من أنتم ؟ نحنُ كادوقلي ! .. بقلم: مجدي إبراهيم محجوب – قاضٍ سابق
وبعباراته المختصرة ، والسريعة ، عرفني السائق الذي كنت أركب معه وبجانبه ، وإسمه حمودي ، بمدينة الدلنج ، وهي مسقط رأسه ، كما أنه من قبيلة نوبة الجبال ” النيمنج ” وحاضرتهم هذه المدينة أو القرية الكبيرة ؛ التربة طينية رملية ..حيثُ فارقنا التربة الرملية الذهبية لعروس الرمال ، وماحولها. والمنطقة زراعية ، تحفها وديان وخيران.. وبالقرب منها يقع مشروع هبيلا الزراعي و منطقة سلارا وكلارا.. جبل أبوزمام..ميدان المصارعة… السينما … محالج القطن …الرديف والملكية ..حي المك..المرافيت .. قعر الحجر .. السوق والقشلاق..الخ :
أما ثالثة الأثافي فقد تمثلت في وجود قوات الأنانيا 2- تو ( القوات الصديقة للقوات المسلحة السودانية والمكونة من أبناء قبيلة النوير) داخل مدينة كادوقلي بقيادة الفريق/ كونق كونق بول ، وهي اصلاً قوات متفلته ، ولا يحكمها قانون أو أعراف أو تقاليد عسكرية ، وقد حدث أن طلب مني قائدها تطبيق قانون القوات المسلحة / المنشور القضائي رقم (19) على أفرادها المتفلتين ومثيري المشاكل ؛ وكان ردي عليه ، وبحسم :
كلما أشرقت الشمس على مدينة كادوقلي ، أيامها ، إزداد يقين السكان وكل مسؤولٍ فيها بأن هنالك كارثة ما آتية لا ريب فيها ؛ زلزال ، أو بركان ، أو الإجتياح العسكري للمدينة..الجو العام للمدينة يسوده القلق ، والخوف ، و الترقب لما هو آتٍ. وفي صباح يوم من تلك الأيام العصيبة حضر ضابطان من الإستخبارات العسكرية للمحكمة وأبلغاني بأن الإستخبارات العسكرية بكادوقلي قد إكتشفت تنظيماً سرياً من أبناء نوبة كادوقلي ، ويهدف للقيام بتفجيرات وبإغتيالات للعناصر الشمالية التي تعمل بالمدينة ، وتحديداً ، محافظ المديرية ، وقاضي المديرية ، وشخصي الضعيف ! وأن هذا التنظيم السري مكون من فلان وفلان وإسمه.. ” نحنُ كادوقلي “..وكان ردي ، وبهدوء :
وصلتُ إلى منزل القاضي المقيم بحي الموظفين الغربي حوالي العاشرة مساء ، وما أن جلست في أقرب كرسي مسترخياً حتى سمعتُ أصوات رقصات الكمبلا… كشكٌ…كشكٌ…كشكٌ..أمام باب المنزل تماماً.. ليست رقصة واحدة ، ولا بضعة راقصين ؛ كشكٌ…كشكٌ …كشكٌ ؛ بل المئات من راقصي الكمبلا حول منزلي.. وشاهدتُ منظراً لم يشاهده إنسٌ ولا جنٌ من قبلي ، ولن يشاهده إنسٌ أو جنٌ من بعدي ، ومن حيث لا حيث ، ومن بعد لا بعد ؛ تم إشعال الملايين من أعواد قصب الذرة اليابسة في جميع أحياء كادوقلي : حجر النار ، حجر المك ، حجر بليلة ، قعر الحجر ، كليمو ، كُلبا ، الجكو ، الفقرا ، مرتا ، الرديف ، الملكية ، السرف ، تلو ، وحي السوق الخ…وبدت المدينة التي تحيط بها سلسة من الجبال ، وأبرزها جبل إسمه كادوقلي ، ومنزلي في مركز هذه الدائرة ، كما لوكانت كُرةً بلوريةً متوهجةً تحفها الأغاني والأهازيج ورقصات الكمبلا كشكٌ…كشكٌ …كشكٌ و رقصات وأغاني إبره ودر.. رقصت جميع قبائل نوبة الجبال ، ولكل قبيلة بكجورها ، ومع صيحات الكجور ، وكما لم ترقصُ من قبل : نوبة هيبان ، فاما ، كاتشا ، كاشا ، شفر ، تيرا ، كاركو ، كنجورية ، كرتالا ، فندا ، ليري ، و ميري ، ألخ…المدينة كلها إنغمست في حفل صاخب ، وراقص ، ومضاءٌ بآلاف الثريات ، والأنجم ، والمنبعثة من وهج أعواد القصب المشتعلة في الجباريك.. فإذا بها تدور.. وتدور ؛ كشكٌ…كشكٌ …كشكٌ ، و في غمرة نشوتها وفرحها تنطلق وبجبالها الراسيات ، وتنفك من إسارها المغروس ومن سلاسل قيودها في باطن الأرض وتدور ..وتدور وتنطلق نحو السماء ، نحو الفضاء اللانهائي ، الكون ، وكأنها كوكبٌ دريٌ ، وكجورها يصيحُ مبتسما ً:
مجدي إبراهيم محجوب – قاضٍ سابق.
لا توجد تعليقات
