مَهُوْلَةْ (2)- أبْ لِحَايّة، قصصٌ مِنْ التُّراثْ السُّودانَي- الحَلَقَةُ السَّابِعَةُ والأرْبَعُوُنْ .. جَمْعُ وإِعدَادُ/ عَادِل سِيد أَحمَد.
13 أبريل, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
29 زيارة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
– الرِّوايَة الثَّانِيَة:
ذهبت (مَهُوْلَةْ)، مع البنات، للاحتطاب في الخلاء، وجلب الواقود، وهناك، هبّت عليهن هَبُوبٌ بيضاءٌ، فأمسكت البنات بالشجر، خوفاً، ورهبة, إلا مَهُوْلَةْ، فإنها لم تجد أي شجرة تتمسَّك بها، فصاحت بالهَبُوُبْ :
– الله لي منِّك!
فردت عليها الهَبُوُبُ:
– الله ليك من الوراي !
ثم هبّت هبوبٌ حمراءٌ، عاتيةٌ، فصاحت مَهُوْلَةُ، مُتوسِلةً منها بالله:
– الله لي منِّك!
فقالت الهَبُوُبُ:
– الله ليك من الوراي! .
ثم هبت هبوبٌ صرصرٌ، سوداءٌ، ومعها دخانٌ كثيفٌ، فقالت مَهُوْلَةٌ وهي جزعةٌ منها:
– الله لي منِّك!
فردت الهَبُوُبُ:
– الله ليك من الفيني !
ثم انقشعت الهَبُوُبُ، ليظهر، من داخلها، (غُوُلٌ) ضخمٌ، ومخيفٌ، أمسك (بمَهُوْلَةْ) الجميلة، وانطلق بها إلى مغارته، المدلهمة، المظلمة، وكانت مع مهولة طيرةٌ، لازمتها منذ أن قبضها الغُوُلْ، وعندما أدخلها المغارة، وهناك، في المغارة، ربطها بسلكٍ قَوِي إلى حجرٍ مصمتٍ كبير، وفي المغارة، علمت مَهُوْلَةْ، من فورها، إن الغُوُلَ ينامُ شهراً، و يصحُو دهراً!
وأرسلت مَهُوْلَةْ الطيرة لأبيها، واوصتها أن تقول له في الزراعة:
– يا أبا مَهُوْلَةْ،
مَهُوْلَةْ مربُوطة…
في حجر السِيْلكُوكَة
تبكي الدُّمُوع الرُّوُكَة
ولكن الأب لم يعر حديث الطيرة أدنى إهتمام، وطردها من أمامه، وقال لها:
– لقد نسينا أمر مهولة، ونسينا أحزانَنا، فلا تُجددِّيها علينا!
وعادت الطيرة خائبة إلى مَهُوْلَةْ، فأرسلتها إلى أخيها مَحَمَّد، فقالت له الطيرة، وهو يحتطب:
– يا مَحَمَّد!
أخا مَهُوْلَةْ
مَهُوْلَةْ مربُوطة…
في حجر السِيْلكُوكَة
تبكي الدُّمُوع الرُّوُكَة
فانتهرها محمدٌ، بدورهِ، وفلعها ، رافضا أن تجدد الطيرة له أحزانه، هو الآخر، وتذكره بأخته الحبيبة، مَهُوْلَةْ، وعادت الطيرة، خائبةً للمرة الثانية، إلى مَهُوْلَةْ، فقالت لها:
– اذهبي إلى خطيبي، وابن عمي مَحَمَّد، فانه، بلا شك، سيسمع كلامك.
فقالت له الطيرة :
– يا مَحَمَّد!
يا خطيب مَهُوْلَةْ
مَهُوْلَةْ مربُوطة…
في حجر السِيْلكُوكَة
تبكي الدُّمُوع الرُّوُكَة
وحمل مَحَمَّد سيفه، وعتاد حربِه، وامتطى جمله، وانطلق، خلف الطيرة، نحو مغارة الغُوُلْ، وهناك، وقريباً من المغارة، انتظر محمدٌ حتى نام الغُوُلْ، فقام بتفكيك قيود (مَهُوْلَةْ)، وتحريرها، وهرب بها، عائداً إلى الديار فوق ظهر الجمل.
أما في مغارة الغول، فقد صاحت الأواني، تتطايرت، وهي تقول للغول النائم:
– يا البتنُوملك شهر
يا البتحسلك دهر،
نوراة البيت شالوها!
واستيقظ الغُوُلْ، على إثر هذا الضجيج، وانطلق في أثر مَهُوْلَةْ، وابن عمها، وخطيبها مَحَمَّد.
ويسأل مَحَمَّدٌ (مَهُوْلَةْ):
– ماذا ترين في الخلف؟
فتجيبه مهولة:
– أرى عاصفةً بيضاء.
فيسرع مَحَمَّد قليلاً، ثم يسألها:
– ماذا ترين في الخلف؟
فتجيبه مَهُوْلَةْ:
– هبوبٌ، حمراءٌ قانية.
فيضاعف من سرعته، ثم يسألها:
– والآن، ماذا ترين في الخلف؟
فتجيبه مهولة:
– هبوبٌ، سوداءٌ، فيها نارٌ، وَ دُخَان.
فيتيقن مَحَمَّدٌ أن الغُوُلَ قد لحق بهما، وما هو إلا وقتٌ وجيزٌ ، حتى يظهر، ويقطع الطريق عليهما، ويعيقهما عن إتمام زواجهما، كما تمنَّيَاهُو!
وما أن يراه مَحَمَّدٌ حتى يطلب من مَهُوْلَةْ أن تنطلق بالجمل، لوحدها، أمامه نحو الديار، ويركز هو ويقف ليقاتل الغُوُلْ بمفرده، بما عُهد عنه من جسارةٍ وثبات!
وفعلاً وصل الغُوُلُ إلى حيثُ يقف مَحَمَّدٌ، وبدأ مَحَمَّدٌ في قتاله حتى أُنهِك، وأخذ منه التعبُ مأخذاً شديداً، ولكن، و لحسن حظه، مرَّت بهم، في تلك اللحظات العصيبة، قافلةٌ من الجلابة، ونهضت كلهامع محمد لقتال الغُوُلْ، حتى هزمته، وقيدته، ثم أعطته لمَحَمَّد الشجاع أسيراً لا يستطيع فكاكاً…
فسحبه مَحَمَّدٌ إلى الديار، وهو يرفل في قيده، وهناك طوَّبَهُ ، فبنى حوله سبعة أسوارٍ، وقيده بسبعةِ أسلاكٍ متينة!
وأسكن مَهُوْلَةْ في السور السابع.
واطمأنَ مَحَمَّدٌ لعجز الغُوُلِ عن الفكاك، وأنه لن يقدر أن يناتل القيودَ السبعة، ولن يستطيع اختراق الجُّدُر كلها!
وعليه، فقد صار يروح في صباح كل يومٍ إلى عمله، كالمعتاد، وباطمئنان.
وبعدَ فترةٍ، وبعدما شعر الغُوُلُ بخلو الدار من البشر، وتأكد من أن مَهُوْلَةْ وحدها، قطع سلسلاً كان سهلاً عليه، وكسر باباً لم يصمد أمامه، وقال لمَهُوْلَةْ:
– مَهُوْلَةْ!
عَطشَانِي؟
جِيْعَانِي؟
حَفْيَانِي ؟
عِرْيَانِي؟
أنَا الغُوُلْ، جِيْتِك.
فتصرخ مَهُوْلَةْ، فيقطع الغُوُلْ سلسلاً إضافياً، ويكسر باباً آخراً، ويكرر تهديده لها:
– مَهُوْلَةْ!
عَطشَانِي؟
جِيْعَانِي؟
حَفْيَانِي؟
عِرْيَانِي؟
أنَا الغُوُلْ، جِيْتِك.
وطارت الطيرة، بعد أن رأت كل ذلك، إلى مَحَمَّدٍ، وأخبرته بأن مَهُوْلَةً تواجِهُ خطرَ الغُوُلِ الدَّاهِم، لوحدها في الدار!
ولما حضرَ مَحَمَّدٌ إلى الدار، وجد أن ما تبقى من قيد الغُوُلْ هو السلك الأخير، حتى يتحرر من أسره، و يهجم على زوجته المُستقبليَّة الجميلة (مَهُوْلَةْ).
ومن فوره، استل سيفه، وقطع رأس الغُوُلْ، ولكن الغُوُل أخرجَ رأساً ثانيةً، وقال لمَحَمَّد:
– إنت قايل ياهو دة راسي؟
فأجابه (مَحَمَّد):
– إنت قايل ياهو دة قطع سيفي؟
وظلا هكذا، كلما يُخرج الغُوُلْ رأسا، يقطعها (مَحَمَّدٌ) بسيفه.
إلى أن أستطاع محمدٌ قطع رؤوس الغُوُلْ، جميعها، و كان عددُها سبعةٌ!
ثم حفر (مَحَمَّدٌ) حفرةً كبيرةً، وارى فيها جسد الغُوُلْ الهامد، ثم دفن الحفرة ودككها، فاستطاع، بعدئذٍ، أن يفتح الدار، لا يخاف من شيء.
ما هو إلا زمن وجيز، حتى بلغ الاطمئنان، والراحة، بمَحَمَّدٍ و مَهُوْلَةْ، مبلغاً كبيراً، فتزوجا، وإقيمت المراسم وسط أغاني، وأهازيج الفرح، وتهاني، وأمنيات الأقاربِ، والأحباب!