ثمة مشاهد في التاريخ السياسي لا تغادر الذاكرة، لأنها تتحول مع مرور الزمن إلى مرآة تعكس تناقضات الحاضر. ومن بين تلك المشاهد، يبقى هتاف «بالكيماوي يا صدام.. من الخفجي للدمام» واحداً من أكثر الشعارات إثارة للجدل في ذاكرة السودانيين خلال حرب الخليج عام 1990. لم يكن الهتاف مجرد تعبير عن تأييد سياسي لصدام حسين، بل حمل في مضمونه قبولاً باستخدام سلاح محظور دولياً ضد المدنيين والعسكريين على حد سواء، وهو ما مثّل آنذاك صدمة أخلاقية وسياسية لكثيرين.
اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، يعود مصطلح “الكيماوي” إلى واجهة المشهد السوداني، ولكن في سياق مختلف تماماً. فالولايات المتحدة وجّهت اتهامات للجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية، مع الدعوة إلى تحقيقات دولية، وهي اتهامات ينفيها الجيش السوداني. وبغض النظر عما ستخلص إليه التحقيقات، فإن مجرد وصول السودان إلى هذه المرحلة يكشف حجم التدهور الذي أصاب الدولة وصورتها أمام المجتمع الدولي.
ما يلفت الانتباه ليس فقط التشابه في المفردات، وإنما المفارقة التاريخية التي تربط بين المشهدين. ففي الأمس كان هناك من يهتف مطالباً باستخدام السلاح الكيميائي خارج الحدود، باعتباره أداة مشروعة لتحقيق نصر سياسي أو عسكري. واليوم تجد الدولة نفسها في مواجهة اتهامات تتعلق بالسلاح نفسه داخل حدودها. إنها مفارقة تستحق التأمل، لأنها تعكس كيف يمكن أن تتحول الأفكار المتطرفة، إذا وجدت بيئة سياسية مناسبة، من مجرد شعارات إلى ممارسات أو إلى اتهامات ذات أبعاد دولية.
ولا يمكن قراءة هذه المفارقة بمعزل عن الإرث السياسي الذي تركته سنوات حكم الحركة الإسلامية. فخلال ثلاثة عقود، أعادت السلطة تشكيل مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، وفق مشروعها السياسي، وهو ما جعل كثيراً من المراقبين يرون أن الأيديولوجيا أصبحت جزءاً من بنية القرار العسكري والسياسي. ومن هذا المنظور، فإن الجدل الدائر اليوم لا يتعلق فقط بحادثة أو اتهام، وإنما بإرث كامل ما تزال البلاد تدفع ثمنه.
ومن المفارقات الأخرى أن الولايات المتحدة، التي كانت هدفاً دائماً للهتافات والخطابات التعبوية في التسعينيات، أصبحت اليوم تقود التحرك الدولي بشأن هذه القضية. وبين الأمس واليوم تبدلت المواقع، لكن السودان بقي أسيراً لأزمات متراكمة جعلته ينتقل من عزلة إلى أخرى، ومن مواجهة إلى مواجهة، بينما ظل المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر.
لقد دفع السودان ثمناً باهظاً لعزلته الدولية في التسعينيات، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو في علاقاته الإقليمية، وكانت آثار تلك المرحلة تمتد إلى حياة ملايين السودانيين في الداخل والخارج. واليوم، فإن أي اتهامات تتعلق باستخدام أسلحة محرمة دولياً، إذا ثبتت صحتها، قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الضغوط والعقوبات والعزلة، بما يحمله ذلك من تداعيات على مستقبل البلاد.
إن الدرس الأهم الذي ينبغي استحضاره هو أن الخطاب الذي يستخف بالقانون الدولي أو يبرر استخدام القوة بلا ضوابط لا يبقى مجرد خطاب إلى الأبد. فالأفكار، مهما بدت عابرة في لحظة الحماس، قد تتحول مع الزمن إلى ثقافة سياسية تؤثر في صناعة القرار، أو على الأقل تضع أصحابها في دائرة الشبهات عندما تقع الأزمات.
وبين هتاف الأمس واتهامات اليوم، يبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح: هل تعلّم السودان من دروس تاريخه، أم أنه ما زال يدور في الحلقة نفسها، حيث تتغير الوقائع وتبقى العقلية التي أنتجتها على حالها؟
دكتور حسام طه المجمر
dr.elmugamar@gmail.com
