نسبة الشعر لغير قائله: محنة الشاعر هاشم صديق .. بقلم: عثمان محمد صالح


osmanmsalih@hotmail.com

    في أبريل من عام 2014 أذاع شاعر مجهول قصيدة بعنوان “رئيس البلد وبنو”. وما كان لتلك القصيدة المطعون في جودة صناعتها أن تثير ما أثارته من اهتمام عاصف في وسائط الاتصال الجماعي لولا أن كاتبها ” خرت” قلمه من القصيدة ، سلّه بعد الفراغ من كتابتها، ثم دفع بها للفضاء السايبري ممهورة باسم الشاعر هاشم صديق. وتلقفها القراء أول الأمر كقصيدة هاشمصديقية قبل أن يضطر هاشم صديق لنفي نسبتها له والتبرؤ منها مطالباً القراء أن تكون مرجعيتهم للتحقق من أشعاره هو موقع الشاعر على الشبكة العنكبوتية.
    ويتكرّر هذه الأيام سيناريو العام 2014 حيث أذاع شاعر مجهول قصيدة سياسية عنوانها “كرهنا الحكومة وسئمنا الرئيس”.

    أعتقد أنه من الأهمية بمكان التوقف عند هاتين الحادثتتين والتفكر في مغزاهما. هل هما طارئتان، أم أن لهما جذور في حوادث قديمة مماثلة؟، ولماذا كان المنسوب إليه في الحالتين هو هاشم صديق، وليس شاعراً آخر من شعراء العامية الذين تعجّ بهم بلادناومامغزى النسبة؟.

    إذا نظرنا إلى الحادثتين من زاوية هوية المؤلف، وجدناهما معكوس ظاهرة السرقة الادبية التي يعتدي فيها مؤلف كسول على جهد مؤلف كادح فيسلبه ثمرة كده وينتحله لنفسه. أمّا في الحادثتين فاننا نجد أنفسنا إزاء شاعر يكتب الشعر ولايمهره باسمه الحقيقي ولا المستعار، وإنما باسم شاعر آخر على قيد الحياة .إذا جرّدنا القصييدتين من حلية الشعر ورددناهما إلى أصلهما في اللغة المنثورة لامكن تعريفهما بأنهما عبارة عن كلام مرتب هادف منسوب لغير قائله الأصلي.وبموجب هذا التعريف تشترك القصيدتان مع ظواهر لغوية متنوعة تمتد مابين دس الأقاويل المغرضة و حكايات الصور المركبة بين الخصوم والأعادي، مروراً بدسّ القصائد على شعراء متقدمين من قبل شعراء متأخرين، انتهاءً بدسّ” الأحاديث” على النبيّ محمد بعد وفاته.لكن فرادة القصيدتين تكمن في كونهما منسوبتين لشاعر على قيد الحياة يصارع بالنفي والتبرؤ المنشور ذيوع هذا الشعر الملحاح الذي يعلق بدفتر شعره ملتصقاً به بعناد كعناد الحسكنيت,

    لماذا وقع اختيار الشاعر المجهول على هاشم صديق ليغمره بهبتين شعريتين مجهولتي المؤلف.؟. لأن الشاعر المجهول (المرجحة وحدانيته لمحاكاته أسلوب هاشم صديق وحده) يهجس بالثورة على النظام الحاكم في السودان. وقد وجد من بين كافة شعراء العامية السودانية أن هاشم صديق قد جعلت منه الشهرة التي حظيت بها ملحمته الأكتوبرية المغناة أيقونة للشعر الملهب للثورات ضد الطغاة. فنسبة القصيدة السياسية لهاشم صديق يضمن لها الذيوع وهو الغرض الذي ينشده مؤلفها. وحتى عندما يتدخل هاشم صديق نافياً ومتبرئاً من نسبة القصيدة، لن تكف الأخيرة عن الدوران والتداول بين قرّاء سيدفعهم الفضول للبحث عنها، وهذا هو أول هدفين يصبو اليهما المؤلف.وأثناء انتشار القصيدة سينبري لها العديد من الأقلام نقداً فيعلم مؤلفها المتحصّن بصَدفة الحياء والمجهولية دون أن يقاسي حرج الظهور مقدار القبول أو الرفض الذي يلقاه شعره بين الحمهور. وهذا هو هدفه الثاني. هو إذن شاعر مجهول يحلم بالثورة التي يأمل أن تقدح زنادها قصيدة تسري في الجمهور سريان النار في الهشيم. وهو قابع في صَدفة الحياء والمجهولية والتجريب يبرم وينقض غزله الشعري في صبر و اناة وعناد إلى أن يحالفه الحظ فيعثر على المعادلة السحرية لتركيب القصيدة التي تفعل في الجمهور المقهور الأعاحيب ليجترح الأعاحيب في حقل الثورة. وهذه هي غاية المؤلف.

    عثمان محمد صالح
    تلبرخ ــ هولندا
    3-1-2016

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً