حامد بشري/ أوتاوا
لعناية السيد عبدالغني النعيم
وكيل وزارة الخارجية
تحية طيبة
أخاطبك اليوم بحكم المعرفه السابقة التي جمعتنا حينما كنت تعمل قائماً بالأعمال لسفارة السودان بدولة كندا وحقيقة أثناء أقامتك بكندا لم أتشرف بلقائك في مجمع خاص لكي نتحاور في الأزمة السودانية وكانت لقاءتنا علي الدوام تتم في محافل أجتماعية عامة .
بعد مغادرتك أتوا نشرتُ مقالاتٍ تعرضتُ فيها لممارسات وزارة الخارجية وما آلت اليه الأوضاع بسفاراتنا التي أصبح مجرد الحديث عنها مدعاة للأسى ومضيعة للوقت والجهد. أوضحت أن مُبتغانا ودافعنا لإثارة هذا الموضوع والعودة اليه مجدداً نابعٌ من عشقنا اللامحدود للسودان وحرصنا اللامتناهي علي سمعته بغض النظر عن من هو في سدة الحكم ، وأن حافزنا لذلك هو الشعور الوطني الذي تشرَّب به جيلنا والمسئولية التي نحملها في أعناقنا تجاه الخدمة المدنية وتقاليدها الراسخة التي طالما أستظل الجميع بسلامتها وأستقامتها.
بمواصلة الكتابة الآن حول ذات الموضوع ، يتنازعني شعوران: “أولهما أن الضرب على الميت حرام” أو كما في المثل الشعبي ” الميته مابتسمع الصايحة ” وثانيهما يراودني شعور بأن مخاطبتك قد تثير فيك بعض من الحمية وتحفِّزك لأتخاذ قرارات وأجراءات لأزالة الأذى ودرء الخطر عشماً أن يكون بقي فيك ولو قليلاً من حب للوطن والشعب الذي علمنا وآوانا وأطعمنا جميعاً . أتتك الآن سانحة تاريخية وأنت تتولي أعلي منصب وهو وكيل أول وزارة الخارجية فأذا وظفتها في الأتجاه الصحيح حتماً سيسجلها لك التاريخ بأنك أوقفت عجلة التدهور في هذا الصرح .
سيادتك من السفراء والقائمين بالأعمال المحظوظين الذين أُبتعثوا الي دولة كندا ولا يغيب عنا أنك من أهل الولاء منذ نعومة أظفارك في الخارجية حيث خدمت مديراً لمكتب علي عثمان محمد طه في أيام الأنقاذ الأولي . ويحمد لك أن السفارة في عهدك أصبحت تؤول لها ملكية المبني الذي يُرفرف فيه العلم السوداني أضافة الي مبني آخر يقطن فيه رأس البعثة وعائلته . مكثت بكندا مايقارب ال 6 أعوام حتي أصبحت مرجعية فيما تحتاج اليه السفارة من طاقم أداري ودبلوماسي وما يتبعهما من مُخصصات أذا كان هنالك أصلاً ضرورة لوجود سفارة في هذا الجزء من المعمورة . ولعله من المناسب أن أذكر هنا أن ما صرح به أحد المسؤولين في الخارجية السودانية عندما ذكر أن السبب الوحيد للإبقاء على السفارة السودانية في كندا أن “السفارة وبيت السفير ملك”. متي أصبحت ملكية العقار هي أحدي المعيار أو المعيار الوحيد لإقامة علاقات دبلوماسية وفتح سفارات والاحتفاظ بها ؟
وبالرجوع للفوضي الأدارية والمالية التي تعاني منها السفارة ويتحمل عبئها وسمعتها المواطن السوداني ، تساءلتُ في أحدي المقالات السابقة عن كيفية التصرف في الحالات التي تستدعى الحاجة أو يقتضي طارئ دبلوماسي أو سياسي أو إنساني الإتصال بحكومة أو خارجية البلد المضيف كندا، في الوقت الذي ظلت فيه سفارتنا في أتوا لردحٍ من الزمان بدون أي كادر دبلوماسي ، وعما يمكن فعله إن تطلبت تطورات وضعٍ ما إقامة مؤتمر صحفي أو إصدار بيان أو إتخاذ خطوات بعينها تُراعى فيها الأعراف والأصول المرعية والمقتضيات المهنية في ظل الغياب المذكور للكادر الدبلوماسي الذي صاحبه مغادرة رئيس البعثة السابق قبل وصول دبلوماسي يتولي القيام بالأعمال إلى حين وصول خلفٍ لرئيس البعثة يكون معتمداً رسمياً. أشار المقال كذلك إلى العبث والاستهتار بالمال العام في زمن حكومة التمكين الذي وصل حد أن صار السفير أو رئيس البعثة يصطحب معه لموقع عمله بالخارج حشداً من العمالة من بينهم السائق والطباخ والحلاق. أُختتمْ المقال بمقترحات للتعامل مع مبنى السفارة وسكن السفير بصورة بعيدة عن البذخية تليق بدولة كدولتنا نامية متعثرة بل ساقطة سياسياً وإقتصادياً.
كانت هذه مقطفات من مقال قبل 5 أعوام مضت ولم تخطر بالبال مواصلة هذا الموضوع غير أن تعقيباتٍ وإفاداتٍ من مواطنين كرامٍ، بعضهم من أهل البيت وأقصد بذلك الخارحية ، أوضحت أن ما تطرقنا إليه لا يمثل إلا القمة الطافية والبادية للعيان من جبل جليدٍ تحجبه المياه، the tip of the iceberg و أن ما “خفي أعظم” و أن الذي تطرقنا له ليس سوى اليسير من كثيرٍ مخزي و مثير نأمل أن ينزاح بنضالات شعب السودان، آلينا على النفس أن نقوم بدورنا إزاءه وذلك أضعف الإيمان.
إزاء توفر مادة تصلح لمتابعة ما بدأناه، فإن السكوت على ما حدث ويحدث يكون مشاركة فيه وخيانة للوطن وتنصلاً عن الواجب القومي وقبولاً بممارسات الإعتداء على المال العام وجُنح الفساد الإداري وتكريساً لكل القيم الفاسدة التي تجعل من كل البدع سنناً وشرائع و نواميس تتسارع على هديها خطى أمتنا نحو الهاوية .
بكل أسف لم يتغير الحال الي الأحسن بل أصبح أكثر سوءاً . خلو السفارة من تمثيل دبلوماسي رفيع لازال طابع العمل هنا . يغيب السفير ويذهب للخرطوم في حله وترحاله حتي أصبحت بالنسبة له اقرب من مونتريال . في هذا العام وحده ذهب الي الخرطوم أكثر من أربعة مرات علي الرغم من توفر وسائل الأتصال بين البلدين . وحالياً هو موجود بالرئاسة في مناسبة خاصة ولا غبار علي ذلك الأ أن فترة غيابه طالت وعلي حسب علمنا أن الأجازة السنوية لا تتعدي الثلاثين يوماً . السفر الي الخرطوم بالضرورة أن تصحبه نثريات وبدلات وتذاكر طائرات علي الدرجة الأولي وهذه هي جزء من مستلزمات السفر المرئية . أما الغير مرئيه فتتناقله مجالس المدينة ويرجح أسباب التأخير في العودة من الخرطوم الي مآرب أخري وهي محاولاته العودة بصيد ثمين بعد أن نجح في أقناع الرئاسة بالتصديق له بالمبلغ الخرافي الذي طالب به لعمل صيانة لمنزله بأتوا . مبلغ الصيانه الذي طالب به يشيب له الرأس. وهو أقل بقليل من صيانة منزل رئيس الوزراء الكندي حيث وصلت التقديرات الأولية الي170 الف دولار مع فارق في حالة صيانة منزل السفير السوداني لم يُعلن عن عطاءٍ ولم تُشكل لجنه للنظر في أختيار أي من العطاءات المقدمة يصلح هندسياً وبئياً وأيهما أقل تكلفة ويطابق مزاج السفير وضيوفه الكرام . الجدير بالذكر هنا أنه لم تراع أصلاً في شراء السفارة ومنزل السفير الإجراءات المتبعة من حضور لجنة مالية فنية لتقييم المبنى من حيث الصلاحية والموقع والقيمة وللكثيرين بمن فيهم القائم بالأعمال الحالي مآخذ وملاحظات على المبنيين من جميع النواحي . هنالك طلب واحد فقط قُدم للصيانة وتم الأتفاق عليه بين صاحب الشركة اللبناني وسيادة السفير وقد يكون حتي هذا الأتفاق غير موثق بل تم شفاهة ما بين الطرفين وبموجبه تثني لهذا اللبناني الذي نزلت عليه ليلة القدر القيام بعملية صيانة منزل السفير . يزيد الطين بله أن هذا المنزل تمت صيانته في عهد السفير السابق ومضت علي فترة الصيانة الأخيرة ما يربو قليلاً علي الخمسة أعوام. ولأعطاء القارئ فكرة عن هذا المنزل الذي يتم ترميمه كل خمسة أو سته سنوات بهذا المبلغ من حساب الشعب السوداني الذي أصبح يعيش تحت حزام الفقر يجدر بنا ان نذكر أن هذا المبني كان يسكنه في السابق السفير والأبن والسائق والطاهيه أعقبه سفير وأبنته وقبله كانت تسكنه سفيرة وأبنيها . مجموع ساكني هذا القصر الذي طالب السفير بترميمه لم يتعد العشرة أشخاص خلال كل العشرة سنوات الماضية . وبعملية حسابية بسيطة بالقياس الي عدد الغرف نجد أن معدل كل شخص سكن هذا المنزل غرفتان أو أكثر.
والسؤال الذي يتبادر الي الذهن ما هي الحوجة الماسة لصيانة هذا المنزل الذي سيغادره السفير قريباً بأنتهاء فترة عمله في كندا وهل هو فعلاً يحتاج الي صيانة بهذه التكلفة ؟ الأجابة التي تتبادر الي الذهن خاصة في حالة أنعدام الشفافية في عملية الصيانة بأبرام عقد ما بين السفارة (السفير) وصاحب الشركة اللبناني وضخامة المبلغ المرصود بالضرورة أن يعطي القارئ والمتتبع لسياسات الأنقاذ التي لا لبس فيها ولا غموض ولا حرج فيها ولا حياء في نهب المال العام كما ليس من أهتماماتها الشعب السوداني وهمومه أنطباعاً وأحساساً قوياً بأن هذه العملية بالضرورة أن تكون صاحبتها عمولة والصحيح قد تكون العمولة هي السبب الرئيسي في التفكير الذي سبق الصيانة . هذا قد يعيننا في فك شفرة الكيفية التي تحصل بها السفير السوداني بيوغندا علي المبلغ الذي تمت سرقته من منزله بكمبالا كما ورد في الأخبار. في الغالب الأعم قد يكون أتبع نفس الأسلوب الذي أتبعه أخوه المسلم بكندا وهذا في أطار فقه تبادل الخبرات الدبلوماسية في عهد الأنقاذ.
الفوضي تتواصل بغياب السفير والوزير المفوض وتُترك السفارة في عهدة القنصل الذي هو بالطبع جديد علي العمل هنا وقد يكون حتي مبتدأً في سلم السلم الوظيفي . هذا مسلك يتنافي حتي مع مسئولية مدير قسم ناهيك عن مدير بعثة دبلوماسية وهذه من أبدجيات العمل الأداري في الخدمة المدنية السودانية .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم