زهير عثمان
لم يكن رحيل مُزن النيل نبأً عابرًا في سجل الحزن السوداني المتراكم، بل كان انطفاءً لضوءٍ كان يضيء زاويةً ضيقة في جدار اليأس العظيم , و إنه سقوطُ راهنةٍ عصرية، راهنةٍ حاولت، بعناد المحبين، أن تُخرج الفكرة من سجن التجريد
إلى وهج السلوك، وأن تحوّل الموقف النظري إلى سيرة ذاتية تنبض
تأخرت عن البكاء كتابةً… ليس لأن الكلمات شحيحة، بل لأن الفجيعة كانت أفصح من كل البلاغات، ولأن الرثاء حين يكون لصاحبةِ فكرة، يصبح أشبه بتشييع معنى لا جسد
مُزن لم تكن باحثةً في السياسات الصناعية فقط، ولا كاتبةً تنشغل بتلابيب الاقتصاد. كانت شيئًا أشدّ إيلامًا في تعريفه , إنسانة قررت أن تعيش تناقضاتها حتى النخاع، أن تكون أيديولوجية دون أن تفقد براءة السؤال، وأن تنحاز للحلم دون أن تساوم على مرارة الواقع
في زمن صار فيه الاختلاف استباحةً للآخر، أتقنت مُزن فنَّ الخلاف الأخلاقي. كانت تجادل كمن يدافع عن حقيقة لا عن غرور، وتشتبك كمن يبحث عن نور لا عن نصر. لم تسقط خصمها من ميزان الإنسانية، وهذه، في ثقافتنا السياسية المهترئة، معجزة كمعجزات
الأنبياء
كانت اشتراكية… لكن ليس اشتراكية الكتب والمكاتب، بل اشتراكية الحواري والأسواق. اشتراكية تنحاز للضعفاء كما ينحاز النيل لجذوره، وللنساء كما تنحاز الريح للحبوب، وللمهمشين كما تنحاز الذاكرة للأماكن التي هُجّرت
كانت ترى في العدالة الاجتماعية واجبًا يوميًا لا شعارًا انتخابيًا، وكانت تؤمن أن الفكر إن لم يلطخ يديه بغبار الناس، فهو ترف بارد لا يستحق أن يُدافع عنه بالدمع
الأكثر قسوة في رحيلها… ذلك المزج النادر بين حداثة الفكر وقداسة القلب. كانت تكتب عن السياسات الصناعية ببرودة المهندس، ثم تبكي على عامل أُحرقت أصابعه في فرن مهمل
تشتغل على نماذج التنمية بتعقيد الفلاسفة، لكن روحها كانت بسيطة كالماء: ترى الألم عاريًا دون تأويل، وتسمع الصرخة جرداء دون تنظير
لم تكن مُزن “مسالمة” بالمعنى الرخو للكلمة. لا. كانت صلبة كصخر، حادة كسيف، واضحة كشمس الظهيرة
لكنها في قلب هذه الصلابة، كانت تحمل أخلاقًا عالية: أخلاق من يوقن أن اليقين إذا تحول إلى قسوة، فقد قتل صاحبه قبل أن يقتل عدوه
وهذا هو الامتحان الأصعب لأي صاحب قضية ألا يتحول نضاله إلى كراهية، وألا يتحول حلمه إلى طغيان
مُزن نجحت في هذا الامتحان… نجحت حدّ أن جعلت من يختلف معها يبكيها اليوم
في زمن الحرب السودانية الراهنة – حيث تتحول الهويات إلى خنادق، والقضايا إلى متاريس – اختارت مُزن أن تبحث عن “الموقف الجماهيري” لا الاصطفاف المريح
لم تركض خلف الإجابات الجاهزة، بل بقيت تسأل، تُقلق، تعيد التفكير… وكأنها كانت تعرف أن أخطر ما يهدد الشعوب ليس أعداءها، بل يقينها الأعمى، وأن السؤال الحر هو آخر ما يموت في الإنسان
رحلت مُزن #
لكن السؤال الذي تتركه في خاصرتنا ليس ماذا كتبت؟ بل كيف عاشت؟ كيف استطاعت أن تجمع بين الفكر والسلوك، بين النظرية والبكاء، بين الثورة والرقة؟ كيف نجحت في أن تكون حادة دون أن تكون جارحة، واضحة دون أن تكون مبتذلة؟
هذا هو إرثها الحقيقي. ليس ما تركته من أوراق، بل الطريقة التي عاشت بها تناقضاتها. قد يختلف الناس معها، قد يناقشون أفكارها، قد ينتقدون مواقفها…
لكن يصعب إنكار شيء واحد أنها كانت صادقة. والصادقون في زمننا هذا – زمن النفاق المسلح والبروباغندا المقدسة – ليسوا أحرارًا فقط، بل هم شهداء بانتظار الرثاء
سلامًا على روحٍ لم تهادن، لم تساوم، لم تبع يقينها بثمن بارد , سلامًا على من حاولت، بقدر ما تستطيع إنسانة منهكة، أن تظل عمودية في زمن أفقي، حية في زمن تتربع فيه الموتى على كراسي السلطة
سلامًا على مُزن النيل… حيث لا حاجة الآن للجدال، ولا خوف من أن تخون الفكرة صاحبها
هناك، في حيث لا الحرب ولا السلم، تتحول كل كلماتها إلى ضوءٍ بارد يضيء لمن يعرف كيف يقرأ.
zuhair.osman@aol.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم