دكتور محمد عبدالله
لم يكن الجدل حول سيد قطب مجرد خلاف تفسيري داخل التيارات الإسلامية، بل كان أشبه بانعطافة كبرى في تاريخ الفكر السياسي العربي الحديث، تركت آثارها العميقة على مجمل المشهد السياسي في الشرق الأوسط، وفي السودان تحديداً . هذا الرجل الذي بدأ شاعراً مرهفاً وأديباً وناقداً لافتاً ، تنقّل بين تيارات عصره الفكرية، من الوفدية والوطنية إلى الليبرالية والاشتراكية، قبل أن ينتهي به المطاف إلى تبنّي مشروع إسلامي مثير للجدل، أسّس—بشكل مباشر أو غير مباشر—لسجالات واسعة حول حدود الدين والسياسة والعنف في الفكر المعاصر.
ظلّ سيد قطب، في مساره الفكري المتحوّل، منشغلاً بسؤال الدولة والحرية والسلطة، كما تشكّلت في وعيه خلال لحظة تاريخية مضطربة. غير أن ما جرى لاحقاً كان أبعد من النصوص ذاتها؛ إذ تحوّلت كتاباته المتأخرة، خصوصاً في “معالم في الطريق” و“في ظلال القرآن” ، إلى مرجعيات تأسيسية لحركات وتنظيمات سياسية متعددة. وقد انقسمت القراءات حول هذه النصوص بين من رآها مشروعاً تحررياً يهدف إلى مقاومة الاستبداد وإعادة بناء المجتمع على أسس إسلامية، وبين من اعتبرها منطلقاً لتأويلات متشددة مهّدت لظهور خطاب تكفيري وجدت فيه بعض الجماعات مبرراً للعنف السياسي.
كان السودان من أبرز البلدان التي تفاعلت مبكراً مع هذه الأفكار، ولكن ضمن سياق محلي خاص. فقد وصلت كتابات سيد قطب عبر قنوات طلابية وفكرية نشطة، في ظل علاقات تاريخية وثيقة بين السودان ومصر، لتجد أرضًا خصبة لدى تيارات إسلامية سودانية كانت تبحث عن صياغة فكرية لمشروع الدولة الإسلامية. وقد أسهم هذا التلقي المبكر في إدماج تلك الأفكار داخل بنية التنظيمات الناشئة، وتأثيرها في أجيال متعاقبة من الكوادر. غير أن المفارقة اللافتة أن كثيراً من هؤلاء الذين تشكّل وعيهم في تلك المرحلة، باتوا لاحقاً ينأون عن “القطبية”، ويحرصون على نفي أي صلة مباشرة بها، خصوصاً حين تحوّل هذا الإرث إلى عبء سياسي وأخلاقي في سياقات لاحقة.
ولم تكن محاولات التنصل هذه حالات فردية معزولة، بل اتخذت طابعًا متكررًا في التجربة الإسلامية السودانية. فبعد وصول الإسلاميين إلى السلطة عام 1989 عبر انقلاب عسكري قاد إلى قيام نظام “الإنقاذ”، ثم ما تبعه من صراع داخلي بين عمر البشير وحسن الترابي، بدأت مرحلة جديدة من إعادة التموضع السياسي. وفيها جرى الحرص الشديد على الابتعاد عن كل ما يربطهم بالتنظيم الام ”، لصالح مسميات سياسية متعددة مثل الجبهة الإسلامية القومية قبيل الانقلاب ثم المؤتمر الوطني و المؤتمر الشعبى . كما سعت قيادات بارزة إلى التأكيد على خصوصية “التجربة السودانية”، ونفي أي ارتباط عضوي بالتنظيم الدولي للإخوان، في سياق تزايد الضغوط الدولية والإقليمية على هذا التيار.
غير أن التجربة العملية للحكم، التي امتدت لما يزيد على ثلاثة عقود، لم تُظهر قطيعة حقيقية مع المرجعيات الفكرية المؤسسة، بقدر ما كشفت عن حضورها في البنية العامة للممارسة السياسية. فقد واجهت الدولة أزمات متلاحقة في الشرعية والحكم، واندلعت حروب دامية في دارفور وجنوب السودان، وتوسعت سياسات “التمكين” التي أعادت تشكيل مؤسسات الدولة وفق اعتبارات تنظيمية ضيقة. ومع الوقت، تراكمت هذه السياسات لتنتج دولة منهكة ومجتمعاً مثقلاً بالانقسام، قبل أن تبلغ ذروتها بانهيار النظام مع اندلاع ثورة ديسمبر 2018.
وقد كشفت تلك المرحلة عن مفارقة عميقة؛ فالمشروع الذي قام على شعارات “الحاكمية” و”العدالة الإسلامية” انتهى إلى نموذج دولة مُثقلة بالولاءات الحزبية وتداخل السلطة بالثروة و من ثم الاستشراء الواسع للفساد . وتحوّلت مؤسسات سيادية ، إلى أدوات نفوذ سياسي واقتصادي، في حين تراجع الخطاب الأخلاقي لصالح منطق المصالح. ومع سقوط النظام، لم يختفِ هذا الإرث تماماً ، بل ظلّ حاضراً في البنية السياسية والاجتماعية، في ظل انتقال البلاد إلى مرحلة جديدة اتسمت باضطراب عميق وصراع مسلح ممتد.
في هذا السياق، تبرز أطروحة متكررة مفادها أن أزمة السودان لم تكن سياسية فحسب، بل بنيوية في عمقها، وأن تجاوزها لا يمكن أن يتم عبر الخطاب السياسي التقليدي أو تبادل الاتهامات. بل إن الخروج من هذا المأزق، وفق هذه الرؤية، يتطلب مراجعة صريحة من القوى الإسلامية لتجربتها، والاعتراف بمحدودية مشروع الدولة المؤدلجة و بما حاق بشعب السودان بسبب مشروعهم ، بالمقابل على القوى السياسية الأخرى القبول صدقاً بفكرة الدولة التعددية القائمة على عقد اجتماعي جامع. غير أن هذا المسار يظل محفوفًا بالتعقيد، في ظل استمرار الانقسامات الاجتماعية الحادة ، وتراجع الثقة بين مكونات المجتمع، وتنامي النزعات الصراعية التي تعمّقت خلال السنوات الأخيرة.
ويبقى السؤال مفتوحًا على أكثر من مستوى: كيف يمكن لدولة أنهكتها الأيديولوجيا والصراع أن تعيد تعريف ذاتها خارج منطق الاستقطاب؟ وكيف يمكن لفكرٍ تأسس في سياقات تاريخية مضطربة أن يُعاد التعامل معه اليوم دون الوقوع في فخ التمجيد أو الإدانة المطلقة؟
ربما لا يكمن المخرج في محو الماضي أو إنكاره، بل في إعادة قراءته بعقل نقدي هادئ، يُدرك أن الدولة ليست مشروع خلاص، بل فضاء للتعايش وإدارة الاختلاف. فمأساة السودان الراهنة، بكل تعقيداتها، ليست نهاية المسار بقدر ما هي اختبار قاس لقدرة المجتمع على إعادة بناء عقده الاجتماعي خارج ثقل الأيديولوجيا، وفي اتجاه دولة أكثر اتساعاً من أي فكرة واحدة عن الحقيقة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم