مرحباً “بالصوملة”! .. بقلم: عوض محمد الحسن
14 ديسمبر, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
38 زيارة
إلى من يخشون (أو يزعمون) أن سقوط نظام الإنقاذ سيقود للفوضى والصوملة: هذا المقال القديم (2014) المتجدد أبداً
aelhassan@gmail.com
لا يختلف عاقلان في أن السودان يسير حثيثا نحو مصير قاتم بعد أن سار أكثر من ربع قرن من الزمان في نفق الإنقاذ المظلم. كأني بنبوءة الشيخ ود دوليب تتحقق بعد نحو قرن ونصف الذي كتب في ستينيات القرن التاسع عشر أن البلاد ستواجه في مقبل أيامها سبع مصائب تنتهي بفوضى عارمة ودماء وحرائق، ناصحا ابناءه بالهجرة من السودان!
اتفق الجميع إذن على ان السودان يسير نحو الهاوية ولكنهم اختلفوا حول سبل إيقاف التدهور وتجنب هذا المصير المظلم . يعتقد أهل النظام، ومعهم البعض عن عشم، او عن طمع، او عن جهل، او عن خشية مواجهة الحقائق، ان استمرار النظام هو السبيل لتجنب تردي الوضع لأن أي منازعة للنظام على السلطة (وأهله يمسكون بكل مقاليد السلطة والثروة وأدوات العنف الرسمي وغير الرسمي) ستقود البلاد الى فوضى عارمة وعنف أعمى لا يفكك النظام فحسب بل يُفتت معه البلاد بأسرها.
الاحتمال الاخر هو تسارع وتيرة الانهيار والتردي الذي بدا منذ عام 1989 واصاب كل مناحي الحياة، واستمرار تفسخ مؤسسات الدولة بفعل الفساد والإفساد وسوء الادارة (أم هو سوء النية؟)، وانفراط عقد الأمن، وازدياد القمع الأعمى (والعبثي احيانا) والعنف الحكومي ضد المواطنين، ولجوء جماعات عديدة لحمل السلاح، وتدهور القيم والقواعد التي تقوم عليها المجتمعات المُنظمة، وتردي الوضع الاقتصادي والمعيشي، واتساع الفوارق بين القلة المرتبطة بالسلطة والأغلبية المقهورة، لتصل البلاد (التي نفح فيها النظام روح القبلية والعشائيرية المتفلتة وإحن الجهوية النائمة) إلى فوضى عارمة تجعل ما يحدث منذ بداية التسعينيات في الصومال المتجانس مجرد نزهة.
وقد يقول قائل (وهو مُحقّ لا شك) ولماذا لا يسلك الجميع سبيل الحكمة والعقلانية والمنطق وهو السبيل الوحيد الذي تُمليه ظروف البلاد والمخاطر التي تهدد بقاء البلد بأجمعه؟ لماذا لا يتوافق الجميع، نظاما، ومعارضة حقيقية، ومعارضة صورية، وحركات مسلحة، على مخرج يجنب البلاد ويلات التمزق والاحتراب والفوضى، يتم التوصل إليه عبر حوار جامع حقيقي؟ ومع تفضيلي لهذا السيناريو إلا أنني، باستقصاء الواقع والبعد عن التمنيات، اعلم علم اليقين ان طريق الحوار هو طريق مسدود لأن قبول مبدأ الحوار الجاد يفترض حدوث تغيير جذري في عقلية وسلوك النظام، ويتطلب قبول تنازلات (وحقائق) عديدة على رأسها إنهاء احتكار السلطة والثروة (والحكمة)، ولا أرى في أفعال وأعمال أهل النظام منذ عام 1989 ما يُشير إلى حدوث مثل هذا التغيير. ولا أشك مطلقا أن الشروط الضرورية لانجاح أي حوار وطني مسؤول، وهي الجدية والصراحة وتوفر النية الصادقة لتقديم مصلحة الوطن على كل مصلحة ضيّقة، لا تتوفر (ولم تتوفر قط) في نظام الإنقاذ وحركته الاسلامية ومؤتمريه الوطني والشعبي، وفي السائرين في ركابه.
ألا ترونهم؟ كلما ضاق الخناق عليهم أخفوا رايات العقيدة والشريعة – إلى حين – ورفعوا عاليا رايات الوطن والمقدرات والوحدة ، وما ان تخف الضغوط، عادوا الى سابق عهدهم، واخرجوا ألسنتهم لنا وأبرزوا أزاميلهم وطفقوا يفتتون في جسد الوطن: إزميل القهر، وإزميل القمع، وإزميل الفساد، وإزميل التمكين، وإزميل الجشع، وإزميل الجهل؛ يفتتونه قطعة قطعة في همة عجيبة لا تفتر؛ يفتتون وحدته الوطنية، ونسيجه الاجتماعي، ونظمه الإدارية والقانونية والاقتصادية والتعليمية، يبددون ثرواته، ما ظهر منها وما بطن، ويئدون مستقبله ومستقبل اجياله.
اشعر بأسى عميق وأنا أرى البعض يُقبل على دعوة الحوار المخاتل رغم كل المحاذير والتجارب المجهضة السابقة، وأتساءل: لماذا يضعون أصابعهم في نفس الجحر الذي لدغوا منه مرات ومرات؟ ألا يقرأون ما في السطور (ناهيك عما بينها)؟ الم يسمعوا قادة الإنقاذ يؤكدون أنهم لن يقبلوا حوارا يفكك نظامهم؟ وأنهم لن يقبلوا حكومة قومية او انتقالية حتى وإن كان ذلك هو السبيل الوحيد لإخراج البلاد من أزمتها الخانقة؟ ألا تكفيهم فقط معالجة النظام المُهينة والمستهينة لقضايا الفساد المُخيفة خلال الأسابيع الفليلة الماضية وصمت قادته على تلك الجرائم في حق الوطن؟ ألا يُخيفهم خبر حاويات المخدرات التي ضبطت في ميناء بورتسودان (وهو غيض من فيض)؟ ألا يرون الرسالة المكتوبة منذ عام 1989 على الجدران بحروف تُرى بالعين المجردة من الفضاء الخرجي: اركبوا معنا في قطار الإنقاذ لتكتب لكم وللسودان النجاة، ولكن لا تطمعوا في أكثر من الجلوس على المقاعد الخلفية في عرباته الخلفية، وليس لكم نصيب في قيادة القطار، أو مساءلة قادته،
اذا قُيّض لي الاختيار بين هذه الخيارات المُرّة، بين استمرار نظام الإنقاذ أو الفوضى العارمة فيما يشبه حال الصومال، أقول مُرغما، وفي الحلق غصّة، وفي النفس حسرة: يتساءل البعض عن البديل؛ وإذا كانت الفوضي والحال الصومال هو البديل الوحيد لاستمرار نظام الإنقاذ، فمرحباً بالصوملة!
هذا خيار لا أريده، (ولا يشبهني وأنا انسان مُسالم ووسطي)، لكنه خيار يُمليه المنطق والواقعية وحساب الربح والخسارة للوطن ولمستقبله لأن بقاء النظام، في ضوء غياب فرص الإصلاح الحقيقي والتغيير الذي يُلبي مطالب الجميع، واصرار أهله على إقصاء كل من ليس على شيعتهم، وعلى استباحة ثروات البلاد ومواردها، لا يعني فقط تدمير حاضر السودان، بل يعني أيضا دمار مستقبله بحيث لا تقوم له قائمة. أما الصوملة التي يخشاها الجميع فربما حملت في جوفها، رغم فداحة التكلفة، بذرة وطن جديد وقيادة جديدة، وفرصة بداية جديدة تتعظ بمآسي الماضي، كما حدث في كمبوديا بعد حكم الخمير الحُمر “الأصولي”، الدموي، وفي سييراليون وليبيريا، بعد فظائع الحرب الأهلية وأهوالها، وظلامات قرن ونصف من استبداد وصلف (وعمى) رقيق أمريكا المُحرر الذي حكم تلك البلاد.
مايو 2014