مفاوضات السلام المنتظر انطلاقها في جوبا عاصمة جمهورية جنوب السودان، تأتي بملامح مغايرة عن كل عمليات التفاوض السابقة، فهي من حيث الأطراف، قد تعددت كمّاً ونوعاً حيث شملت حركات ثورية مسلّحة، هي الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال والجبهة الثورية بفصائلها المسلّحة ومشتقّاتها من الأفراد والتنظيمات المدنية فيها، وتنظيمات جمعتها كتل قوى الحرية والتغيير وحكومة فيها متحوّرين من عسكر النظام السابق إلى هجين العسكر مع المدنيين في المجلس السيادي الجديد. وضمن كل هؤلاء، ممثلين لتنظيمات دخلت في إتفاقيات سابقة مع النظام المخلوع بدءاً باتفاقيات حسن النوايا ووقف إطلاق النار واتفاقيات فتح الممرات لتعزيز وإيصال المساعدات الإنسانية وإعلانات المبادئ وإتفاقيات إطارية وانتهاءاً بالإتفاقيات النهائية، وبين ثنايا كل ذلك ما خُفي من لقاءآت وتفاهمات خاصة، الأيام كفيلة بإزاحة النُقب والبراقع والحُجُب عنها.
معلوم أن تلك الإتفاقيات قد اشتملت على صيغ ثنائية وأيضاً جماعية، وطاف اسم السودان وأقاليمه خلالها على بساط تحفَّى وهو يحمل القضايا متجوّلاً عبر العديد من مدن المحيط الإقليمي والعالم، أبرزها، (برلين، نيفاشا، نيروبي، أديس أبابا، أبّشي، انجمينا، القاهرة، أبوجا، أسمرا، طرابلس، أروشا والدوحة). كل هذه المدن شهدت مداولات ومفاوضات واتفاقيات بين أطراف سودانية، لأزمة تراكم بناؤها عبر السنين، ولم تفلح كل حكوماتها المتنوّعة والمتبادلة سوى في زيادة إشتعال نارها واستعار أوارها بفهم أو بعدم، والحال كذلك، فقد فشلت جميعها في إحداث الإختراق المنشود لتقويم إعوجاج الدولة السودانية، وآخرها المتجلّي بوهج حارق في النظام الأحادي الذي حكم ثلاثين سنة متشبّثاً بالدولة وإمكاناتها.
اليوم، وبعد أن بدأت تلوح في الأفق بوادر إشراق شمس دافئة في ظل قدر من الحريات، وإطار من استعداد الرؤى لتتلاقى وتتنافح حماية للحرية التي جاءت بقدر متدرّج بعد نضال طويل وشرس دفعت فيه الشعوب أغلى ما تملك وهي الأرواح، فالجميع ينتظر تمام الإجتثاث الكامل لنظام الإنقاذ. في ظل هذا الوضع، يبدو أن السلام بكل معانية اللغوية ومضامينه الضرورية وتطلعاته الشعبوية، ليس بعيداً، ولكن بشرط توفّر العوامل البديهية الماثلة في ذهن كل فرد، والمتمثّلة في النوايا الصادقة والإرادة النافذة، حينها فقط ربما يترآى قريباً. بيد أنه ودون أن نبحث في المعطيات التي من خلالها يتحدد مدى توفّر هذه الشروط والعوامل التي قلنا عنها بديهية، فإن القفز إلى إعلاء الأمنيات فوق الواقع، يوردنا حصاداً لسرابها وحفظاً لمستقبل وطن في أوعية، نتيح فيها للرياح أن تعبث بها، ولتتعَلُّق بعدها بأهداب خيوطٍ عنكبوتية وهناء ملتفّة على رِكاز هشّة وجوفاء.
الشعوب السودانية كلّها تُمني النفس بسلام يُمكّن من الإستقرار الذي يقود إلى التنمية، حتى نعضض ونبارك القِران بين السلام والتنمية باعتبارهما توأم سيامي حياتهما يتعزز بالإستمرارية متلاصقين، على غير العادة في عدم الفصل بينهما، لا سيما وأن القِران بينهما في الأصل معقود بالفطرة، وهذا لا يتأتى بأفضل التجلّيات إلا بتوفّر الإستقرار الدائم، الذي هو الآخر يبلور صيغة نجاح المفاوضات المقبلة على إشتراط قاطع في تحديد نوع وعمق وحدود القضايا التي ينبغي البحث فيها على مستوى الطموحات المنشودة. معلوم أنه ومن حيث المناطقية وخصوصياتها، فإن اتجاهات السودان الأربعة حاضرة ضمنياً في الأطراف المتفاوضة بحكم الأمر الواقع، وأن الممثّلين فيها اكتسبوا ذلك بوضع اليد من خلال التنظيمات واللافتات التي يجلسون تحت مسمّياتها والتي أيضاً جاءت نتاج تضحيات قدّمها كثيرون مضوا شهداء وآخرين سرباء وغيرهم غبناء ومنهم من بقوا حُرَداء ضمن لفيف من الرُغَباء والأسبطاء. وتجاوزاً لجدلية الأحقّية في التمثيل، وحتى لا نغوص في وحل مَنْ يمثّل منْ، ومَنْ فوّض مَنْ، نستعيض في مضمون مقالنا بالشعارات والقضايا التي يطرحها أؤلئك الممثلون، ونتصوّر أنها الثوب المطّاط الذي يُوائم لابِسَه، وبذلك لن تتعرّض المجتمعات التي تتطلّع إلى عائد السلام للسعات زمهرير الذات وشتائه، ونفترض أن المناداة بالمعالجات فيها سينتفع بمكتسباتها الجميع متى تحققت باستحقاقاتها.
وفقاً لما أشرنا إليه أعلاه، واستصحاباً لمتغيّرات الأطراف والمعطيات، دعونا نتناول ما هي القضايا التي يمكن لمنبر التفاوض الحالي الخوض فيها والوصول إلى اتفاقات بشأنها، والقضايا التي يجب، بل مفترض على الحكومة الإنتقالية البدء في تنفيذها مباشرة منذ يوم مجيئها الأول ولا تحتاج إلى تفاوض فيها، بحسبان أن الأطراف الحالية، حكومة وغيرها، متفقون عليها ضمنياً، على خلاف ما كان عليه النظام السابق الذي ظلّ يُنكِرها ولا يعترف بوجودها في المبتدأ حتى في منابر التفاوض. ثم نتلمّس القضايا التي لا يمكن للمنبر أن يستوعبها أو يكون مفوّضاً بحكم تركيبة التنظيمات وممثليها الخوض والفصل فيها. فالمنبر الحالي وحسب ما هو مشاع، أنه ينقسم إلى مسارين، ذلك الذي تتفاوض عليه الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال، والآخر الذي تتفاوض عليه الجبهة الثورية بمكوناتها. وبينما نجد أن المسار الأول أكثر سهولة في تحديد القضايا التي يتناولها لأنه بين طرفين إثنين، فإن ثمة تداخلات للقضايا والممثلين في المسار الثاني، حيث تتعدد القضايا ذات الخصوصية بتعدد الفصائل المكوّنة للجبهة الثورية، وهنا ينبغي تحديدها بشكل أكثر وضوحاً حتى لا يتسلل ضباب اللغو بين ثنايا المداولات ويصعب الوصول إلى نتائج قاطعة فيها، تلك التي توفّر استحقاقات الرضى للشعوب التي ما فتئت مشرئبّة لسلام لم يبن منه حتى الآن إلا الإسم.
كل بنود الإتفاقيات السابقة فيما يتعلّق بإعادة الإعمار وتعويض المتضررين من الحروب وآثارها، واسترداد الحقوق المادية لأصحابها، والتنمية بما في ذلك تمييزها الإيجابي، ومعالجات الخدمة المدنية، هي قضايا ولطالما الحكومة الإنتقالية الحالية على قناعة كاملة بها، عكس ما كان الحال عليه مع النظام المخلوع، فهي إذن لا تحتاج إلى تفاوض جديد بشأنها، وإنما إلى تفعيل آليات الدولة المعنية بالبدء في ترتيباتها وإعدادها لخطط التنفيذ المباشر. وفي هذا المجال، هناك دراسات متكاملة تمّت لتحديد الإحتياجات لما بعد الحرب في المديات الأربعة، العاجلة والقريبة والمتوسّطة والطويلة، وتبعها عمل مكثّف لإعداد الإستراتيجيات والبرامج والمشروعات والتصميمات بكامل مواصفاتها الفنية والتكاليف وخطط التنفيذ، لكنها اصطدمت بعدم رغبة النظام السابق في تنفيذها فأصبحت رهينة لأضابير الأرفف والأدراج.
حَرَدان نظام الإنقاذ وعدم رغبته في تنفيذ تلك المشاريع، وضْع غير موجود حالياً، حيث أن حكومة الثورة مقِرّة بتلك الحقوق وعلى قناعة تامة بها، ومن ثم عليها أن تُفعِّل وزاراتها المعنية ووحدات الولايات المختصّة بتحديث بيانات تلك الإستراتيجيات والخطط والمشروعات، والبدء في تنفيذها. وأرجو أن لا تذهب الحكومة في إتجاه العمل من جديد للصرف والبدء في إعداد عمل سبق الصرف عليه وإعداده بشكل ممتاز، أمّنَ على مطابقته المواصفات الدولية البنك الدولي نفسه، على أنه لا ضير أن يتم ذلك في حدود ما هو غير موجود. حتى التعويضات، فالنازحون واللاجئون وبعد السنوات الطويلة التي قضوها وحجم الوعي الذي اكتسبوه، وقرآءتهم للتجارب السابقة، هم لا شك قادرون أن يتعاملوا بشكل مباشر مع مؤسسات الحكومة العدلية والتنفيذية الأخرى وبمعاونة منظمات المجتمع المدني، على تحديد حجم خسائرهم وتحديد حجم التعويضات المطلوبة وكيفية إنفاذها.
نتحدث الآن عن القضايا التي نعتقد بأنه يمكن التفاوض عليها بحسبانها خصوصيات تتعلق بكل إقليم على حده، وأخرى تتعلق بالتنظيمات المتفاوضة، وتتمثل هذه القضايا في القائمة التالية:-
1- قضايا السلطة والمشاركة فيها وفقاً لمعايير لم يتسنّى تفعيلها من قبل، على المستويين الإتحادي والإقليمي والولائي، وإعمال مبدأ التمييز الإيجابي لإحداث التوازن وامتصاص الأغبان التي خلّفتها تراكمات الظلم، وذلك بغرض تهيئة الأرضية والمنصّة العادلة لمركز القرار خلال الفترة الإنتقالية.
2- التوازن والتمييز الإيجابي في كل مؤسسات ومستويات الخدمة المدنية بحسبانها الأداة الفاعلة لتجسيد سلطة الدولة الفاعلة وتنفيذ قراراتها بعدالة وتسيير دولاب الخدمة.
3- التمييز الإيجابي في مستويات التنمية بما يحقق قدراً من التوازن بين الأقاليم، بتفعيل ما يُمكن تسميته بسرعة اللحاق.
4- الحدود المتنازع عليها بين الأقاليم والولايات.
5- الديار والحواكير وحقوق استخدامات الأرض ولكن بضم أطراف أصيلة ليست موجودة الآن ضمن الأطراف المتفاوضة.
6- عودة النازحين واللاجئين إلى مواقعهم الأصلية، بشرط وجود ممثلين من النازحين واللاجئين بوفد مفاوض مستقل.
7- العدالة الجنائية والإنتقالية، والحوار المجتمعي في الأقاليم التي تأثرت بالحروب بغرض تهيئة الحاضنة الإجتماعية عبر معالجة الإفرازات التي تنامت خلال فترة النزاع، وأدت إلى جفوات إجتماعية عميقة، ضماناً لإنجاح تنفيذ أي إتفاقيات يتم التوصّل إليها، والتمهيد لمعالجات إجتماعية تؤدّي إلى إستقرار دائم.
8- الترتيبات الأمنية لقوات الحركات الثورية، بالقدر الذي تُجسّد فيها المستويات المختلفة للتراتبية العسكرية عمق التنوّع السوداني، وبرامج التسريح وإعادة الدمج.
عطفاً على هذه القائمة، نجد أن ثمة قضايا لا يُمكن البت فيها دون حضور أطراف أصيلة غائبة الآن عن منبر التفاوض، فالنأخذ مثلاً قضية عودة النازحين واللاجئين. طوال أكثر من ستة عشر عاماً من استمرار الحروب، حدثت متغيرات عميقة وجوهرية في التركيبة الإجتماعية على مستوى المجتمعات المتأثّرة بالنزاعات، فالحال اليوم غير الذي عليه في العام 2004م مثلاً. هناك أجيال ترعرعت في هذه المعسكرات وتشرّبت بمفاهيم مغايرة، بعضها مزيج من الثقافات مع شعوب دول أخرى، حدث إحتكاك معرفي بيني وأيضاً مع الآخر، فأصبحت الصورة تتباين في النوع والكم عن تلك التي كانت في بدايات الصراعات، بل أن الحراك التوعوي الذي أحدثته المنظمات المحلية والأجنبية التي عملت في داخل المعسكرات، والأنشطة الجماعية التي بادر بأفكارها ومارسها النازحون واللاجئون بأنفسهم، قد خلقت مناخاً متنامياً من الوعي بالحقوق والواجبات لم يكن متاحاً لهم في مستهل نزوحهم ولجوئهم، حينها كانوا يبحثون عن الأمن والحاجات الأساسية من ملاذ آمن ومأكل ومشرب. بل هم الآن أقدر من يتفاوض على عرض قضاياهم وكيفية معالجتها، وليس الخطاب الذي قدّموه في زيارة رئيس الوزراء حمدوك إلى معسكر زمزم وأبوشوك ببعيد.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم