.
.
طالعت اليوم في جدارية الصديق إبراهيم أبو بكر بالفيسبوك، أن بنك السودان قد أعلن عن سياسة جديدة للتعامل في شراء وبيع النقد الأجنبي.
.
بدا لي من خلال المنشورات المعنية، أن كافة حصائل الصادر، وكل التحاويل التي سيتم تداولها بالعملات الحرة مستقبلا عبر النظام المصرفي، سيقوم البنك بشرائها قسرا لصالح نافذة بنك السودان، بالسعر الرسمي السائد، بعد إضافة حافز، أو تعويض إذا ما أردنا أن نسمي الأشياء بأسمائها، يتم إعلان مقدار ذلك الحافز يوميا بمذكرة يصدرها بنك السودان، حيث تطبق كل يوم النسبة المعلنة في الأمسية السابقة للتداول.
.
بافتراض أن البنك المركزي سيسعي من خلال الحافز، لتقليل الشقة ما بين السعر الرسمي والسوق الموازي.. وأن هذا الحافز يتأرجح صعودا وهبوطا وفق احتياجات محفظة النقد الأجنبي .. كيف سيتسنى للمصدرين تقدير المخاطر ودراسة صفقاتهم والتنبؤ بقوائم الأرباح والخسائر، كما تعودوا أن يفعلوا قبل الدخول في إلتزامات تعاقدية يلزمهم إنفاذها مع العملاء بالأسواق الخارجية ؟. .
.
لقد خبر المصدرون كيف تتصرف أجهزة الدولة بالتحديد بنك السودان فيما يتعلق بسياسات سعر الصرف، في الأوقات التي يرتفع فيها الإحتياطي النقدي من العملات الحرة.. فقد بلغ الصلف واللامبالاة بالسلطات النقدية أيام النفط أن عزف البنك المركزي عن شراء حصائل العملات الحرة، وأعلن فوق ذلك أن حصائل الصادر الناتجة عن عمليات تم تمويلها من خلال إلتزامات بالعملة المحلية تجاه المصارف، غير مبرئة للذمة.
.
حول ذلك الإجراء المصدرين، وهم تحت طائلة إلتزاماتهم للمصارف، لضحايا في أسواق العملة فباعوا حصائلهم بأبخس أثمانها. السلطات النقدية حينما اتخذت ذلك القرار إنما كانت تفكر بعقل الديك وتري بعينيه ، ولم تدر أنها بذلك إنما تحفر بأظافرها لنفسها قبرا.. لم تفكر أبدا في مردود ذلك علي إحتياطيات النقد الأجنبي للبلاد علي المدي المتوسط والبعيد، ولم تأبه كذلك لما سببته من خسائر قاسية تجرعها المصدرون، القطاع الأكثر حيوية في الإقتصاد النقدي. لذلك فإن ذاكرة المصدرين الجمعية تحفل بالدمامل والجراح .
.
ما كان يحدث في الماضي وحتى لحظة صدور المنشور، هو أن المصدرين كانوا يقومون بدراسة تقديرات التكلفة والعائد من خلال متوسط سعر الدولار الناتج من 90% بالسعر الموازي، و 10% بالسعر الرسمي.. وهم يعلمون مسبقا، أن السوق الموازي يتناسب تناسبا طرديا مع عامل الزمن.. أي أن المقابل المحلي لعائد المصدر سيكون في وقت وصول الحصيلة في معظم الحالات أعلي منه لحظة تخطيط الدراسة ووضع إفتراضاتها.
.
لكن بموجب هذه الآلية المعلنة اليوم .. كيف يمكن للمصدر دراسة الأرباح والخسائر والتنبؤ بها قبل التعاقد خارجيا ؟.. علما بأن هناك فارق زمني لا يقل في العادة عن ستين يوما ما بين التعاقد والتحصيل.. يصدر فيها كل يوم قرار جديد يحدد مقدار الحافز.
.
لقد كان متاحا للمصدر من خلال اتجاهات الاحتياطي النقدي، وتقديرات عجز الميزان التجاري وميزان المدفوعات، التنبؤ بسلوك الطلب الفاعل علي العملات الأجنبية في السوق الموازي.. وبالتالي تقدير مخاطره بصورة أكثر دقة.. وذلك في غياب آلية رسمية في البلاد يمكن من خلالها تأمين تلك المخاطر (hedging against currency risk).. لكن من أين للمصدر، تحت ظل سياسة الحافز اليومي، أن يدري بتقلبات أمزجة متخذي القرار وذائقتهم.. حتي يقوم بالمغامرة بالتعاقد إعتمادا علي بصائرهم وحسن الظن بهم.
.
لابد أن يصاحب هذه الخطوة تعهد واضح بالحد الأدني لنسبة الحافز (irreducable minimum) خلال المدة المخططة لسريان هذا المنشور.. حتى تتاح الرؤية للمصدرين لإجراء إحتساب المخاطر بصورة واضحة جلية.. وإلا فستقتصر نوافذ التصدير علي البطانة والخواص الذين يطلعون علي مفاتح الغيب وأسراره دون من هم سواهم من العوام والسابلة.. ويؤول بذلك الصادر لما آل إليه الأمر في كافة شؤون البلاد.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم