المتابع لمسيرة الاقتصاد السوداني منذ الاستقلال يلاحظ غياب الهويه والمنهج المرتبط بالمصلحة الوطنية العليا٠ فكانت الحكومات الوطنية التي عقبت خروج المستعمر سواء ان كانت حكومات مدنية او عسكرية تحافظ علي استمرار مصالح اجنبية استعمارية ومصالح ذاتية ضيقة رغم اختلاف وتعدد الأساليب٠ورغم ان هناك بعض المقارنات الغير دقيقة عن ان الاقتصاد السوداني كان في الماضي يحقق معدلات نمو متقدمة وان الجنية السوداني كان قويا ومستقرا وفِي بعض الأحيان يساوي عدد من الجنيهات الاسترليني كذلك تدني مستوي التضخم والعطالة٠ورغم حقيقة صحة هذه الإحصائيات ولكن لاتفي الغرض من ان تثبت ان الاقتصاد السوداني كان دائماً معافي ويسير في الوجهة الصحيحة٠
والدليل علي ذلك التدني الملحوظ في مستوي المعيشة ومعظم مؤشرات التنمية الاقتصادية والاجتماعية مثل تدهور مستويات الفقر والخدمات الاجتماعية من تعليم وصحة وغيرها من معايير التنمية الاجتماعية فالملاحظ تدني هذه المؤشرات واتجاهها في خط نمو سلبي حاد عبر السنوات٠أضف الي ذلك عدم الاستقرار السياسي واستمرار الحروب والاضطرابات السياسية والتي بلغت قمتها في انفصال جزء غالي من ارض الوطن والذي يقف شاهدا علي فشل النخبة السودانية في إدارة الدولة والحفاظ علي مصالحها القومية ووحدتها الوطنية٠
وفِي اعتقادي الشخصي ان السبب الأساسي لكل هذا التردي يعزي الي فشل النخبة السودانية في الاتفاق حول مفاهيم أساسية لبداية النهضة التنموية لاي بلد مفاهيم مثل تحديد الهوية “Identity” او تعريف ماهية المصلحة الوطنية “National Interest” تحديد ماهية الفلسفة والمنهج الاقتصادي الوطني كذلك نلاحظ تضارب المفاهيم وخلق حالة من الاستقطاب في تعريف هذه المفاهيم الي درجة التناقض التام أضف الي ذلك نشوب معارك جانبية وخلافات حادة حول تحديد الاولويات وضياع وقت ثمين في هذه الإشكاليات٠
ومن خطل القول الحديث عن فكر اقتصادي سوداني خالص او نظرية اقتصادية سودانية خالصة فالأفكارلاتقبل المحدودية ولا تعترف بالحدود الجقرافية والفكر الإنساني يعيش علي التلاقح والتفاعل بين الثقافات والمجتمعات فطالما الانسان كائن دائم الحركة والتواصل فالأفكار والتيارات الفكرية تتاثر وتاخذ من بعضها البعض وتؤدي لخلق هجين فكري خلاصة التجربة الانسانية بكاملها غير قاصرة علي احد ولا محدودة بمجتمع معين وتصبح تراث انساني عالمي ينهل منه الجميع٠
اولا/ خصوصيات الحالة السودانية
المقصود عندما يكون الحديث عن مفهوم اقتصادي سوداني او نظرية اقتصادية سودانية تحديدا ليس اكثر من الأخذ في الاعتبار بشكل خاص لبعض الخصوصية للحالة السودانية بصفة خاصة ونعني بذلك تحديدا تسليط الضوعلي والتركيز علي الخصوصيات الاتية:
اولا/ خصوصية التنوع الديني والاثني والثقافي فالسودان قطر مترامي الأطراف ومتنوع ومتعدد الثقافات والمعتقدات والاصول العرقية والإثنية وهذه الخصوصية يمكن ان تكون مصدر قوة وفرصة نجاح وتقدم اذا تم فهمها واستيعاب متطالباتها وفِي نفس الوقت يمكن ان تمثل تهديدا خطيرا للوحدة الوطنية والانصهار في بوتقة الوطن الواحد ولذلك تكون اداة ضعف واضمحلال لمفهوم الدولة الواحدة فتؤدي الي التشظي والانقسام والتناحر اذا تم تهميش مقصود لفئة محددة او جماعة٠
لذلك نري ضرورة ان يتضمن اَي برنامج إصلاح اقتصادي او فكر تنموي اصيل مراعاة هذه الخاصية والعمل علي استيعاب الجميع كلا حسب خصوصيتة التي يجب ان تراعي وينعكس ذلك في ضمان وصيانة استحقاقات مادية ومعنوية معينة تضع في الحسبان مساواة الجميع في ربوع الوطن الواحد دون انتقاص من حق مواطن بسبب الجنس او اللون اوالديانة او الثقافة٠
ثانيا/ خصوصية الموارد الهائلة غير المستغلة
فالسودان قطر غني بموارده الطبيعية والبشرية الضخمة غير المستغلة بشكل تام حتي الان وهذا في حد ذاته ربما يمثل مصدر قوة وفرصة يمكن ان تحدث تغيرا شاملا ومؤثر في انتشال البلاد من وهدة التخلف والفقر وايضاً قد تكون هذه الخاصية مصدر تهديد ماثل وضعف مشهود اذ يمكن ان تصبح هذه الثروات مجرد لعنة موارد “Curse” او مصدر احتراب وشقاق اذا لم تحسن أدارتها واستغلالها بشكل عادل يراعي مصلحة الجميع
ثالثا/ خصوصية الموقع فالسودان قطر واسع مترامي الأطراف تحد به سبع دول معظمها بؤر صراعات واحتراب وعدم استقرار وتواجه بمشكلات اقتصادية وسياسية حادة فهذا الموقع يمكن ان يشكل مصدر ضعف وإزعاج وتهديد صريح للامن القومي اذا انفرط عقد الامن والاستقرار السياسي وفِي نفس الوقت يمكن ان يكون فرصة عظيمة ومصدر قوة اذا تم تدارك هذه الاخطار واحتوائها عن طريق برنامج اقتصادي يهدف الي تطوير مفهوم التكامل الإقليمي وخلق فرص تبادل تجاري طموح عبر التجارة الحدودية البينية يمكن ان يغني عن مشاكل التهريب والاحتكاكات الحدودية لاسيما ان معظم هذه الحدود تعتبر مناطق تماس لقبائل مشتركة بين السودان ومعظم هذه الدول فيجب مراعاة هذه الخصوصية الحدودية خاصة مع دولة جنوب السودان٠
رابعا/ خصوصية الفرص الضائعة
منذ نيل الاستقلال اضاع السودان فرص تاريخية كانت كفيلة بوضعه في مصاف الدول المتقدمة فالسودان من أوائل الدولة التي نالت استقلالها ومنذ ذلك الزمن والذي تجاوز الست عقود انشغل الوطن بالحروب والاقتتال وعدم الاستقرار السياسي والفوضي الاقتصادية لاسباب عديدة وغاية في التعقيد وكانت الحياة السياسية تتميز طوال هذه الفترة الطويلة بعدم الاستقرار والذي يعتبر من الشروط الاساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية فضاعت الفرصة البديلة عالية التكاليف المادية والمعنوية والاهم من ذلك ازهقت العديد من الأرواح من جراء هذه الصراعات
لكل ذلك يجب علي واضعي السياسات والخطط الاقتصادية وضع ذلك في الحسبان من ان هذه البلاد لاتحتمل المزيد من ضياع الفرص الثمينة وفِي ظل هذه الظروف في عالم مابعد الكرونا تتجه الأنظار بشدة نحو السودان كمصدر اساسي لتحقيق الامن الغذائي لاهله وللمنطقة العربية والافريقية بل لكل العالم فيجب اغتنام هذه الفرصة السانحة بكل ذكاء وحصافة٠
خامسا/خصوصية الاطماع الدولية والإقليمية
كما أسلفنا القول ان السودان بموقعه المتميز وموارده الغنية خاصة الزراعية والمعدنية اصبح عرضة لمطامع إقليمية من دول الجوار والمنطقة بل عرضة لأطماع دولية لاتخفي علي العين لذلك يجب أخذ الحيطة والحذر والانتباه للمصالح الوطنية العليا عند صياغة اَي خطط اقتصادية مستقبلية خاصة اذا تتضمن الامر إقامة شراكات إقليمية او دولية كذلك يجب الانتباه من عدم اتاحة الفرص لأطماع الغرباء الذين يتربصون وينتظرون الفرص ويتآمرون لخلق الفتن والخلافات لتفشل الدولة السودانية وتصبح تحت قبضة الطامعين وَكما قال الشاعر
جدودنا زمان وصونا علي الوطن
علي التراب الغالي ألما ليه تمن
في وادينا المصانع حققت انتصار
وَنَيلنا الجاري نما ارضنا بالخدار
نحميه من الطامع ومن شر الودار
سادسا/ خصوصية ضعف البنية الاساسية للدولة السودانية
وهنا نعني البني الاساسية بمعناها العام اَي كل المؤسسات اللازمة لبناء دولة حديثة تخدم الجميع من قوانين وتشريعات ومؤسسات سياسية رسمية ومنظمات مجتمع مدني وغيرها والبني التحتية بمعناها الخاص المادي المحدود مثل الطرق والكباري ووسائل المواصلات والاتصالات ومصادر الطاقة وغيرها من الأساسيات المادية للنهضة الاقتصادية فالسودان يعاني نقص حاد في المفهوم العام والخاص للبنية الاساسية اللازمة لعملية التنمية والنمو ونكاد ان نكون من اخر الدول في هذا المضمار لذلك يفترض ان يتضمن اَي جهد فكري لصياغة برامج اقتصادية ان يضع في الاعتبار مقدار الجهد المطلوب لسد هذا العجز واللحاق بركب الامم المتقدمة دون اضاعة الوقت والذي ليس لنا رفاهية ان نضيعه٠
سابعا/ خصوصية الوضع الديموغرافي
وهنا نعني اهمية النظرة الجادة للتوازن السكاني في صياغة البرامج والخطط فالبلاد تعاني من عدم توازن توزيع سكاني حاد يتمثل في تمركز نحو اكثر من نصف عدد السكان في المدن الكبري وأكثر من الثلث في العاصمة وحدها وهذا وضع غير طبيعي ويؤدي دائماً لخلق إشكاليات سياسية واقتصادية واجتماعية حادة كذلك يعتبر السودان قطر شاب نسبيا اذ يمثل الشباب اكثر من نسبة 70% من مجمل عدد السكان٠عرض الإشكاليات الديمغرافية في مقدمة اَي حلول اقتصادية مقترحة موضوع في غاية الأهمية والحساسية والأولوية٠
ثامنا/ خصوصية ضعف تكوين الدولة وهشاشته
فالسودان كدولة او كيان ضعيف التكوين لأسباب سياسية وثقافية واقتصادية وتاريخية عديدة وهناك دراسات متعددة تعرضت لذلك بشكل ممتاز ونتيجة لذلك يجب ان يكون هناك برنامج اقتصادي واعي يتفهم خطورة هذه الحقيقة ويعمل علي تقوية مفهوم الدولة السودانية ودورها في خلق التنمية المتوازنة والتوزيع العادل للثروة والسلطة كاداة فعالة في هذا الاتجاه كما يمثل تناسي هذه الحقائق وتجاهلها والاستمرار في تجريب المجرب والمضي في سياسة التهميش الاقتصادي وتمكين فئات معينة مما يمثل ذلك تهديدا صريح لهذا المكون الهش وربما يؤدي حتما لتشتيته وفِي نهاية الامرالي التشظي والانقسام٠
تاسعا/ خصوصية غياب مفهوم الهوية وتحديد المصلحة العليا للوطن وهذه الخاصية مرتبطة بغياب مفهوم الوطن وضعف تكوين الدولة السودانية وايضاً غياب الوعي باهمية ترسيخ هذه المفاهيم لدي النخبة الحاكمة منذ الاستقلال وانصرافهم نحو تحقيق مصالح ذاتية ضيقة لاتتعدي الكسب الحزبي او المادي الرخيص وأكاد ان اجزم ان معظم الساسة السودانيين ليس لديهم مفهوم واضح او محدد لمفهوم المصلحة الوطنية العليا للوطن
ترسيخ هذا المفهوم والعمل لتحقيقه من اهم الخطوات نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني طموح٠
عاشرا/خصوصية غياب الوعي القومي ورسوخ مفاهيم القبلية والجهوية والفئوية
يجب ان يتضمن اَي برنامج اقتصادي سوداني واعي ترسيخ هذه المفاهيم وازالة العيوب العالقة من المفاهيم الخاطئة وهنا يلعب الاقتصاد دورا اساسيا في ترسيخ مفهوم الوطن فاذا شعر المواطن بعدالة الفرص وان هناك حافزا ماديا ومعنويا يتمثل في حصوله علي حقه في الوطن ونصيبه من السلطة والثروة ويكون ذلك في عدالة التوزيع في الدخل وفِي فرص التعليم والصحة وفِي عدالة توزيع المشاريع القومية الكبري وايضاً ان تنال الأقاليم التي تتمتع بوجود ثروات طبيعية نصيب كبير من هذه الثورة يخصص لتنمية هذه الأقاليم مما يساعد في ازالة الشعور بالغبن والظلم والتهميش والاستغلال الاقتصادي لموارد هذه الأقاليم بواسطة المركز٠
لذلك ينبغي لاي نظرية او تفكير اقتصادي وطني خالص ان تضع في الاعتبار هذه الخصوصيات اما كفرص او مصادر قوة او كتهديد ومصادر ضعف٠
ثانيا/ مسلمات هامة من النظرية الاقتصادية
حدد بروفيسور جريجوري مانكيو من جامعة هارفارد في كتابه الشهير
(Principles of Economics) عشرة مبادي تمثل اساسيات علم الاقتصاد وتمثل جوهر التفكير الاقتصادي المنطقي
اولا/الندرة ومحدودية الموارد تحتم الاختيار
من بين عدة خيارات people always face trade_off
هذا يعني اننا في السودان ولصياغة اَي برنامج او سياسة اقتصادية سنواجه بوضع ان نختار ونميز بين عدة خيارات وعادة مثل هذه القرارات تتطلب وضع كل الاعتبارات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية
ثانيا/نتيجة الخاصية الاولي يواجه الانسان وضع الفرصة البديلة “Opportunity Cost”
وهذا يعني ان هناك دائماً تكلفة ما اذا تم تحديد خيار اقتصادي محدد علي حساب قرار اقتصادي اخر فيجب علبنا تدارك هذه التكلفة وتقيمها بدقة والاستعداد لتحملها علي ان لاتكون علي حساب فئة دون اخري٠
ثالثا/الانسان يفكر بطريقة حدية
التفكير الحدي يعني الانسان الرشيد لايمكن ان يتحمل تكلفة إضافية من دون ان ينعكس ذلك علي فائدة إضافية تبرر هذه التكلفة٠
فإذا أردت ان تستمر في المذاكرة لساعة اخري من الوقت وانت علي وشك النعاس فهنا تقوم بتقييم الموقف وتسال نفسك السؤال التالي هل اضافة هذه الساعة للدراسة تساعدني في المزيد من التحصيل ام ستكون مجرد تعب وإرهاق وضياع وقت ثمين يمكن الاستفادة منه في أخذ قسط من الراحة فأنت هنا تقارن فائدة الساعة الإضافية مع تكلفتها من التعب والإرهاق وهذا المنطق في التفكير يعتبر من اساسات التفكير الاقتصادي لاتخاذ القرارات والسياسات الاقتصادية٠
فنجد ترسيخ هذا المبدأ في الفكر الاقتصادي الغربي وخاصة الفكر الاقتصادي الذي يتبني مذهب حرية الاسواق والذي اقتصر علي حساب التكلفة الحدية الخاصة علي ان تساوي المنفعة الحدية الخاصة فقط دون الأخذ في الاعتبار التكلفة الحدية الاجتماعية والفائدة الحدية الاجتماعية اي.
MC=MP
ولكن تم في أوقات لاحقة اضافة التكلفة الاجتماعية والفائدة الاجتماعية
Internalizing the Externality
وضرورة حسابها بدقة خاصة عن دعاة التفكير الاقتصادي المناوي لمبداء ترسيخ هيمنة حرية الاسواق ونظام الأسعار كمؤشر اساسي في كافة الأنشطة الاقتصادية٠
Rational people think at the marginal
Marginal cost =Marginal benefit
Marginal social cost=Marginal social benefit
MSC=MSB
وفِي التفكير الاقتصادي لصياغة برنامج اقتصادي وطني يجب تفادي هذا القصور في الاعتماد علي حساب التكلفة والفائدة الخاصة فقط والاخذ في الاعتبار الفائدة والتكلفة الاجتماعية في كل القرارات والسياسات والمشاريع٠(حساب تكلفة تلوث البيئة بواسطة الشركات)
رابعا/ التدخل الحكومي في بعض الأحيان يؤدي الي تحقيق نتائج مميزة او صحيحة ٠نعم التدخل الحكومي في احيان كثيرة ضروري نتيجة لفشل الاسواق.
“Market Failures”
وهذا الفشل نجده في عدم إمكانية تحقيق مناخ تنافسي عادل وعادة تكون الاسواق والتي يفترض ان تتوفر فبها المنافسة الحرة ولكن في الواقع تكون منافسة غير حرة
Imperfect Competition
نتيجة لأسباب كثيرة منها ظاهرة عدم الحصول علي المعلومات بشكل متساوي بين المتنافسين
Information Asymmetry
كذلك نجد اهمية قصوي لتدخل الدولة في حالة انتاج السلع العامة
Public Goods
والتي لايستطيع القطاع الخاص الاستثمار فيها مثل الطرق والتعليم والدفاع والصحة وخدمات صيانة البيئة٠كذلك نجد اهمية تدخل الدولة الاسواق في حالات انفلات التضخم الجامح او الكساد الحاد وايضاً في حالات كثيرة اخري لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية وسياسية٠
خامسا/تحسن مستوي معيشة اَي مجتمع يعتمد علي مقدرة هذا المجتمع علي انتاج السلع والخدمات.
مدي نجاح اَي مجتمع يكمن في مقدرته من صياغة برامج تمكنه من الاستغلال الأمثل لكل موارده المتاحة وايضاً ضرورة توزيعها بشكل عادل يؤكد استفادة كل أفراد المجتمع من الفرص والفائض الاقتصادي بشكل يحقق الاستقرار الاقتصادي والسياسي٠
سادسا/ طباعة النقود بشكل غير مسؤول يقود الي التضخم والحالة السودانية الماثلة للعيان تبرهن هذه الحقيقة كما ان هناك الكثيرمن الأمثلة حول العالم تعكس ذلك والعلاج ان يكون هناك تخطيط سليم لوضع سياسة نقدية مسؤولة تكون من اهم أولوياتها استقرار مستويات التضخم وتحقيق النمو المعافي مع استقرارمستوي الأسعار٠
سابعا/ في المدي القصير هناك تبادل بين بين التضخم والعطالة او مايسمي ب
“Phillips Curve”
وهنا نجد اهمية تحديد المستوي الأمثل من التضخم والعطالة لتحقيق مستوي النموالمستهدف في المدي القصير٠
ثامنا/ التبادل التجاري يحقق أقصي الفوائد لكل الأطراف المشاركة في عملية التبادل التجاري٠ وهنا نركز علي اهمية وضع سياسة تجارية مثلي تحقق الأهداف المنشودة في البرنامج الاقتصادي كما يجب ان نشير الي اهمية العمل علي تشجيع التصدير المواد المصنعة لخلق قيمة مضافة مع ضمان جودة المنتجات الوطنية لتتمكن من المنافسة في السوق العالمي٠
تاسعا/ الانسان بطبعه يستجيب للتحفيز وينفر من عدمه
وهذه الخاصية مهمة جدا في اتخاذ القرارات وصياغة السياسات الاقتصادية لابد من معرفة ماهية نظام التحفيز للاطراف المختلفة المشاركة في العملية الاقتصادية فإذا لم تتم دراسة هذه الحوافز بشكل دقيق يصعب التكهن بنتائج هذه السياسات٠
عاشرا/ الاسواق المكان الأمثل لتنظيم النشاط الاقتصادي
وهذه النقطة موضع خلاف فكري وايديولجي
هناك عشر مبادئ أساسية لعلم الاقتصاد كما وردت في كتاب البروفيسور جريجوري مان كيو من جامعة هارفارد وهذه الأسس يجب ان تتضمن في صياغة اَي برنامج او خطة اقتصادية تلتزم بقوانين الاقتصاد٠
معظم هذه الأسس عليها اجماع عام دون اعتبار الاختلافات الأيديولوجية عدا المبادئ رقم (٩،٨،٣) والتي تتحدث عن اساسيات تتعلق بقوانين السوق ومبادئ حرية التجارة الدولية والنظرية الحدية وكل ذلك يعتبر من مسلمات الفكر الاقتصادي لنظرية اقتصاد السوق٠
ثالثا/ توازنات مهمة وواجبة في اَي نظام اقتصادي
١/ توازن بين الفعالية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية
هناك توازن مطلوب عند وضع اَي خطط او مشاريع اقتصادية بين مفهوم الفعالية الاقتصادية “Efficiency”
والعدالة الاجتماعية “Equity”
والمفهوم التعريفي للفعالية الاقتصادية تعني عندما تستغل كل عوامل الانتاج وتسخر نحو استخدامها الأمثل لدرجة ان لايكون هناك ضياع للموارد او تقليل للحد الأدني من ضياع الموارد ويشمل هذا المفهوم التوزيع الأمثل للموارد بحيث يتحقق الانتاج الأمثل والاستهلاك الأمثل والتوزيع الأمثل لهذه الموارد بين القطاعات المختلفة وبين الانتاج والاستهلاك٠وهنا يجب ان نتعرض لمفهوم هام الا وهو مفهوم
“Pareto Efficiency”
والذي يتحقق عندما يتم استغلال كل الموارد للإنتاج والاستهلاك وخلق حالة او نقطة من التوازن واذا تم التحرك منها او تغيرها لتحسين وضع شخص ما لايمكن فعل ذلك من غير ان يكون شخص اخر في وضع اسواء٠وتعتبر نقطة التوازن هذه مؤشر هام للفعالية الاقتصادية٠
When every economic good is optimally allocated across production and consumption so that no change to the arrangement can be made to make anyone better off without making someone else worse off.
Simply the economic efficiency means goods and services produced at their lowest possible cost. Or minimizing waste as possible
Productive efficiency means firms should maximize
profit and minimize cost
Allocative efficiency firms should produce the right quantities of consumer goods
Through the market force economic resources should be allocated across firms and industries
خلاصة القول حسب نظرية السوق قانون العرص والطلب كفيل بتحقيق الفعالية او الكفاءة الاقتصادية عن طريق الاستخدام الأمثل للموارد باقل تكلفة ممكنة٠
اما مسالة العدالة أو التوزيع العادل الثورة فهي خارج مهام قانون السوق وهوغير معني بذلك
اما العدالة او “Economic Equity”
وهو مفهموم يعني العدالة في توزيع الموارد عن طريق استخدام وسائل الضرائب او وسائل اخري فيما يسمي باقتصاد الرفاهية
“Welfare Economics”
يجب الوضع في الاعتبار اهمية ان يقوم السوق بدوره المناط به لتحقيق الكفاءة الاقتصادية بحيث لايكون ذلك علي حساب تحقيق العدالة الاجتماعية والتي يمكن استخدام وسائل تعزز دور الدولة في هذا المضمار عن طريق فرض الضرائب التصاعدية وغيرها من وسائل التوزيع العادل للفائض الاقتصادي٠
٢/ توازن ببن استغلال الموارد في المدي القصير والمتوسط والمدي الطويل وهنا نعني الوضع في الاعتبار رفاهية الأجيال القادمة وترك شي مِن الموارد خاصة الموارد والثروات الناضبة مثل البترول والذهب٠
٣/ توازن بين تحقيق التنمية في المركز والهامش وتحقيق التنمية المتوازنة
وهنا يلعب الاقتصاد والخطط الاقتصادية دورا أساسيا في تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي وازالة الغبن وتأكيد الوحدة الوطنية٠
٤/ التوازن في مراعاة مصالح الفئات الضعيفة مثل الأطفال والمسنين والمرأة ويعتبر تحقيق ذلك المطلب من اهم معايير نجاح اَي برنامج اقتصادي وطني٠
٥/ التوازن بين دور القطاع الخاص الوطني والقطاع العام والتعاوني الخطة الاقتصادية الوطنية الناجحة يجب ان تدرك اهمية كل القطاعات وتتمكن من تسخيرها لتحقيق اكبر قدر من الفائض الاقتصادي والعمل علي توزيعه بشكل عادل ويكون القطاع الخاص معني بخلق اكبر قدر من الفعالية الاقتصادية عن طريق الاستخدام الأمثل للموارد ويلعب القطاع العام الدور الأهم في تحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع الأمثل كما للقطاع التعاوني دور يشمل الاثنين معا٠
٦/ التوازن بين القطاعات الانتاحية والقطاعات الخدمية
بحيث لاتتجه كل الموارد نحو قطاعات هامشية خدمية وغير منتجة بهدف تحقيق الربح السريع وهنا نجد اهمية الدولة في ضمان التوزيع الأمثل لاستغلال الموارد عن طريق وسائل الترغيب او الترهيب مثال استخدام وسائل الضرائب والجمارك والسياسة الائتمانية وغيرها من وسائل السياسات المالية والنقدية٠
٦/ توازن السياسة النقدية واستقلالية البنك المركزي كاداة فنية للقيام بالدور المطلوب في كبح جماح التضخم مع استقرار سعر الصرف وخلق نمو اقتصادي معافي يحقق التشغيل الكامل لكل الموارد الاقتصادية المتاحة٠وفِي هذا الإطار يجب ان يكون البنك المركزي مسؤولا في مراقبة حجم الكتلة النقدية وكذلك وضع سياسات ائتمانية تضمن الاستخدام الأمثل للموارد في جميع القطاعات الإنتاجية بشكل متوازن فالمطلوب إذن ضمان التوازن بين أدوات السياسة النقدية والتوازن بين أدوات ووسائل السياسة المالية والسياسات التجارية لتحقيق أهداف الاقتصاد الكلي من تحقيق النمو الاقتصادي المستهدف وخلق معدل عالي من العمالة والتشغيل الكامل في ظروف معدلات تضخم منخفضة٠ضمان التنسيق الكامل بين كل هذه السياسات ووسائلها المعروفة تنسيقا زمنيا وتنسيقا في الأوليات والاهداف٠
كما ان هناك توازنات هامة يجب مراعاتها مثل التوازن بين تحقيق التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية والتوازن بين مصالح المغتربين ومصالح المواطنين في داخل البلاد٠
الإطار النظري والفلسفي للبرنامج
العمل لصياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي الخصوصية السودانية ويبتعد من استيراد القوالب الجاهزة سواء من منظمات التمويل الدولية او من نظريات لا تتناسب مع الواقع السوداني والذي يتسم باختلالات هيكلية مزمنة وضعف مؤسسي اضافة لهشاشة التكوين السياسي للدولة السودانية وإشكالات اخري في غاية التعقيد٠
يجب ان يكون هدف البرنامج الاقتصادي واضحا وعملي ويجب ان ينفذ علي مراحل قصيرة متوسطة وطويلة المدي لمعالجة الاشكالات العاجلة والاختلالات المزمنة والهيكلية علي السواء تأتي هذه الخطة من حقائق الواقع السوداني الاقتصادي والاجتماعي والسياسي المأزوم فعلي الجبهة الاقتصادية نعلم تماما ضعف المؤشرات الاقتصادية الاساسية من تدني معدل نمو اجمالي الناتج المحلي وارتفاع مستويات التضخم والعطالة والعجزالمزمن في الميزان الداخلي والخارجي٠
وكذلك الضعف الملحوظ في كافة المؤشرات الاجتماعية مقارنة بالمعايير الدولية مثل معدل وفيات الأطفال عند الولادة ومتوسط الإعمار للمواطنين ومعاييراخري للتعليم والصحة ٠
هناك اهمية ان تقوم الدولة بمهامها الاساسية في تقديم الخدمات الاساسية في القطاع الاجتماعي في إقطاعي التعليم والصحة والتأمين الاجتماعي اضافة لتدخل الدولة في السيطرة علي قطاعات استغلال ثروات داخل الارض مثل الذهب والبترول وإصدار قوانين حماية البيئة والمحافظة عليها من اجل مستقبل الأجيال القادمة٠
كما نري اهمية الشراكة بين القطاع الخاص والعام والتعاوني من اجل تحقيق اكبر قدر من الاستغلال الأمثل لموارد المجتمع بطريقة فعالة وعادلة تضمن تحقيق مكاسب للمجتمع مع ضمان مستقبل الأجيال القادمة٠
يعتمد هذا البرنامج علي التوجه داخليا “Inward Looking” واتباع سياسة الاعتماد علي الذات وتسخير كل الموارد بشكل مكثف واستنهاض كل الهمم عبر برنامج طموح يعتمد علي زيادة الانتاج والانتاجية وإجراء إصلاحات هيكلية جادة في كافة القطاعات الإنتاجية عبر برنامج طموح تقوم الدولة بالدور الأساسي في تتفيذه عن طريق حزمة اقتصادية كبيرة
“Stimulus Package”
تعتمد علي الصرف الحكومي التوسعي و تهدف الي رفع الكفاءة الانتاحية وزيادة الاستثمار الحكومي والاستهلاك العام وتحقيق أعلي معدل نمو للناتج القومي عن طريق التصنيع واحلال الوارادات خاصة في الصناعات الخفيفة كصناعت النسيج والاحذية والصناعات الغذائية ممايمكن من خلق فرص للعمالة وخفض مستوي التضخم وتقليل العجز الداخلي والخارجي في المدي المتوسط والطويل مع احتمالية ارتفاع هذا العجز وارتفاع نسبة التضخم نتيجة للإنفاق الحكومي الضخم في المدي القصير٠
كما يركز البرنامج علي تطبيق نموذج الدولة التنموية والذي اثبت فعاليته ونجاحه في الكثير من الدول كوسيلة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية٠
نموذج الدولة التنموية ودور الدولة في النشاط الاقتصادي.
مصطلح “الدولة التنموية”
“Developmental State”
يعني تدخل الدولة التام والمباشر في تحقيق التنمية الاقتصادية. وخير مثال لنموذج الدولة التنموية السياسات الاقتصادية التي اتبعتها حكومات شرق آسيا في النصف الثاني من القرن العشرين واكثر تحديدا نموذج الاقتصاد الياباني٠
شالمر جونسون في كتابه الشهير حول مفهموم “الدولة التنموية” حدد ابرز ملامحها التي يمكن تلخيصها في الاتي:
اولا/ توفرنخبة وطنية في جهاز الدولة متميزة وموهلة فنيا من أصحاب المواهب الإدارية المتميزة. تقوم هذه النخبة باختيار الصناعات القابلة للتطويروضع سياسة صناعية لتطوير هذه الصناعات في أسرع وقت، والإشراف على القطاعات الإستراتيجية ومراقبة الجودة هذه المهام تحت اشراف جهاز الدولة مع استخدام قوى السوق٠.
ثانيا/الاعتماد الواسع على علي شركات القطاع الحكومي ولاسيما الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص في ملكيتها،والاستثمار في القطاعات ذات المخاطر الكبيرة، وتكون مهمة الدولة تحديد ميزانية للاستثمار، وتشجيع سياسة للتنافس الدولي والتنموي وليس فقط الحفاظ على المنافسة المحلية، ورعاية الحكومة للبحث العلمي وتطبيقاته (صناعة تكنولجيا المعلومات)٠
ثالثا/خلق جسم حكومي قيادي لادارة وتنسيق خطط التنمية مثل وزارة الصناعة والتجارة في اليابان. يكون مهمة هذا الجسم او الوزارة ضبط السياسة الصناعية والتحكم في التخطيط وصناعة الطاقة والإنتاج المحلي والتجارة الدولية والتمويل كما يجب ان يكون لها مراكز للبحوث العلمية وتطوير وضبط الجودة٠
معظم الدول الصناعية الكبرى في مرحلة من تطورها التاريخي طبقت سياسات تدخلية في التجارة والصناعة والتكنولوجيا لحماية صناعاتها الناشئة وكان الهدف من تطبيق مثل هذه السياسات تطوير القدرات القومية عبر البحوث والتنمية والتعليم والتدريب والحصول على التكنولوجيا الأجنبية والتعاون بين القطاعين الخاص والعام٠فمفهوم الدولة التنموية يجب ان يكون حاضرا عند صياغة البرنامج الاقتصادي الوطني٠
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم