ميزان الحكمة .. بقلم: الطاهر صالح
29 أبريل, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
28 زيارة
بسم الله الرحمن الرحيم
وأنذر النّاس ……..
عجيبٌ أمر نظام الإنقاذ جاء عنوة واقتداراً يحمل فكراً آحاديّاً يظنّ فيه خلاص البشريّة قاطبة، ولم يأبه بالمعارضين، فشقّ النّاس كما تشقّ البطّيخة بالسكّين حتى سال دمها، ثمَّ شقَّ الوطن برعونته والآن يسعى لتجميع شتات الوطن والنّاس بنفس الفكر والرعونة وقلّة الحيلة؟.
تحوّلت الدّولة من ضيعة لعصبة كبيرة لضيعة لعصبة قليلة، وانتهت كضيعة لرجل واحد حظّه من الفهم مثل حظّ الفراش الذى لا يرى ناراً إلا ويرمى نفسه فيها مرّةً بعد أخرى ظانّاً فيها الخلاص، لا يتعلّم ولا يُفيق غافلاً عن هلاكه المحتوم وهلاك من معه.
دُعيت للقاء جمع من أبناء وبنات الوطن الحادبين على عافيته، وهم يظُنّون خيراً فى بضاعتى وما لى أنا ونصح الآخرين وأنا أقلّهم نصحاً لنفسى وأقلّهم انشغالاً بإصلاحها لو كانوا يعلمون. رأيتهم كالحديقة ذات الأشجار والورود والأزهار، البعض امتصّ الزّمن رحيق الحياة من وجوههم فى انتظار ما لا يبدو حتّى رسمه فى الذهن وقد طال بهم الانتظار. عيونٌ ثقيلة بالحزن وأمكر حالات الحزن هى التى تبكى فيها فقد نفسك وأنت نصف ميّت ونصف حىٍّ لا تُرجع مجداً زال ولا تملك أملاً ذا بال.
اللغة أصناف شتّى، والأطفال ترى فيهم مستقبلاً مُشتهى وتأسى لحالهم إذ يغيب رسم ذلك المستقبل فلا تراهم إلا بعين الحاضر مبثوثين فى أرجاء المعمورة والمهجورة كشتات اليهود.
أمّا الشباب فحماسٌ بيّنٌ، وأملٌ متّقدٌ، وأفكار متشعّبةٌ، وقائد غائبٌ، يظنّون خيراً فى آبائهم وأمّهاتهم ولكن الوفاض خالٍ والوطن لا ينتظر.
فهل من قائد يخاطر ولا يضنّ على شعبه بحياته وفكره وأهمّ من ذلك يزرع الأمل فى صحراء تيههم مثل الواحة النضيرة فيروى النّفوس بعد ذبولها ويبعث الأرواح من مواتها؟
تحدّثنا فى ساس يسوس وندبنا حظّنا وحظّ السودان ولعنّا سادته الجُدد ثمّ تلفّعنا بثوبىّْ العجز والغضب العارم.
قالت امرأة حكيمة، ذكّرتنى بخالتى سمتاً وصمتاً واقتصاداً فى الحديث، أنّنا فى شتاتنا نضنّ بحياتنا ومن يضنّ بحياته لا يستحق أن يحلم لأنّ للحلم ثمن كلّنا نتوقّع أحداً غيرنا ليدفعه.
جاوبها رجل على ما ظننته زوجها أو قريبها: وهل تركوا لنا حياة لنضنّ بها؟ إنّ القبر أرحم ممّا نحن فيه، وما هى الحياة؟ أهى أنفاس تنزل وتطلع وأدوية للسكّرى والضغط وفراغ لا يملؤه شىء؟
كان طعم الحقد فى فمه مُرّاً حتى كدنا أن نستطعمه، وهمس لى رجل جلس على يسارى أنّ هذا الرجل فقد وظيفته فى مذبحة ما يُسمّى بالصالح العام وقد كان بين أهله وربعه ملء السمع والبصر. عجبت لاستخدام الرجل لكلمة مذبحة ولكّنى علمت مؤخّراً أنّه أيضاً كان من الضحايا مهزلة الصالح العام، وحزنت لأمره لأنّه بدا لى رجلاً مهذّباً وأنيقاً ومُثقّفاً يعجبه أمير الشعراء المتنبّى ومن المُحدثين محمود درويش، ولا بُدّ وأنّ له ماضٍ مع الحسان ذا صولات وجولات.
ولم لا نُسميها مذبحة أو حتّى تطهير عقائدى بدلاً من تطهير عرقى ولا كبير خلاف بينهما، وقد قال جدودنا: قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق، وخاصّة إذا كانت باسم الدّين الذى حكم بالعدل بين النّاس ودعا لحكم العدل والفضل؟
أين هو هذا الصالح العام الآن يا تُرى؟ فقد تفلّتت نياقهم كلٌّ يركض خلف متمرّدة أو عاصية، وعلا غبارهم فاقتحم أنظارهم وعمُوا عن الحقّ المُبين، وصمّوا عن النّصح الأمين، فاختلطت أفكارهم لا يدرون كيف دخلوا فى هذه المتاهة وقد ظنّوا أنفسهم مستبصرين، ولا كيف يخرجون منها، يحسبون كلّ صيحة عليهم. إنّ ما أراه ماثلاً هو الطالح العام والنّهب الزؤام،حيث ساد الجشع، ومات الضّمير، وصارت كلّ نفسٍ تقول نفسى نفسى.
قال قائل من القوم: أظنّ أنّ أفضل طريق للأمام هو أن نتعامل بمذهب الأمر الواقع فنوافق على خروج الرئيس من السودان ونُعطيه ضمانات بعدم محاكمته وبذلك نشترى وطننا منه. قاطعه الرجل الأوّل، ودعونا نُسميه محمّد أحمد، ومن أنت حتّى تُعطى ما لا تملك لمن لا يملك؟ والله إنّه لن ينفذ بجلده ولا حتى أهله الفاسدين.
قالت المرأة الحكيمة: إنّ المشكلة الحقيقية ليست فى الرئيس ولكن فى أمّه وأخواته وأخوانه الذين هو بمثابة الأب لهم ولن يتركهم وراءه وحتى أنا لو كنت مكانه فلن أفعل.
صاح فيها زوجها أو قريبها: أتعنين أن يخرج ورهطه أيضاً؟ وأين حقوقنا؟ لا تقولى لى أن يذهبوا بكلّ الأموال التى جمعوها بالحرام؟ والله إنّ هذه قسمة ضيزى.
ردّت المرأة: الفشّ غبينته هدّ مدينته. قرأت ذلك فى مذكرّات الشيخ بابكر بدرى عن الإمام محمّد أحمد المهدى. هل كان ذلك محض مصادفة أن نُسمى المواطن السودانى محمد أحمد وإسم الإمام المهدى محمّد أحمد أيضاً؟
واصلت المرأة الوقورة:
“إنّنا شعب أو قل شعوب متشاكسة لا تتّفق على أدنى شىء، وكلّنا يظن امتلاكه للحقيقة وامتيازه على غيره، فحتّى لو أخلى الرئيس كرسيّه اليوم فمن الذى سيخلفه؟ وما هى برامجه ومشاريعه ورؤيته؟ لقد سئمنا من نفس الوجوه والشعارات، الشعارات لن تشيد وطناً. عجبت أنّها لم تقل ماهى خياراته أو خياراتها كأنّها لم يطف بذهنها أنّ الباب أيضاً مفتوح لبنات الوطن كما هو مفتوح لأبنائه.
علمت لاحقاً أنّها تحصّلت على شهادة الدكتوراة من جامعة عريقة فى بلاد الأنجلوساكسون، وفقدت وظيفتها فى جامعة بلادها على ندرة تخصّصها والعروض المغرية التى تلقّتها فى الخارج، وقد كانت راهبة علم لا شأن لها بالسياسة وأمورها، ولكنّها ذات مبادىء لا ترضى الضيم، ومتواضعة لا تُبدى سموّ مركزها ولا تتفاخر بعلمها، وهل يحتاج الذّهب أن يقول أنا ذهب؟
أقول لكم لقد أعجبتنى هذه السيدة العظيمة الفاضلة الحكيمة. أما كان أجدى لوطنها لو أنّها رعت شبابه وفتّحت مواهبهم وأورثهم الفهم والحكمة بدلاً من غربةٍ أثقلتها بالأحزان ووأدت مواهبها وعطاءها؟ أقول لكم والله لو أنّها أنشأت حزباً ودعتنى له لما تردّدت طرفة عين وأنا الذى لا ناقة له ولا جمل فى شأن السياسة، فأنا قلم حرٌّ لا يرى إلّا ما يرى. ولو سألونى أن أختار من ذلك الجمع من يقود ركبنا ويُخرجنا من غيابة الجُبِّ لما تردّدت فى اختيارها.
تخيّلتها رئيسة للسودان بمنطقها السليم، وعلمها الصائب، وحجّتها النّاصعة، وحكمتها الظاهرة، وقلت أما كان سيكون حظّ السودان أفضل لو أنّها كانت على رأس قومها أكثر من عاطلى العلم والموهبة والمهارة والخبرة من الرجال؟ ولكن هو حظّ السودان الذى لا يبدو أنّه فى طريقه للتغيير. عجيب أمر هذا البلد حُمُقٌ رجاله حكيمة نساؤه.
ليتهم سمعوا وصيّة أمير المؤمنين على بن أبى طالب كرّم الله وجهه:
اختر للحكم بين النّاس أفضل رعيّتك فى نفسك، ممّن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى فى الزلّة، ولا يحصر من الفىء إلى الحقّ إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفى بأدنى فهم دون أقصاه، وأوقفهم فى الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلّهم تبرّماً بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشّف الأمور، وأصرمهم عند اتّضاح الحكم، ممّن لا يزدهيه إطراء، ولا يستميله إغراء، وأولئك قليل، ثمّ أكثر تعاهد قضائه.
وأيم الله لا أرى فى زمرة الإنقاذ من ينجح فى وصفٍ واحدٍ أو معيارٍ واحدٍ، كما يقول أهل العلم، ممّا ذكر أمير المؤمنين، فأجدر لهم أن لا يواصلوا العَمَهَ والتّيه يترددّون، ثمّ يدافعون عن أنفسهم أنْ كنّا نعمل حُسناً بنيّاتنا فالطريق إلى جهنّم مفروش بالنّوايا الحسنة.
وترانى أينما تلفّتُّ لا أرى فيهم إلّا متكبّراً وطاغية وطاغوتاً، ومتجبّراً فظّاً، غليظ الخلق، مزهوٌّ بذكائه، بذىء اللسان، جامد الحسّ، صلب القلب، كذوب الوعد، خؤون للعهد، خؤور عند النّوازل، ضيّق الأفق، قليل الفهم، مُشوّش الفكر، ضنين بالرحمة والعافية التى وعدوا النّاس بها من الجهل والمرض والمسغبة، ما أغربهم لكأنّما أمّهاتهم أرضعنهم الحقد والشره والأنانية. أشربوا من مياهنا وأكلوا الكسرة والملاح وطايبوا وعايدوا وبشّروا وشيّعوا مثلنا؟ فمن أين أتتهم رذائل الأخلاق؟
فأولى لهم أن يرجعوا إلى أهلهم، لا مشكورين، ومستغفرين ومصلحين لما ألحقوه بالبلاد والعباد من دمار لعلّ شعوب السودان، بعد الله سبحانه وتعالى، تجد فى قلبها ذرّة من إحسان فتعفو عنهم كما عفت من قبل، وذلك قبل أن تقع الواقعة، وإلّا فسيأسفون على يومٍ كان لهم الخيرة فيه من أمرهم، ويلعنون يوماً مهطعين مقنعى رؤوسهم لا يرتدّ إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء.
tahirsalih@hushmail.com