مُهدداتُ الأمنِ القوميِّ.. وتصريحاتُ “شهد شاهدٌ من أهلها”. بقلم: إمام محمد إمام

تناقلت وكالاتُ الأنباء، مطالبة الحكومة السودانية نظيرتها المصرية بنشر قواتٍ مشتركةٍ بين السودان ومصر لصد محاولات تهريب السلاح، والخطر الذي يهدد البلدين، مؤكدةً وجود عصابات داخل السودان أشد خطورة من تنظيم “داعش”. لم تصدق المواقع الإسفيرية تداول وكالات الأنباء هذا الخبر، فسارعت إلى نشر التعليقات والتحليلات عن مثل هذه التصريحات الصحافية، وتداعياتها على علائق السودان الخارجية. ولم يكن هذا الخبر الخطير إلا تصريحاً صحافياً نُقل عن القائم بأعمال القنصل السوداني في أسوان. على الرغم من أن مثل هذه الأخبار التي تُشكل تهديداً للأمن القومي، وتكون تداعياتها مهدداً مباشراً على مسارات علائق السودان بالكثير من دول العالم، لا سيما تلكم الدول التي في كثيرٍ من الأحايين تتهم السودان بأنه موئلٌ للإرهاب، ومأوى للإرهابيين.
وأحسبُ أن عبد الرحيم سر الختم القائم بأعمال القنصل السوداني في أسوان، الذي أدلى بتصريح صحافي خطير، قال فيه: “طلبنا من الجانب المصري نشر قوات مشتركة بين مصر والسودان، لصد محاولات تهريب السلاح والخطر بين البلدين”، مشيراً إلى “وجود عصابات داخل السودان أشد خطورة من تنظيم “داعش”، وهي تدرب أعضاءها في سن مبكرة على استخدام السلاح”. الناظر إلى مثل هذه التصريحات الصحافية، لا يحتاج إلى كثيرِ عناءٍ لمعرفة كيف تستغل الجهات المُعادية مثل هذه التصريحات الصحافية الخطيرة التي تجعلهم يقولون دون أي تردد، عندما يسمعون مثل هذه الأقاويل، و”شهدَ شاهدٌ من أهلِها”، أيّ أن في السودان مجموعات أو عصابات إرهابية، تتدرب على السلاح، إضافةً إلى انشغالها بتهريب الأسلحة بين الدول، مما يُعطي إسرائيلَ مبرراً لشنِّ بعض الاعتداءات على مدن ومواقع سودانية، كما حدث في بورتسودان، استهداف سيارتي “السوناتا” و”البرادو”، ومصنع “اليرموك” بالخرطوم، وقبل ذلك استهداف مصنع “الشفاء” للأدوية في أغسطس 1998. بينما يُدلي مثل هؤلاء المسؤولين بتصريحات صحافية دون أن يطرف لهم جفنٌ في إطلاقها، أو التفكير في تداعياتها، ويتحمل الشعب السوداني بأسره مثلَ هذه التصريحات الصحافية غير المنضبطة، والتي ينبغي أن تُجري حولها تحقيقات ومحاسبة رادعة؛ لأن خطرها غير قاصر على مطلقها.
وأكبر الظن عندي, أن بعض المسؤولين يظنُّ – وإنّ بعضَ الظنِّ إثمٌ – أن تصريحاته الصحافية غير المنضبطة هذه، قاصرةٌ على الوسائط الصحافية والإعلامية المحلية، ولا يدري هذا المسؤول – هداه الله – أن بالسفارات الأجنبية أقسامٌ مهمتها متابعة الوسائط الصحافية والإعلامية على مدار الساعة، إضافةً إلى جهود مُضنية أخرى في متابعة مجالس المؤانسة وسط المسؤولين، ولدى عامة الناس.
من هنا أن مثل هذه التصريحات الصحافية، تصل أحياناً – قبل أن يجف مدادها – إلى الأجهزة المعنية في كثير من دول العالم، خاصة دول الغرب الذي يخصص أجهزة، ويرصد أموالاً لمتابعة ومراقبة ما يُسميه بالنشاط الإرهابي في بعض الدول المتهمة برعاية الإرهاب، وللأسف السودان من هذه الدول. فلا ريب أن هذه الأجهزة تكون قد رصدت التصريحات الصحافية لهذا القنصل – هداه الله – وتعمل على تدابير لمواجهة هذه الأخطار، بحُجية أن معلوماتٍ وصلتها دون كثيرِ عناءٍ، ومن مصادر تعتقد أنها أقرب إلى الحكومة السودانية من حبل الوريد.
أخلصُ إلى أن وزارة الخارجية مطالبة اليوم قبل الغد، بمحاسبة منسوبيها الذين يطلقون العنان لتصريحات صحافية غير منضبطة، دون إدراك مغبة كُنهها، أو معرفة تداعياتها على مسارات علائق السودان بدول العالم، خاصةً تلك التي تجعل من قضايا الإرهاب ركناً ركيناً في تحسين علاقتها مع الدول الأخرى. نحن لا نُطالب أن تُكمم رئاسة وزارة الخارجية أفواه السفراء والقناصل خاصة، والدبلوماسيين عامة، ولكن نرى من الضروري أن تُعقد لهم دورات تدريبية مكثفة لإجادة فن التصريحات الصحافية، ومراعاة التوقيتين الزماني والمكاني عند إطلاقها، وتَفهم خطورة تداعياتها، ليكون لها مردود فاعل، وفيها قدر من الدبلوماسية والحصافة التي تُعين على تحسين علاقاتنا الخارجية وتوطيدها.
وقد يتساءل البعضُ أن صحيفة “التغيير” أفردت مانشيتاً لهذا الخبر في عددها أمس، بينما اليوم يُطالعنا رئيسُ تحريرها برأيٍّ ينتقد تلكم التصريحات الصحافية. فلهؤلاء، نقول إنه لا تناقض بين خبر الأمس ورأي اليوم في “التغيير”؛ لأن الأول عند معالجته ضُبط بمعاييرٍ وضوابطَ مهنية التعامل مع الخبر، لأنّ المدارس الصحافية أجمعت على أن الخبر مقدس مهما كان رأيك فيه، بينما الرأي الحر تستعرض فيه جملة الآراء المؤيدة أو المُخالفة. فمن هنا خالفنا هذا الخبر جملةً وتفصيلاً، إدراكاً منا لخطورة تداعياته على الوطن العزيز.
ولنستذكر في هذا الخصوص، قولَ الله تعالى: “وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً”.
وقول الشاعر العربي زُهير بن أبي سُلمى:
وَمَهما تَكُن عِندَ اِمرِئٍ مِن  خَليقَةٍ      وَإِن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَمِ
وَمَن يزل حاملاً على الناسَ نَفسَهُ    وَلا  يُغنِها  يَوماً  مِنَ الدَهرِ يُسأَمِ
لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُـؤَادُهُ    فَلَمْ يَبْـقَ إَلا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالـدَّمِ

عن إمام محمد إمام

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً