الميرغني قال .. بقلم: محمد الفكي سليمان
7 ديسمبر, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
75 زيارة
mohammedelfaki10@gmail.com
أصبح الميرغني القائد الأوحد للحزب الاتحادي الديمقراطي بعد أن عجز الاتحاديون عن تقديم قائد من بينهم عقب انتفاضة أبريل، وفي حقيقة الأمر لم يكن الاتحاديون مجهزين لتحمل غياب الشريف حسين الهندي الذي رحل وتركهم مثل الأيتام، واعترت تلامذته حالة من الدروشة فانقطعوا للحكي عن كرامات وأساطير الشريف الحسين التي أصبحت كتابا ضخما جدا واستحال فرز الحقيقي من المنحول منها.
تلامذة الشريف حسين لم يمثلوا مدرسة الوطني الاتحادي في مقابل الشعب الديمقراطي بل شرعوا في البحث عن أب جديد بعد غياب الشريف حسين، ووجدوا ذلك في شخص مولانا محمد عثمان الميرغني أكبر الاتحاديين سنا من بين القيادات الاتحادية، وكان عبد الماجد أبو حسبو قد فارق الحياة بعد يوم واحد من سقوط دولة مايو.
لا يمكن قراءة كتاب الحزب الاتحادي من بعد انتفاضة أبريل وحتى الآن بمعزل عن الخطوات التي يتخذها الميرغني وتكتيكاته السياسية بعد أن أصبح قائدا أوحد فردا لا ينازعه أحد في الزعامة، وقد شهدت بنفسي جزءا من هذا الكتاب سنوات الطلب الجامعي إبان احتدام معركة الأمانة العامة لخلو المقعد بغياب الشريف زين العابدين الاختياري بعد أن انخرط في حكومة وأجهزة المؤتمر الوطني وترك المعارضة بكل اتحادييها للميرغني، معركة الأمانة العامة لم تكن إلا إقرارا بأن الميرغني هو القائد السياسي المطلق للحزب، فجميع الفرقاء كانت حربهم ضروسا على المقعد الثاني وعندما تسأل أحدهم (لماذا لا تريد أن تصبح رئيس الحزب؟) يلوذ بالصمت، فالرئيس معروف ولا خلاف حوله.
من هذه النقطة نفذ الميرغني لإحكام قبضته أكثر على الحزب، فما أن يعلو صوت أحد القيادات ويتجاوز الخطوط الحمراء حتى يشير إليه الميرغني من طرف خفي بأنه أقرب إلى مقعد الأمين العام، فيصمت وربما أصبح في صف الميرغني في مواجهة الآخرين.
وتعزز سيطرة الميرغني أنتج واقعا حزبيا بالتفاف عدد من الأشخاص حوله لا راغبين في القيادة التي أدركوا أن مؤهلاتهم السياسية والعلمية وقبولهم من الجماهير لا تؤهلهم لها، وإنما ليكونوا رجالا حول الزعيم يخدمونه ويوحون إلى الآخرين بأنهم خاصته، وقد استفاد الميرغني من وجودهم في وضع ستار بينهم وبين جماهير الحزب فأصبح لقاء الميرغني مستحيلا وماتت الجماهير بأشواقها بعد أن أصبح الزعيم أسطورة لا تعرف إلا من خلال الحكايات، لا سيما وأن الميرغني ضنين في الحديث والظهور.
وعندما تتحد مثل هذه الوقائع مع الغياب التام للمؤسسات يصبح حديث الدائرة الأقرب للميرغني هو حديث الميرغني نفسه، ومن هنا نشأت ثقافة اسمها “الميرغني قال” وبها حكم الحزب الاتحادي فترة طويلة جدا، فعبارة مثل “الميرغني قال” لا يمكن التأكد منها لأنه ببساطة لا يمكن الوصول إلى الميرغني أبدا، وتستمد هذه المقولة عبقريتها من أنها في كثير من الأحيان تكون حقيقة، وفي بعض الأحيان تكون من وحي قائلها الذي أصبح (ميرغنيا جديدا) بالتفويض الممنوح له.
و”للميرغني قال” دهاقنة يحرسونها ويستفيدون من صرفها في كل في منافذ صرفها سواء أكانت حكومية أو شعبية، ومن تلك المقولة العبقرية راكموا ثروات كبيرة ، إذ لا سبيل لهم لأن يصبحوا قادة حقيقيين بطبيعة الحال.
في الفترة الأخيرة عندما غاب الميرغني عن المشهد السياسي لأسباب صحية طور أصحاب مقولة “الميرغني قال” الاستراتيجية إلى رغبة متكاملة في وراثة الحزب، وأصبحت المجموعة تجتمع وتتفق على ما تشاء بما يخدم مصالحها وتكتب ما تريده في ورقة ثم تختمها بالختم “الميرغني قال”.
احتدام الصراع في الاتحادي الديمقراطي بين تيارات متعددة أوضح أن المقولة في طريقها للتبدد، إذ أن استخدامها زاد عن حده، فالمجموعة التي اجتمعت بأمبدة قبل شهرين من الآن قالت إن الميرغني فوضهم بعقد موتمر الحزب ولديهم خطاب مختوم يفيد بذلك، إلا أن تيار الحسن الميرغني رد عليها من خلال صحف الخرطوم إذ قالت الصحف: “أفادت مصادر اتحادية عن مرشد الختمية ورئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل مولانا محمدعثمان الميرغني أنه فوض نجله الحسن تفويضا كاملا في إدارة شأن الحزب لا يقبل المناقشة، وأبلغت ذات المصادر أن الميرغني وصف مشاركة حزبه في الحكومة بالضعيفة لكنه شدد على أنهاستقوي مع الحوارالجاري حاليا، وأشارت المصادر إلى أن الميرغني لا يمانع في مناقشة قضية مفصولي حزبه باعتبار أن السيد علي الميرغني لم يفصل أحدا من الحزب في حياته”.
وفي تفويض الميرغني لابنه الختم نفسه “الميرغني قال” إلا أن الحسن ترك الباب مواربا لأي تسوية مع المجموعات الأخرى ولا سيما المفصولين الذين نشطوا في حربه لغبن شخصي فمعظمهم لم يعرف عنه موقف مناصر للمؤسسية، وإنما غضب إعزازا لنفسه، وعليه فإن الحسن يمد يده إليهم للعودة إلى الحزب تحت شعار “الميرغني قال” ممكن ترجعوا للحزب. ولوح بالمناصب للذين غضبوا من عدم اختيارهم للحكومة فتحولوا إلى إصلاحيين ضربة لازب، بل إن بعضهم جاء مهرولا ببدلة الوزارة إلى كراسي الإصلاح الذي أصبح دعوة بائسة يستتر خلفها كل طامع.
الميرغني الصغير قال لهم الميرغني الكبير قال إن مشاركتنا ضعيفة ولكنها ستقوى بالحوار، أي أن هنالك مزيدا من المناصب، والعبارة مسيلة للعاب الذين في نفوسهم طمع.
الواضح جدا أن هذه المقولة لن تستمر أكثر من ذلك فقد استنفدت كل أغراضها ومضى زمانها وعلى المتسترين خلفها مواجهة الحقيقة عارية، والحقيقة تقول إن الجميع أدرك أن الميرغني لم يعد يقول لأحد، وعلى الجميع الاستعداد لحقبة ما بعد الميرغني.
اليوم التالي