مرة أخرى وغير أخيرة: ما بين النص الديني والنص التاريخي: في الرد على

 


 

 

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=4897951196954203&id=100002181135853

محمد جلال أحمد هاشم
الخرطوم - 28 فبراير 2022م

في خيط فكري رفيع يناقش الفرق بين النص الديني والنص الرياضي، ذلك في قروب "السودان القديم" ، قام صديقنا محمد جميل بطرح مداخلته التالية:
"معنى الأسطورة لغوياً يأتي للدلالة على الخرافة، والأباطيل والأكاذيب. حتى أن محمد أركون الذي عنون كتابه بالفرنسية بعنوان: "البنية الأسطورية للقرآن" حين ترجمه إلى العربية أطلق عليه عنوان "البنية القصصية للقرآن" وذلك لنفي ما يمكن أن يعكسه معنى كلمة أساطير في نظام اللغة العربية. فإذا كانت كلمة أسطورة في الفرنسية تعني القصة - كما ذكر أركون- فإن معنى الأساطير في اللغة العربية تعني القصص التي لا أصل حقيقي لها أي القصص الخيالية والأكاذيب".

كما نرى، هذه وجهة نظر تقوم على الدلالات القاموسية للكلمات.في المقابل، وبكل الود والاحترام، نقول لك لا يا أستاذ محمد جميل! أولا، ما يعنيه مصطلح "الأسطورة" لا يستمد من معاجم اللغة، ذلك ببساطة لأنه مصطلح علمي يُدرّس في علوم الفولكلور والاجتماع والأنثروبواوجيا والجمل الدراسات الإثنية ثم الدراسات اللاهوتية theology. وكا تعلم، ويعلم الجميع، هناك التعريفات المعجمية lexical definitions والتعريفات الاصطلاحية terminological definitions وبينهما ما بين الفرقدين. بحسب علمي، لم أقع على أي تعريف في أي مرجع سلطوي authoritative reference في هذه المجالات، على اختلاف مناهجها وتعريفاتها لهذا المصطلح، أحال دلالة مصطلح "أسطورة" myth إلى الأباطيل والأكاذيب. هذا جانب، الجانب الآخر، إسمح لي أن أشير إلى أن مصطلح "خرافة" fable في كل العلوم المشار إليها أعلاه لا يربط بينه وبين "الأباطيل والأكاذيب". وكنت قد تعرضتُ في مداخلة سابقة إلى أن هذه العلوم ليس لا تنفي احتمال الوقائعية التاريخانية لأي أسطورة أو خرافة fable، بل تذهب جميعها إلى أنها من المؤكد ذات مصادر تاريخانية، لكننا لا نملك دليلا ماديا يثبت هذا.
لي كتاب فرغتُ منه قبل أكثر من 22 عاما دون أن تنهض لديّ رغبة لنشره وهو بعنوان: الإسلام الثقافي: فقه ما بعد الحداثة، فيه تناولت بإسهاب خصائص النص الديني مقارنةً بخصائص النص التاريخي، وبينت فيه خطل التعامل مع النص الديني باعتباره نصا تاريخيا. فعلت هذا من باب تنزيه النص الديني، القرآني خاصةً، مما علق به من أفهام لا تكرّمُه، بعضُها صادر من منطلق الإيمان به وبعضها الآخر من منطلق الكفر به. وكنت في مداخلة سابقة قد ذكرت أن النص التاريخي يقوم على المنطق الرياضي بافتراض تطابق حدود premises الحدث event مع حدود النص. مثلا، افتراض تطابق حدود النص التالي: (1) في عام 1885م (2) قامت قوات (3) الإمام المهدي (4) باقتحام الخرطوم (5) وإسقاط حكم الاستعمار التركي المصري (طبعا يجوز لأي شخص أن يقسّم النص إلى أي عدد من الحدود). هذا هو النص التاريخي. صدقية النص التاريخي تأتي من الفرضية التالية: إذا تمكنّا من إثبات أن ما حدث في ذلك التاريخ يتطابق رياضياً في حدوده مع حدود هذا النص، عندها يكتسب هذا النص صدقيته، ما يعني أنه نص تاريخي صحيح. هذا هو النص التاريخي! وهو في جوهره نص بشري، إنساني! الآن تعالوا نرى خصائص النص الديني: أول خاصية له هي أنه لا يقوم على مبدأ تطابق الحدود، ذلك لأنه يستخدم الرمز والإشارة. وهو على هذا لأنه في جوهره نص غير بشري (بالنسبة لمن يؤمن به وكذلك من باب الافتراض لمن لا يؤمنون به). دعوني أشرح هذه النقطة حسبما وردت في كتابي المشار إليه أعلاه. اقرأوا معي الآية الكريمة:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258]
هذا النص ليس تاريخيا لأنه لا يخضع لشروط النص التاريخي، كونه نصا عُلوياً، غير بشري. ولهذا، عندما يعمل المفسرون على تأويله، هنا يأتي النص التاريخي وبالتالي تأتي الاختلافات.
بالنسبة لغير المؤمن بالقرآن من باب معاملته بوصفه نصا تاريخيا، سوف أحكي هنا قصة صديقي الملحد الافتراضي الذي حاجّني في هذه الآية بالتحديد قائلا: "لو كنتُ في محل النمرود، لقلت لإبراهيم 'أنا الذي آتي بالشمس من المشرق إلى المغرب، فلتدعُ إلهك هذا ليأتي بها من المغرب إلى المشرق' وعندها كنا سنرى من الذي سيُبهت". كان ردي له على النحو التالي: " هذا نص غير تاريخي وبالتالي هو نص غير بشري، وأنت لإلحادك عاجز عن فهمه واستعقاله (دون أن يكون معنى هذا، في حال تحققه، إيمانك به). دعني أقوم بتحويل هذا النص الديني إلى نص تاريخي على النحو التالي: في زمن النمرود لم تكن فكرة الربوبية غير المتحايثة في فضاء الزمان والمكان (فضاء المحدود) قد أصبحت واضحة في أذهان عامة الناس وقتها. ولهذا كان الناس يؤمنون بربوبية ملوكهم لتغلّب هؤلاء الملوك على مصائر رعاياهم، وبهذا عبدوهم. ثم جاء سيدنا إبراهيم ليبشر برب واحد من غير البشر، هو خالق كل شيء ابتداءً (المطلق). وقد هددت هذه الدعوة سلطة نمرود في حال تصديق الناس لما يقوله إبراهيم. وهكذا وجد النمرود نفسه يقف بكل سلطانه وجبروته أما إبراهيم وبينهما عامة الناس، حيث يحاول النمرود إثبات ربوبيته القائمة في فضاء المحدود، بينما يقابله إبراهيم الذي يحاول أن يكسب عامة الناس إلى صالح دعواه بالربوبية المطلقة. هنا استشهد إبراهيم بقدرة الرب المطلق على الإحياء والإماتة، فقام النمرود باستغلال اللبس الذي كان يعشش في أفهام عامة الناس بهذه المسألة بالتحديد، ذلك لأنها لديها بعدُها المحدود أيضا ممثلةً في قدرة الملوك على قتل من يريدون (الإماتة) والعفو عمن يريدون (الإحياء). وهذا ما جعل إبراهيم يتبع خطة أخرى لا لبس فيها، ألا وهو ناموس الكون الذي يعرف الجميييييع أنه سابق، ليس فقط للنمرود، بل لجميع البشر. فاستشهد بقدرة الرب المطلق في خلق وتدبير ناموس الكون (في النص الديني تمت الإشارة والترميز لناموس الكون بحركة الشمس شروقا وغروبا وهذا ما نعنيه بالرمز والإشارة). وطبعا عندها لم يكن في مقدور النمرود أن يدعي بأنه هو الذي قد قام بخلق ناموس الكون، ذلك لأن بعض الناس هناك ترجيحا ربما يذكرون يوم مولده، ذلك بحكم أن لم يكن طاعنا في السن بحكم التماثيل المنحوتة له والجداريات المرسومة له. وهكذا بُهت الذي كفر"!
الملاحظ أعلاه أن هناك فرقا كبيرا بين النص الديني (الآية 258 من البقرة) والنص التاريخي الذي قمت بإعادة تركيبه من باب تأويل النص الديني. وإنما لهذا لا تُفسّر نصوص القرآن، بل تؤوّل. فكلمة تفسير لا ترد ولو مرة واحدة في القرآن في معنى فهم ما تقوله آيات القرآن.
من جانب آخر، يكشف لنا الفرق بين طبيعة وخصائص النصين عدم بشرية النص الديني (إيمانا أو افتراضا)، مقابل بشرية النص التاريخي. ولتتأملوا كيف طال النص التاريخي واستطال، ذلك لأنه يقوم على المبدأ الرياضي المتمثل في تطابق الحدود، هذا مقابل إعجاز النص الديني الموجز من حيث ألفاظه، والمحيط من حيث دلالاته غير المحدودة، ذلك لخاصيته القائمة على الرمز والإشارة، وإنما هنا تكمن ألوهيته وعُلويته! وهنا يتجلى تقديسنا للنص الديني عندما نُنزهُه من التاريخانية. ثم هنا تتضح السذاجة والاستغلاق في صديقي، ذلك الذي حاجّني في هذه الآية، بانياً كل حجيته على معاملة النص الديني كما لو كان نصا تاريخيا، فوقع في الضلالة والجهالة اللتين تتكشفان عندما نقوم بتحويل النص الديني إلى نص تاريخي، ذلك عبر تأويله.

MJH
الخرطوم - 28 فبراير 2022

 

آراء