ما تبقى من تراب الوطن .. بقلم: حسن احمد الحسن- واشنطن

طرحت مطالب رفعت لمظاهرة دعا إليها أبناء جبال النوبة في الولايات المتحدة للتظاهر أمام مبنى الأمم المتحدة في نيويورك بسبب القتال الذي نشب في كادقلي بين الجيش الشعبي في جنوب كردفان والجيش السوداني عدة تساؤلات هامة ، سيما وأن المطالب التي رفعوها تدعو إلى تدخل دولي عسكري في جبال النوبة بمساندة حلف الأطلسي ، والتبرير لذلك بأن هناك إبادة عرقية للمواطنين،  وهي مجرد افتراءات لا يبرر قبولها مجرد معارضة النظام القائم  .

ورغم حقيقة وجود قتال بين الجيش الشعبي الذي تقوده الحركة الشعبية والذي  يفترض أنه  سيكون جيش دولة أخرى بعد شهر من الآن والقوات المسلحة ،إلا أن محاولة الترويج لإبادة عرقية في جبال النوبة بغرض تأليب المنظمات الغربية على السودان خدمة لسياسات وأهداف الحركة الشعبية أمر يفتقر إلى الدقة برغم حقيقة الخلاف الناشب بين الفريقين الحاكمين حول تنفيذ بنود ما تبقى من اتفاق السلام .

وهي تساؤلات عززها  تصاعد وتيرة الاهتمام من قبل بعض الدوائر الخارجية بالحدث ، اهتمام أشبه بالذي حدث إبان تصاعد الحملة الدولية من أجل دارفور برعاية منظمة   Save Darfur  ثم تواتر الضغوط من أجل إنفاذ تقرير مصير جنوب السودان حتى أصبح تقسيم السودان حقيقة ماثلة.

هناك من يرى من المحللين أن قيادة الحركة الشعبية في الجنوب هي التي تقود مباشرة عمليات توتير الأوضاع في جنوب كردفان بعد فشلها في كسب الانتخابات الأخيرة وفقا لتقرير مركز كارتر وذلك بمساعدة  بعض أبناء المنطقة من المنتسبين إلى الجيش الشعبي ردا على سيطرة القوات المسلحة على منطقة أبيي . ويستندون في ذلك إلى تقارير إخبارية وتصريحات لمسؤولي الجيش الشعبي .
فقد أعلن فيليب أغوير الناطق باسم الجيش الشعبي إن ما يحدث في جنوب كردفان هو مثل الذي حدث في  أبيي في إشارة إلى أن ما حدث هو رد فعل “هذه بتلك”.
وقد سعت حكومة الجنوب إلى دفع جيشها إلى جنوب كردفان باستغلال بعض أبناء المنطقة من المنتسبين لها لفرض وضع أمني غير مستقر انتهاجا لسياسة إشعال الحرائق حتى تتمكن من مقايضة ذلك بأبيي في أي مفاوضات مقبلة يسعى حكماء أفريقيا بقيادة امبيكي لعقدها بين الجانبين .
ولإعطاء الخرطوم رسالة في نفس الوقت والجنوب يتأهب لإعلان دولته.

بعض قيادات الحركة من أبناء جبال النوبة يرون أن اتجاه الجنوب إلى إعلان دولته وتخليه عنهم بعد استخدامهم لتحقيق أهدافه  في الانفصال ، سيفرض عليهم  خيارين لا ثالث لهما ،

الأول وهو المنطقي،  العمل في الشمال ضمن منظومة القوى السياسية ووفق اللعبة السياسة المدنية بكل تعقيداتها ومجالداتها مع النظام لتحقيق أهداف وتطلعات مناطقهم في التنمية والاستقرار والمشاركة السياسية وفك ارتباطهم السياسي بالجنوب الذي تغيرت أولوياته وانتماءاته.

والثاني وهو غير المنطقي استمرار الارتباط بالجنوب تحت شعارات الثورة على المركز وخلق جنوب جديد مشتعل يزعزع استقرار  الدولة السودانية ويشكل طوقا امنيا للجنوب المنفصل ارتهانا للحركة الشعبية في الجنوب رغم بؤس الواقع الذي ينتظرها .
ويبدو أن الأستاذ عبد العزيز الحلو قد اختار الخيار الثاني للأسف بناءا على الواقع وعلى البيان الذي وجهه إلى من دعاهم بقوى الهامش لحمل السلاح وكل الوسائل الممكنة الأخرى للمقاومة.

ورغم أن حكومة المؤتمر الوطني تتحمل جزءا كبيرا في التدهور الذي يشهده الوضع بسبب إصرارها على رؤيتها الأحادية في مجابهة الأمور وإهمال كل الأصوات العاقلة التي تخشي عواقب هذه السياسات ،إلا أن قيادة قطاع الشمال في الحركة سواء في جبال النوبة او النيل الأزرق سترتكب خطأ تاريخيا إذا أصرت على ربط مصيرها كحركة  بجنوب السودان بعد التاسع من يوليو ،لأن ذلك يعني قبولها  تنفيذ مخططات الحركة الشعبية الأم التي ستصبح دولة ذات سيادة وفق القانون الدولي بعد أن صوت الجنوبيون للانفصال بنسبة ثمانية وتسعين بالمئة وبعد أن احترقت كل شعارات السودان الجديد في وضح النهار على أيدي قادتها الجدد.

وإن كان لابد من تجمل بعض من انتسبوا للحركة  يوما في الشمال تحت تلك الشعارات المنسية إيمانا بوحدة السودان ، فليكن دور هؤلاء الآن في العمل على إيجاد علاقات طبيعية وهادئة بين دولتي الجنوب والشمال لا في  الإستقواء بالخارج لتفتيت ما تبقى من تراب الوطن  لخدمة أهداف مشبوهة تارة باسم التهميش والاضطهاد المتخيل وتارة باسم الثأر من المركز وثقافته المفترى عليها .
أما لمن يحمل شعار التغيير المستحق من المعارضين الأقحاح خاصة من هم خارج الوطن ، ضد النظام القائم فليستهدي هؤلاء بزخم الثورات التي تتنفس في شوارع المدن المتمردة  كما في الشام  واليمن مهما كان الثمن حتى يحظوا ” إما ببلح الشام أوعنب اليمن ” لا بالاستعداء على سيادة بلادهم الوطنية من الخارج وتفتيتها  في منابر المنظمات المغروضة بألسنة حداد  شداد.
Hassan Elhassan [elhassanmedia@yahoo.com]

عن حسن احمد الحسن

حسن احمد الحسن

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً