ما بين مسكوت ومنطوق السلطة (1/2): التوصيف المهني الأقرب لـ”قناة الجزيرة” !! .. بقلم: عزالدين صغيرون
15 يونيو, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
28 زيارة
تصيبك الحيرة وتغرق في شتى التوصيفات المهنية وأنت ترصد أداء قناة الجزيرة في موقفها من أحداث المنطقة العربية، ما يجعلك تتخبط بين تأويلات يناقض بعضها بعضاً، خاصة إذا ما حاولت أن تربط بين مواقف الدولة المالكة للقناة وسياساتها المعلنة من الأحداث العربية، وبين نهج القناة في رصد الأحداث (أخباراً وتحليلات ومقابلات وتحقيقات ..الخ).
(قناع زائف بتقنيات عالية)
استطيع أن أأفهم طالما أن القناة مملوكة لمراكز القوى داخل النظام القطري فلا غرابة أن تعبِّر عن توجهات النظام، فكل مالك لقناة تلفزيونية يوظفها لتحقيق أهدافه والتعبير عن وجهة نظره. وهذا شيء معمول به في كل العالم، فهي في النهاية واحدة من أقوى الأسلحة الناعمة في عالمنا اليوم، تُصمم برامجها لتحقيق أهداف عملية (سياسية اقتصادية ثقافية) محددة، تتوحد لتشكِّل خطاباً معيناً.
إلا أن قناة الجزيرة تفعل ذلك وهي تضع على وجهها قناعاً زائفاً من الحيادية والموضوعية. ويمكنك أن تنسب هذا إلى ذكاء إعلامي يدعم مصداقية القناة عند المتلقي. إلا أن هذا القناع فيما يبدو من الشفافية بحيث يكشف ملامح الوجه الحقيقية التي لا تخطئها العين، حتى تلك غير الاحترافية للمتلقي. لأن المبالغة في ادعاء الحيادية والموضوعية تكشف نقيضها الذي يراد إخفاءه. ولا بد من الاقتصاد في الادعاء
خذ على سبيل المثال موقف القناة من أحداث السودان إبان حراك ثورته.
سارعت القناة إلى الكشف عن انحيازها لحركة الشارع بلا تحفظ، بل وباندفاع، قد غدت من أقوى أسلحة الثورة، حيث سخرَّت جُلّ ساعات بثها بمتابعة وقائع الشارع على مدار الساعة، حتى كادت بحق أن تصبح فصيلاً من فصائل الثورة، بل وأكثرها حرصاً على قيادة إيقاع حركة الموجات المتتابعة في الحراك.
كانت على مدار الساعة تعمل في الميدان تلتقي فتيات وشباب وأطفال الحراك دون إنتقاء، وتلتقي قادة الحراك في الحرية التغيير، وتتابع حركة أصغر المسيرات من أمدرمان وتواكبها وهي تكبر شيئاً فشيئاً إلى الخرطوم عابرة كبري النيل الأبيض، لم تترك هتافاً أو نشيداً إلا وأذاعته. كانت بالفعل جزء لا يتجزأ من الحراك، بل وفي صفوف الثورة الأولى. وبالطبع كان هذا يسعد الثوار في الشارع، أن تضاف إلى حراكهم وتدعمه آلة إعلامية بحجم وقوة قناة الجزيرة، فإن هذا يضيف إلى قوتهم قوة عظيمة الانتشار.
يومها لم يسأل أحد نفسه: لماذا اندفعت القناة بهذه القوة في انحيازها للشارع ضد البشير ونظامه،؟ وأين كانت عندما كان في السلطة؟.
ولكن هل كانت الرغبة في الانتقام من شخصه أقوى، بحيث تتم التضحية بحليفهم العضوي، أي التنظيم الإخواني/ فرع السودان برمته؟!.
في السياسة هذا يعتبر خطيئة تتجاوز هامش الخطأ المسموح به.
أولم يكن الرجل على ولاءه وانتماءه لتنظيم الإخوان المسلمين لا يزال حتى وهو يقوم بهذه الالتفافة البهلوانية تجاه حلفاءه الجدد؟.
وإذن لماذا قاموا بقطع شعرة معاوية الإخوانية المتينة بينهم وبينه على هذا النحو القاطع المبرم؟.
ولماذا في فورة حماسهم للإطاحة به، قاموا بهدم المعبد الإخواني على رؤوس العاكفين فيه جميعهم؟!.
(الانتهازية المنحلة والتضحية بالحلفاء)
دعنا إذن نفترض أن العلاقات “الإخوانية” بهذه الهشاشة وهذا هو ديدنها. وهو ما يؤكده تصفية “إخوان” السودان بعضهم بعضاً في صراع المصالح المادية بينهم.
مع الإخوان المسلمين أنت لا تستطيع أن تكون على يقين من أي شيء.
وكل ما يمكنك هو أن تتوقع كل شيء.
في مصر تحالفوا مع الإنجليز ضد الحركة الوطنية.
ثم تحالفوا مع القصر ضد الوفد.
ثم تحالفوا مع الضباط الأحرار في انقلابهم ضد الأحزاب والنظام الديمقراطي.
وحينما ضيَّق عليهم عبد الناصر الخناق في مصر لجأوا إلى السعودية التي فتحت أذرعها لهم، وفتحت لهم أبواب العمل في مدارسها وجامعاتها، فأخذوا ينشرون فكرهم السياسي الإرهابي ويستقطبون الشباب، وكادوا يدخلون البلاد في فتنة لولا أن تداركتها المملكة.
إخوان السودان وقد رضعوا من ذات الثدي الفكري ما كان لهم أن يختلفوا فتيلاً عنهم. قادوا انقلاباً على النظام الديمقراطي رغم أنهم كانوا يمثلون ثالث كتلة حزبية في برلمانه المنتخب، أي أنهم شركاء. وابتدروا حكمهم بالكذب منذ يومهم الأول في السلطة، حين قال زعيمهم الترابي لقائد الانقلاب وهو يعطيه التعليمات الأخيرة: “سأذهب أنا السجن حبيساً وتذهب أنت إلى القصر رئيساً” حتى يبعد عن الانقلاب صفته الإخوانية!. وعندما اعتدى صدام حسين على دولة الكويت واحتلها، أعلنوا وقوفهم إلى جانب المعتدي وتناسوا أيدي الكويت على السودان وتعاونه الايجابي وما أقامته دولة الكويت من مشاريع تنموية في السودان.
مرة أخرى: مع الإخوان المسلمين أنت لا تستطيع أن تكون على يقين من أي شيء.
وكل ما يمكنك هو أن تتوقع كل شيء، وأي شيء.
يوطدون علاقات جوار قوية مع السعودية، ثم فجأة يمنحون إيران قاعدة صواريخ على البحر الأحمر تهدد أمن السعودية، ثم يقومون بطرد الإيرانيين ويُطبعون علاقات حميمة مع السعودية، وبين القفزتين يمنحون تركيا قاعدة في البحر الأحمر، ثم يتفاوضون مع الإمارات لإتاحتها لهم. وفي كل هذه القفزات البهلوانية لا تستطيع أن تربط هذه الفوضى في علاقاتهم مع الدول بمبدأ سياسي أو مصالح اقتصادية وطنية أو مرتكزات أخلاقية. ولا تدري هل هذه “الانتهازية المنحلة” من أي قيد عقلاني أو أخلاقي هي من المقررات التربوية في أدبيات حركة الإخوان المسلمين أم ماذا؟!.
وتطبيقاً لهذا النهج في العلاقات الإخوانية استقر رأي أصحاب القناة (لا إدارتها) على الانتقام من البشير والإطاحة به دون مراعاة للقربي الأيديولوجية والزمالة الوجودية في التنظيم الإخواني العالمي.
لذا كان أوكل للقناة أن تترجم هذا الموقف السياسي عملياً، بأن تساهم في “إسقاط” البشير.
علماً بأن هذه ليست هي وظيفة القناة التلفزيونية التي تدعي “الحيادية” وترتدي قناع “الموضوعية”.
(اختطاف الشعارات والإتجار بها)
أما وقد انتفت عنها هذه الصفة ونزعت بنفسها عن نفسها هذا الثوب المستعار فما هي هويتها المهنية إذن:
هل هي “وزارة ظل” رسمية لسياسة الدولة الخارجية؟.
أم جهاز استخبارات مكلف للقيام بالعمليات الخارجية الناعمة؟.
أم هي “الناطق” الرسمي بـ”مسكوت” الحاكم/ السلطة؟.
أم أنها تنفِّذ أجندة مالكها، ولكن بطريقة ساذجة تتوهم الذكاء؟
هي شيء من هذا، ومن ذاك.. ولكنها ليست أحدها !.
إذن ما هي؟؟.
الإجابة تجدها عندما تقلب الصفحة، وتقرأ مواقفها بعد أن تمت الإطاحة بالبشير ونظامه.
تتُفاجأ مثلما تفاجأ من كانوا يظنون بأن قناة الجزيرة “سودانية” الهوى. وتوقعوا أن تقف مع الثورة والثوار تدعمهم في تجاوز تعقيدات المرحلة الانتقالية الحساسة، فإذا وبنفخة واحدة تبدد دخان الأمل هذا، لتصبح ذات القناة التي استعارت صوت الثورة معول هدم وتخريب وتشويش على الثورة والثوار بنفس أدواتها الحرفية الفاعلة والمؤثرة القوية التي كانت توظفها في “هدم” سلطة البشير ونظامه
لقد اصطفت إلى فلول من بقي من أنصار النظام الذي ساهموا في الإطاحة به، يروجون إشاعاته وأكاذيبه، غير عابئة – الجزيرة – بسمعتها ومهنيتها المدعاة، وكشفت زيف شعاراها “الرأي والرأي الآخر”، ونزعت – بنزق طفولي – قناع الحيادية الذي كانت تخفي خلفه أجندة الفتنة التخريبية.
لا تستطيع أن تتنبأ بقيمة مواثيق تحالفات الإخوان.
إذ لم تكن القناة الإخواني نصيراً وداعماً لفصيلها السوداني في التنظيم العالمي.
كما لم تعد نصيراً وداعماً للثورة على البشير ونظامه الإخواني.
لقد قلبت للثوار ظهر المجن مثلما فعلت من قبل مع البشير ونظامه.
الآن هي تفعل ذلك بلا ذرة حياء:
– تنشر الأخبار المفبركة الكاذبة، من قبيل: أن الحكومة الإنتقالية باعت ميناء بورتسودان لإمارة دبي.
– تستضيف أعضاء حزب المؤتمر الوطني من المطلوبين للعدالة في قضايا فساد سياسي وإداري ومالي وتفتح لهم باب الطعن والتحريض على الحكومة.
– تفتح المجال لأعداء الثورة من المتطرفين من دواعش السودان لنشر سمومهم عبر شاشتها، أمثال محمد علي الجزولي، الذي كانت سلطات البشير قد اعتقلته لأيام، ثم أطلقت سراحه في يونيو 2015. نادى بعدها بُمناصرة من وصفهم بالمُجاهدين في العراق والشام، وواصفاً نفسه بـ “الشهيد” الذي ينتظر التنفيذ.
– وحين تستضيف في برامجها الحوارية أو للتعليق على خبر، أحد أفراد قوى قوى الحرية والتغيير تحاصره بأسئلة تجريمية، ويقاطعه مقدم الفقرة بصورة سمجة تفتقر إلى أبسط قواعد الذوق واحترام الضيف وأدب الحوار، ويظل يدور حول ما يريد أن يقوله الضيف بصورة مفضوحة بطرح السؤال نفسه بأكثر من طريقة وصيغة، ليرتبك الضيف ويقول ما يريد أن يسمعه مقدم البرنامج.
– وفي معرض السخرية من قرار منع صلاة الجماعة في المساجد وتوفير جرعة نفسية تشجع كل من يريد تحدي قرارات الحكومة، تقوم القناة ببث مباشر لصلاة التهجد من منزل بالخرطوم وكأنما الكعبة المشرفة انتقلت للخرطوم، أو كأن منازل قطر خلت من المصلين في منازلهم.
– وعندما كشف المؤتمر الصحفي للجنة تفكيك النظام واسترداد المال المسروق حجم فساد البشير ونظامه الإسلاموي، وهو ملف يكفي ليوفر للقناة منجماً إعلامياً، تجاهلته للحقائق الصادمة فيه، ولكنها أفردت مساحات معتبرة من بثها لمسيرة هزيلة لم تحرك شعرة في الشارع!.
(التخبط بين النوايا ونقيضها)
وعلى كلّ ليس هذا بغريب على القناة التي بعد أيام من نشرها فيديو يمجد القائد السابق لفيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، الذي قتل في ضربة أميركية بالعراق، نشرت مقالا يمجّد الإرهابي المصري هشام عشماوي، الذي نُفذ فيه حكم الإعدام بعد إدانته في عدة قضايا إرهابية.
ومرة أخرى دعنا نسأل: لماذا انقلب موقف قناة الجزيرة إلى النقيض من “الحدث” السوداني ؟.
– إذا كانت القناة وزارة ظل أو جهاز استخباراتي، فلماذا لم تعلن دولة قطر موقفها صراحة أو تلميحاً من السلطة الجديدة، وليس بين السلطة الجديدة وبينها تاريخ من التجارب والتعاملات التي ربما تخللتها لحظات ومواقف من سوء الفهم أو نكث الوعود ونقض العهود والخلافات، مثلما كان لها مع النظام المدحور؟.
فالعلاقة بين النظام الانتقالي الجديد وبين قطر لا يزال صفحة بيضاء، ومن المفترض أن تسعى قطر لكتابة سطور من التعاون الإقليمي عليها.
وإذن فإن دور القناة حينها: أن تكون جسراً للتواصل والتوافق بين دولة قطر والنظام السوداني الجديد، طالما هي ساهمت في “إسقاط” نظامه القديم.
أليس هذا ما يفرضه العقل والمنطق، و تقتضيه المصلحة؟.
فلماذا إذن فعلت القناة عكس ذلك؟.
ليس أمامنا غير إجابة واحدة: أن مالك القناة وواضع أجندتها أمر طاقمها بذلك !!.
ولكن لماذا يفعل ذلك؟.
الإجابة الوحيدة التي يمكن أن يتقبلها ويهضمها العقل هي:
لأن ما آلت إليه نتائج الحراك لم تكن وفق ما يهوى، ولم تحقق أهدافه الخاصة من انحيازه لها.
وإذن، من المؤكد أن انحياز النظام القطري لم يكن نصرة الشعب السوداني لتحقيق مبادئ حراكه: حرية، سلام وعدالة، ومدنية خيار الشعب.
وهذا ما لا تريده السلطة القطرية.
وإذن، لم تكن هذه الشعارات هي ما يعنيه، أو هي دافعه لنصرة الحراك السوداني وتسخير إمكانيات قناته الكبيرة الهائلة في خدمة الحراك الشعبي.
فعلى أي قوى أو مبادئ وأهداف كان يراهن أن تكون بديلاً لنظام الإخوان؟.
(من الفضاء السياسي .. إلى العيادة النفسية)
هنا يتضح لك أن صاحب القرار القطري في قصره لم يكن يعرف ما يريد تحديداً وهو يدعم إسقاط نظام البشير الإسلاموي.
لأن شعارات الحراك كانت واضحة: دولة العدل والحرية والسلام ..المدنية.
ومدنية تعني (غير دينية).
وهو كأخ مسلم يدعو لدينية الدولة، تماماً على نمط النموذج الإيراني كدولة دينية.
وهو حين يوجه بالمساهمة في إسقاط دولة الإخوان في السودان، إنما كان يفعل ذلك لإسقاط البشير ودولته الدينية.
وحين سقط البشير ودولته معه، عمل وقناته تتبعه على إسقاط الدولة البديل!!.
فما الذي يريده ويسعى إليه من كل هذا؟!.
من الواضح أن هذا يعني أنه كان متيقناً ومدركا لـ”ما لا يريد” .. لما “يرفض”.
كان يعرف بالتحديد ما يرفض.
كان يرفض نظام البشير الإسلاموي، ولا يريد استمراره في الحكم.
ولكنه لم يكن يعرف “ما يريد”.
لم يكن في ذهنه فكرة واضحة عن البديل الذي يريد إحلاله مكان البشير ونظامه الإخواني.
لسان حال القناة ومالكها من خلف الستار كان يهتف مع المتظاهرين بحماس: “تسقط بس”.
والفارق بينهما أن الثوار كانوا يطرحون البديل، كانوا على علم ودراية بما يريدون بعد سقوط السفاح وعصابته: حرية سلام وعدالة، مدنية خيار الشعب.
إلا أن رفقاء الشارع والهتاف (القناة ومالكها) لم يكونوا يعرفون: ماذا بعد السقوط.
قد يبدو لك هذا غريباً في عالم استراتيجيات الدول وتحديد أهدافها.
ولكن غرابته تنتفي وتتبدد إذا نقلته من إطار السياسة وأدخلته إلى العيادة النفسية.
اللهم إإلا إذا لم يكن لصاحب الفكرة تخطيط خبيث. بأن يسقط البشير ونظامه، ويتعثر تحقيق البديل الجماهيري .. لتغرق البلاد في الفوضى.
فهل هذا هو المخطط الذي يتسق مع مشروع “الفوضى الخلاقة” الذي طرحته الإدارة الأمريكية على لسان (كوندي) مع بوش لإعادة تقسيم المنطقة برمتها؟.
الإجابة على سؤال صعب مثل هذا يتجاوز طاقم الجزيرة من معدي البرامج ومقدميها إلى واضع استراتيجيتها.
من يقف خلف الستار مخططاً وموجهاً.
izzeddin9@gmail.com