نعم …. نحن نفتري علي القوات المسلحة …. بقلم: د. عبدالحليم السلاوي

 

asalawi@gmail.com

 

ترددت كثيرا قبل الشروع في اعداد هذا المقال … وسبب ترددي هو أن معظم الناس ما يزال يردد مقولة أن القوات المسلحة لم تدع في السودان مجالا للديمقراطية لتنمو فيه وتترعرع …. هم يقولون ويرددون أن القوات المسلحة استولت علي السلطة مرات عديدة ولم تدع الأحزاب تمارس الحكم المدني …… ترددت لأنني ادرك أني بهذا المقال ربما أكون قائلا حديثا في مضمونه لن يفاجيء أحدا لأن الجميع يعلمه لكنه في حقيقة الأمر ضد المقولة السائدة …. لكن لا جرم …. فلكل شخص وجهة نظره في الأمر وأنا علي يقين بأن هذه المقولة ليست صائبة في مجملها وليست دقيقة في تفاصيلها …. ولكي نخطو خطوة في هذا المقال دعونا نرجع الي الوراء لنلقي نظرة علي ما جري في السودان منذ العام 1958 وهو العام الذي جاء فيه المغفور له الجنرال ابراهيم عبود الي السلطة.
مما لا شك فيه أن الجنرال عبود لم يسع الي السلطة بل من كانوا في السلطة هم من قام بتسليمها له…. ولن أخوض في تفاصيل هذا ألأمر لأن الكل ربما يعلم أسراره وخفاياه….. لكن ما يجب أن نؤكده هو أن الوضع السياسي آنذاك كان معقدا الي حد بعيد وأن الحزب الحاكم آنذاك فشل في الوصول الي الحلول الديمقراطية التي يمكن له من خلالها المحافظة علي النظام السياسي والإبقاء علي مصالح حزبه وحمايتها من الحزب المنافس… الأحزاب الطائفية الكبيرة بدأت مشوارها السياسي بالمكايدة… وحدث ما حدث من تسليم السلطة للجنرال عبود الذي لم يكن مرحبا بها كثيرا. ومهما بذلنا من حهد كي نجد عذرا واحدا لحزب الأمه في هذا التصرف الذي يمكن أن يصل الي درجة الخيانة العظمي فلن نجد لذلك سبيلا … حزب الأمة سادتي بهذا الفعل استن سنة أصبحت بعد ذلك هي الحل والمخرج لمعظم الأحزاب السياسية الطامعة في تولي السلطة….. تري هل يقر السيد الإمام بذلك؟
وعندما صعد المشير جعفر نميري يرحمه الله الي السلطة في العام 1969 تم ذلك بتدبير وتخطيط الرفاق والزملاء … كان السيد الإمام علي سدة رئاسة الوزراء كما جرت العادة عند كل إنقلاب عسكري. … ما أن يبدأ حزب الأمة بقيادة السيد الإمام مشواره الديمقراطي ولا يكاد يخطو خطوة نحو تدمبر االبلاد بأسلوب لا مثيل له لا في العالم العربي ولا الإسلامي حتي ياتيه العسكر علي ظهور الدبابات … فالسيد الإمام دائما ما يستبق الإنقلابات ويمهد لها الطريق بفشل في الإقتصاد وعجز تام في التنمية وانسداد في الأفق .. وخطر علي بالي وأنا أكتب هذا المقال حادثة طريفة ذكرها لي أحد اصدقائي … قال لي أن والدته يرحمها الله ألم بها مغص في معدتها ذات مساء من أمسيات حكم السيد الإمام… أخذها للطبيب .. واثناء فحص حالتها سألها الطبيب عن الوجبة التي تناولتها فذكرت له انها تناولت ساندوتش طحنبة … فبادرها الطبيب بالسؤال “وين لقيتي الطحنية دي”….
صعد المشير نميري الي السلطة بتدبير الرفاق …. ولم يكن ذلك عصيا علي الفهم لآن الرفاق لم يقوموا بنفي ذلك ولم يطلبوا من المشير نميري أن يذهب هو للقصر ويذهبوا هم الي كوبر …. ما فعله الرفاق لم يكن سوي اتباع السنة في الإتيان بالعسكر للسلطة مع بدعة بسيطة تمثلت في أنهم لم يسلموا السلطة للعسكر بل هم من حكم البلاد والعباد.
أما العام 1989 فهو عام المشروع الحضاري … سطا الأخوان المسلمون علي السلطة الديمقراطية علي ظهر دبابات عمر البشير … ولن أحتاج لأن اقول من كان علي سدة رئاسة الوزراء آنذاك فاللبيب بالإشارة يفهم…..اتي الإخوان المسلمون بثوب الشريعة الباهي الذي لم يكن للشعب السوداني أن يرفضه … ولا أخفيكم أنني في وقت لاحق بعد الإنقلاب تمنيت وأنا في بلاد المهجر لهؤلاء الإنقاذيين التوفيق والسداد في ضوء ما كنا نسمع ونري في التلفاز من انجازات مزعومة وشعارات براقة عن ذلك المشروع الحضاري … راينا في الشعارات الخلاص للسودان …. لكنها وبكل اسف كانت الخلاص وبالضربة القاضية علي السودان والسودانيين علي السواء. ……
أعود الي المرات الثلاث التي ضاعت فيها الديمقراطية من يد حزب الأمة القومي …. ففي المرة الأولي رأينا كرما حاتميا من ذات الحزب الحاكم …. قدم رئيس الوزراء السلطة علي طبق من ذهب للقائد العام للقوات المسلحة واستن سنة كريهة يلعنه عليها اللاعنون …. وفي المرة الثانية قام الرفاق باختراق القوات المسلحة وأتوا بالقائد الملهم وكلنا يعلم بقية الحدوتة….. أما في المرة الثالثة ونسال الله العلي العظيم أن تكون الأخيرة فقد قامت الحركة الإسلاموية بالواجب الحضاري .
السؤال الآن … هل نحن حقا نفتري علي القوات المسلحة وندمغهم بجرم لم يسعوا أبدا لإرتكابه … والجواب هو نعم فلا ابراهيم عبود سعي للسلطة ولا جعفر النميري خطط لها حمراء ولا عمر البشير رسمها إخوانية … بل أحزاب بعينها هي التي دبرت الأمر بليل وحكمت بالقوة العسكرية في حالتي نميري وعمر البشير … وسلمتها للعسكر في حالة الجنرال عبود.
ما هو غريب جدا ولا أكاد أجد له تفسيرا سوي انها إنتهازية حزبية أن الثورات التي هبت في الأعوام 1964 و1985 و 2018 كان من ضمن من حاول امتطاءها ذات الأجراب التي كانت السبب في وأد الديمقراطية في الأعوام 1958 و 1969 و 1989 …
نعم نحن نفتري علي القوات المسلحة كذبا عندما نقول أنهم سعوا الي السلطة… ما نحتاجه سادتي بالإضافة الي تصميم شبابنا الثائر علي حراسة ثورتهم المجيدة من أي انقلابات قادمة لا سمح الله…. نحتاج الي ميثاق شرف توقع عليه كل الأحزاب السياسية وحركات الكفاخ المسلح وكذلك القوات المسلحة يكون شعاره …. لا للخيانة …. لا للجوء للقوات المسلحة للوصول للسلطة….
ونحتاج ايضا للكف عن القول دوما بأن العسكر خصموا من عمر ديمقراطية السودان اثنين وخمسين عاما …. من خصم تلك السنين هو حزب الأمة القومي واليساريين والإسلامويين .. تلك هي الحقيقة ولا شيء سواها.

عبدالحليم السلاوي
asalawi@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً