نعم نحنُ علمانِيّون .. بقلم: نضال عبدالوهاب

 

 

حكم جماعة الإسلام السياسي السودان لمدة ثلاثون عاماً وأقاموا نموذج الدولة الإسلامية والدينية التي ظلوا يُروجون لها ويعملون لإقامتها من خلال جماعتهم وتنظيماتهم المختلفة منذ ما قبل الإستقلال من لدن الأخوان المسلمون وحتي المؤتمرين الوطني والشعبي وأشباههم من تنظيمات وجماعات الإسلام السياسي ..
و الكل شهد علي ماهية هذه الدولة ونموذج الإستبداد والقهر بإسم الدين والكبت والفساد وكل السوءات البشرية التي يُمكن تخيلها أو لايمكن تخيلها أو أن تأتي علي عقل بشر .. وشهد السودان الإنهيار والسقوط في كل شئ وأنتشرت الحروب وفساد الدولة والإنهيار الأخلاقي والإقتصادي وتقسّم البلد وأُحتلت أجزاء منه وجيش البلاد يدافع بمقابل مادي زهيد من أجل سيادة دول أخري ! ..
كل هذا تحت قوانين ونُظم وهيكل الدولة الدينية وشريعتها ..
أقام السودانيون ثورة كي تُعيد لهم أول ما تُعيد حريتهم التي سلبوها أرباب نظام الإسلام السياسي وجماعاتهم ، و تُعيد لهم كرامتهم التي داس عليها هؤلاء المتأسلمين والمتألهين والحاكمين بأمر السماء .. وتُعيد لهم نموذج السودان النظيف المتسامح والمتعايش بمختلف دياناته وأعراقه وقبائله وثقافاته ، فجاء من أفقدهم كل ذلك وسلبهم إياه ! ..
نشأت أجيال جديدة في عالم متجدد ومتغير لكنها تربت علي القهر والكبت والتخويف ومصادرة الحريات في عمل منظم ومدروس لإخراج أجيال لا تفكر ولا تعقل ولا تستطيع قول كلمة لا ، فقط تُطيع وإن قُتلت وعُذبت وقُهرت وشُردت وأُغتصبت بل وسُحقت ! .. أجيال خُطط لها أن تكون خارج التاريخ كي يستمر الحُكم بأسم الإله والدين والشرع من هؤلاء إلي يوم القيامة كما كانوا يقولون  ..
وفي سبيل ذلك حاولوا تشويه العقول وسلب قدرتها علي التفكير الصحيح والحُر بمصادرة الحريات وتخريب المناهج والإعلام الموجه وغسل الأدمغة وصولاً لنشر المخدرات وتنشئية أجيال غائبة عن الوعيّ ! ..
حتي خرجت عليهم ذات هذه الأجيال من قُمقم التخلف الذي أرادوه لها و شكل الحياة البائسة والمُظلمة ليُغيروا كل شئ ويحفروا مع بقية الشعب السوداني بهذه الثورة عميقاً من أجل الحرية والعدالة والسلام و التغيير والعيش الكريم ..
ظل أركان النظام البائد وإستناداً علي مشروعهم السياسي البائس ومن معهم من أبواغ السلطان وعلمائه وجماعات الإسلام السياسي والظلاميين والمتشددين يفرضون نموذج الدولة الدينية والإسلامية والذي لم ينجح في غير تخريب السودان في كل شئ .. ولأن مصالح هؤلاء وكنزهم للمال والاستيلاء علي ثروات البلاد وبقاءهم في علية المجتمع وحظوته لا يمر إلا عبر هذه البوابة فقد إستمتاتوا ولا يزالون يروجون لمشروعهم البائس هذا دولة الإسلام السياسي ونموذج الدولة الدينية .. وأشاعوا ويشيعون أنها فقط المُخلص لكل مشكلات السودان ، في حين أن الواقع أثبت العكس تماماً ، وشنوا حرباً لا هوادة فيها ولا زالوا يشنونها ويتبِعوها علي العلمانيّون والذين إتهموهم بالكفر والإلحاد وصوروا للشعب السوداني المسلم بالفطرة في أغلبه أن هولاء ضد الدين وملاحدة أنجاس يُريدون تدمير الدين والأخلاق ويجتهدون في ترسيخ هذه الصورة النمطية والمِعوجة وغير الصحيحة عن العلمانية كي يظلوا تحت دائرة الفعل السياسي مستغلين عاطفة الناس وأغلبية الشعب السوداني تجاه الدين كي يمتطوا عبره السُلطة أو يكونون قريبين منها وفي ذات الوقت يبعدون خصومهم السياسين عنها علي إعتبار أنهم كفرة وملاحدة وضد الإسلام والأخلاق وقيّمها ، وأنهم دعاة الفسق والفجور وعبدّة الشياطين ! ..
ها نحن نخرج لهم .. نعم نحن عٓلمانيّون .. نؤمن بحق الجميع في التعايش في السودان بغض النظر عن ديانتنا مسلمين كنا أو مسيحين أو يهود أو بوذيين أو هندوس أو حتي غير مؤمنين وبلا دين .. هذه ليست مقاييس أن نكون سودانيين متساووين في المواطنة والحقوق ونحترم جميعاً بعضنا بعضاً ونعترف دون النظر لدياناتنا أو ما نعتقد أو نفكر .. نعم نحن عٓلمانيّون نؤمن بحرية أن نفكر كيفما شئنا وشاء السودانين دون مصادرة حقهم هذا في التفكير أو التعبير عن رأيهم السياسي .. نعم نحن عٓلمانيّون نؤمن بأن السُلطة السياسية ليست مرتبطة بالدين أو بالمؤسسات الدينية وأن الدين ليس أداة للقهر السياسي والأستبداد والتسلط .. نؤمن أن للجميع حق ممارسة شعائرهم ومعتقداتهم الدينية بحرية وأن تكون لهم دور عبادتهم الخاصة والعامة ومحاسبتهم علي تفكيرهم الديني أو اللاديني ليست مهمة السلطة السياسية والحكومة ..
العلمانية ليست مفهوماً موحداً وهي ليست ضد الدين أو فقط مع الإلحاد ، هي فقط تفصل الدين أو تحيده عن السلطة السياسية وهي بذلك لا تحاكمه أو تمنعه داخل المجتمع .. السودان به عدد من الأديان ، صحيح الأغلبية مسلمون ، ولكن في ذات الوقت ليس من حق أحد في الدولة أن يُفرض الدين أو الإسلام علي مؤسسات الدولة كما فعل ( الكيزان ) فترة حُكمهم وفعلها قبلهم رجال الكنيسة في أوربا القديمة وكانت النتيجة واحدة في الحالتين ، خراب وفساد وإنتشار الفقر والجهل والحرب في السودان وفي أوربا القديمة ! ..
لم تطور اوربا إقتصادياً وتستقر وتتوقف بها الحرب وحوصر الجهل والفقر والفساد إلا بعد فصل المؤسسة الدينية ممثلة في الكنيسة وسلطة ونفوذ رجال الدين عن المؤسسة والسلطة السياسية .. ولم تذدهر الفنون والعلوم ويتطور الطب وتكثر الإكتشافات العلمية إلا بعد تلك الخطوة .. وحتي علي المستوي السياسي والديمقراطية المرتبطة بالعلمانية إرتباط وثيق لم تتطور وترسخ في تلك المجتمعات إلا بعد هذه الخطوة والمتمثلة في فصل الدين عن السياسة ، وليس إلغاء الدين في المجتمع ومحاربته كما فعل ستالين الديكتاتور وغيره من ضيقي الأفق والظلاميين وإن تدسروا بالعلمانية ذاتها أو بالحداثة ! ..
نحن عٓلمانِيّون بالقدر الذي يُتيح لنا تغيير السودان وتطويره وتقدمه .. وحتي يصير دولة حديثة وعملاقة ، يستفيد من كل ثرواته وتنوعه ويُحافظ علي وحدته وإستقراره ، فدعاة الدولة الدينية وجماعات الإسلام السياسي وحلفائهم من الظلاميين وأصحاب المصالح الخاصة والمفسدين هم وحدهم من ينتجون دولة فاشلة ومُقسّمة وينتشر فيها الجهل والتخلف والفقر والمرض والفوضي والحروب ! ..

نضال عبدالوهاب ..

nidalfree15@gmail.com
/////////////////////
 

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً