موت الترابى… الاسئلة الصعبة: (او فى بوربون السودان) .. بقلم: محمد عثمان (دريج)


توقف الجسد: من الأن فصاعدا سيبدأ عمل الذاكرة!!

تباينت داخل الاوساط السودانية ردود الافعال الاولية لخبر موت الترابى (حسن عبدالله الترابى) المفاجئ (5مارس 2016). البعض دفع بهم عنف الموت (هذه الظاهرة الوجودية العنيفة) للارتطام فى احضان الخطاب الدينى (ذات الموقع الذى بنى عليه الترابى جل افكاره) و اخذ بمقولة “اذكروا محاسن موتاكم”فترحم على الميت و طلب من الله ان يغفر له و يدخله فسيح جناته,…إلخ‘ و هناك من صب جام غضبه على الميت و اعتبره مسئولا عن كل ما حل بالسودان من فساد و قهر وإقصاء خاصة مع الحكومة الحالية التى شارك الميت بأفكاره و افعاله فى هندستها و اخراجها إلى العالم. فبالنسبة لهؤلاء فأن الميت مجرم ولا يستحق منا اية شفقة و لذا تقدم البعض بطلب مباشر إلى الله يسأله ان يضيق عليه قبره و يعذبه‘ …الخ ألخ, و هناك من تحسر على هذا الإختفاء المفاجئ للميت, هذا الاختفاء الذى مكنه, بحسب هؤلاء, من الهروب من “محاسبة/عدالةمرتجاة” متخيلة, إلخ إلخ إلخ!

الشاهد ان الكل هنا ينظر الى “افكار الترابى” و كانها تسكن جسده (ذلك الجسد الذى ألصقت السياسة السودانية عليه الكثير من مراراتها و تهكمها)!ولكن لان الافكار كائنات إجتماعية/مجتمعية فإن البحث عن كنهها و مصادرها يجب أن يكون فى الشروط التاريخية الاجتماعية والسياسة و الاقتصادية المحلية و الاقليمية و الدولية التى ادت إلى ظهورها و ازدهارها و ليس جسد الاشخاص… اى من اين استمد الترابى تلك الافكار و كيف إستطاع نشرها و كيف و لماذا لاقت تلك الافكار قبول الكثيرين و بخاصة فى اوساط طبقة الافندية(العاملون فى حقل إنتاج المعانى و نشرها) إلخ إلخ إلخ!

لقد انتشرت افكار الترابى و ترعرعت و تخلخلت النسيج السودانى السياسى و الاجتماعى و الاثنى و الثقافى و ضمت فى عضويتها من جميع تشكيلات السودان الاجتماعية والطبقية.. السؤال لماذا؟

الذين لم ينظروا إلى تلك الافكار ابعد من جسد الميت (الذى دعوا له بالعذاب أو المغفرة) سيتفاجأ هؤلاء بعد مائة عام ان تلك الافكار لا تزل تمشى فى الشوارع و الجامعات و الحدائق العامة, …! و لان الافكار تتناسل و تاخذ إستقلاليتها فى كل مرحلة‘ يبقى السؤال هو اين حدود أفكار الترابى و إلى اى مدى يصبح الميت مسؤلا عن كل ما يُنسب لتلك الافكار؟

افكار الترابى ليست كائنات يمكن تمييزها بسهولة عن غيرها لكونها قد دخلت و تداخلت فى ومع الكثيرمن الافكار و فى ممارسات حياة الناس اليومية فى السودان بوعى منها أو بغير ذلك و انها‘ اى تلك الافكار‘ جاءت من نفس المرجعية/المحكية الكُبرى التى يستمد “غالبية” اهل السودان رؤاهم و نظرتهم إلى الوجود و الكون من فضاءاتها الدلالية‘ و لذا فالذين يرون ان تلك الافكار منسوبة بالشمول إلى الترابى‘ نقول لهم فى هذه الحالة لا تطعنوا الظل و تتركوا الفيل!!

فشل مشروع الدولة السودانية و من ثم مشروع الامة السودانية لا يمكن نسبته باى حال من الاحوال إلى افكار الاشخاص أو حتى المجموعات فقط كافكار مجردة من سياقاتها التاريخية و الاجتماعية و بخاصة الطبيعة الكولونيالية و ما بعدها و صفوتها “الوطنية” الهشة و التى كانت و لا تزل تفتقر إلى إرادة وخيال سياسى يتجاوز مصالحها الشخصية الضيقة.

و للحق نقول ان الصراع السياسى فى السودان لم يكن يوماً صراعا من اجل العدالة او الرفاه الاجتماعى اوالمجتمعى او المشاركة السياسية (إلا فى حدود الدعاية السياسية) بقدر ما هو صراع من اجل السلطة تستوى فى ذلك الحكومة و المعارضة “ام كلاشنكوف” و “ام كلام” و تلك هى سمات دولة ما بعد الكولونيالية من حيث كونها آلية للنهب بالقوة و بأقل تكاليق ممكنة (تُقرأ “لا تنمية”)!

و إذا كنا سنحاكم حالة الفساد المستشرية الآن فى السودان وفق متخيل “افكار الترابى” على إعتبار انها “الشذوذ” و ليست “القاعدة” يجب الا ننسىفى ذات الوقت ان نسأل انفسنا: لماذا لم تستطع أفكار و افعال “القاعدة” ما قبل يونيو 29 ان تتصدى لافكار الترابى و تهزمها فى مهدها؟ لماذا لم تستطع أفكار “القاعدة” ان تنتصر خلال الخمسة و عشرين عاما بعد صعود “دولة افكار الترابى” إلى سدة الحكم و العبث غير المحدود بإمكانيات و ممكنات السودان؟ يقيننا ان موت الترابى سيقود عمل الذاكرة إلى طرح العديد والمزيد من الاسئلة الصعبة و العصية وعلى الحادبين على امر السودان لابد من مواجهة هذه الاسئلة و التعامل معها بصدق وشفافية و مسئولية كاملة حيث لا يوجد طريق أخر لسودان مستقبلى ممكن بمعزل عن التعامل و التعاطى معهذه الاسئلة. وإلا فسيكون امرُنا مشابه لامر شعب البربون: لم ننسى شيئاً و لم نتعلم شيئاً. ها قد مات الترابى و توارى الجسد الثرى لكن افكاره ستبقى فى طرقاتنا و احلامنا و كذلك سيبدأ عمل الذاكرة!

مارس 2016

zalingy@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً