نُـــوُرْ عَلَى نُـــوُرْ- أبْ لِحَايّة، قصصٌ من التراثْ السوداني- الحَلَقةُ الرَّابِعَةُ والأَرْبَعُوُنْ .. جَمْعُ وإِعدَادُ/ عَادِل سِيد أَحمَد
11 أبريل, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
36 زيارة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت فَاطْنَة زوجة الحَطَّابْ، شقيقة لسَعِيْدَة زوجة السُّلْطَانْ… وشاءت الأقدار أن تحرمهما -كلتيهما- من الإنجاب، فأمّا زوجة السُّلْطَانْ، فقد أغناها جاهُها وسطوتها وثروتها عن السعي للإنجاب، واللهث خلف الحكماء لتحقيقه ولم يكن يساورها شعور بأن هناك شيئا ما ينقصها، بخلاف أختها فَاطْنَة وزوجها الحَطَّابْ، اللذان كانا يصلان الليل بالنهار، وهما: يدعوان الله بأن يمنحهما طفلاً أو طفلة.
وشاءت الأقدار أن تحمل زوجة الحَطَّابْ، من دون أختها زوجة السُّلْطَانْ، وهي الفقيرة التي لا تجد قوتَ يومها، فإن أفطرت لم تجد الغداء، وإن وجدته شقَّ، وصعب عليها إيجاد العشاء.
وأصيبت زوجة السُّلْطَانْ، (سَعِيْدَة)، بالغيرة، والحَنَق على أختها الحامل، وحسدتها، وراودتها أفكارٌ شيطانيةٌ، حسودةٌ، بأن تعمل على (إجهاض) حمل أختها.
وفي سبيل حرمان أختها من الطفل، دعت النساء إلى وليمةٍ دسمةٍ، وكانت أختها الجائعة، المُسغبة، ضمن المدعوات.
وما أن رأت فَاطْنَة الطعام الدسم، وشمت رائحته الشهية، حتى هرعت نحوه، وبدأت تأكل بشراهة، فانتهرتها شقيقتها سَعِيْدَة نهرةً جهورةً، بغرض هجمتها ، وترويعها، إرتجّت لها كل أركان المكان، إذ كانت سَعِيْدَة تدري وعلى علمٍ بأنَّ صدمة، وهجمة كهذه: تتسبب في إجهاض أي إمرأة حامل!
واستغربت (فَاطْنَة) من سلوك أختها، واستنكرت حقدها، واستهجنته، وبكــــت.
وعندما عادت إلى منزلها، عادت بقرار صارم، وقالت لنفسها:
– سأغادرُ هذه القرية، إلى أي مكانٍ، مُغادرةً نهائيةً بلا عودة.
وفرتكا الراكوبة، هي وزوجها، وحملا مكوناتها من خشبٍ، وخيشٍ، وحصير، إلى الخلاء، حيث نصبوها مرّةً أخرى، مقيمين لا عابرين، وقال الحَطَّابْ لزوجته (فَاطْنَة)، مشفقاً عليها، ولكنه راضخٌ لإرادتها، في آنٍ واحد:
– الآن، من سيساعدُك في هذا الخلاء؟ إذا ما فاجأك ألم المخاض؟
فقالت له (فَاطْنَة) بثقةٍ كبيرةٍ، وقلب عامر بإيمانٍ كإيمانِ الصَّحابة:
– إن الله سيساعدني!
وما أن خرج زوجها للإحتطاب، حتى فاجأها ألم المخاض… وفيما هي تتألم وتتضرع إلى الله كي يمسك بيدها، رأت أربع نسوة قادمات من بعيد، صوب الراكوبة… ولحسن حظها كانت النسوة الأربعة: جنيّات!
وأشرفت نسوةٌ من الجوار على عملية الوضوع، التي انتهت بسلام، وولدت (فَاطْنَة) طفلةً جميلةً، بل ذات جمالٍ باهر.
وفرحت أمها، وصديقاتها الجُدُد،بالبنت الُوْلِيْدة، وقررن أن يخترن لها إسماً.
فقالت الضيفةُ الأولى:
– سميتها (نُـــوُرْ)، فإن دخلت نُوُرٌ على نُـــوُرْ، ينطفيء النُّور لتضيءُ هي!
وقالت الضيفةُ الثانية:
– أسميتها رُعُــــــوُد، فإذا ما بكت رُعُــــــوُد، هبّت العواصفُ، وأرعدت السحب، وأبرقت، هطلَ المطرُ، نبتت الحُبُوبُ.
وقالت الضيفةُ الثالثة:
– أما أنا، فقد أسميتها لُوْلِيْ، فإذا ما ضحكت لُوْلِيْ، إنساب من فيها اللُؤلُؤُ والمَرَجَان.
أمّا الضيفة الرابعةُ، فقد قالت:
– وأنا أسميتها بَرْتُوْت ، فإذا ما نُفضت برتوت شعرها، تساقط منه البَرْتُوْتُ والمَحلبْ.
ومع الأيام، تأكد لفاطنة تحقق أمنيات ضيفاتها الأربعة، مع إنها لم تكن تعلم أن الضيفات الأربعة كنَّ (جنيَّات) في حقيقة أمرهن.
وكانت إذا ما بكت الرضيعة (رُعُــــــوُد)، هطلَ المطرُ، وازدهرت الأرضُ بالخير الوفير، فيزرع أبُوها، ويبذرُ البذور، ويحصدُ المحاصيل والثمار ويبيع إنتاجه بأثمانٍ مجزية، وإذا ما ضحكت (لُوْلِيْ)، إنسابَ من فيهها اللُؤلُؤُ والمَرَجَانُ، فيجمعه أبوها، ويذهب به إلى السوق، فيبيعه هناك، ويجني المال الوفير.
واستمر الحالُ هكذا، حتى إخضرَّ الخلاءُ كله، وامتلأت خزائنُ الحَطَّابْ (والد لولي) باللؤلؤِ، والمرجان، والأموال الطائلة.
وصار الأبُ قبلةً للناس، بعد أن كان يسعى هو إليهم، مغلول اليد، معقود اللسان.
وفاض المنزل بالبَرْتُوْت، فكانت فَاطْنَة تبيع منه ومن المحلب المتدفق من شعر ابنتها الجميلة (البَرْتُوْت)، . وتهدي لجارتها ومعارفها وصديقاتها.
وصارَ الجوارُ عامراً، وسكنَ فيه خلقٌ كثيرون.
وفي مرّةٍ مِنْ المرَّات، مرَّ أميرُ القريةِ المجاورةِ ببيت الحَطَّابْ (والد نور)، فرآها، وشاهد الخيرَ الوفير، وشهد عليه.
فتقدَّم الأميرُ إلى (الحَطَّابْ) طالباً يد (لُولي).
ووافق الحَطَّابْ على تلك الزيجة فوراً، وبلا أدنى تردد، وقال للأمير إبن السُّلْطَانْ:
– إن ابنتي تملك كلَّ شيء، ولا تحتاج منك مالاً، أو مجوهراتٍ، أو عطور، ولن تكلفك شيئًا، البتة!
وفي هذه الأثناء، كانت خالتها (سَعِيْدَة) زوجة سلطان قريتهما الأولى، قد سمعت بأخبار (نُـــوُرْ)، وسعادة أختها (فَاطْنَة)، وثراء زوجها (الحَطَّابْ)، فمادت بها الأرض غضباً، وامتلأت حقداً، وغيرة، فأرسلت إحدى خادماتها، ومعها ابنتها، وأمرتهما بأن تفقآ عيني نُـــوُرْ، وترميا العينين في القدح القديم. وتلقيا (بلولي) وهي مفقوأة العينين، في الغَابَة، وأن تحتل ابنة الخادمة مكان (نُـــوُرْ) في قَصْر السُّلْطَانْ.
وفعلت الخادمُ ما أمرتها به سيدتها (سَعِيْدَة)، ففقــــــأت عيني (نُـــوُرْ)، ووضعت عينيها في القدح القديم، ثم ألقت بها، وهي في حالةٍ يُرثى لها، في غابةٍ بعيدةٍ، ومُوحِشة.
وشعرت نُـــوُرٌ بحركةِ (حَطَّابٍ) يقطع أشجارَ الغَابَة، فبدأت تُصدرُ أصواتاً، وتلوحُ بيديها، لتلفت انتباهه، وفعلاً شعرَ الحَطَّابُ بحركتها، رغم إنها كانت واهية، وما كان منه إلى أن حملها إلى بيته، حيث تسكن بناته الست، وزوجته.
ولكنهن، أن رأينها، حتى اشمأززن منها، ورفضن وجودها معهن في البيت، وهمهمن:
– حالنا مايل، ولا نجدُ قوت يومنا.
فقالت لهن لُوْلِيْ:
– والله، لن أضرَّكِن بشيء، بل، سأنفعكن نفعاً شديداً.
ثُمَّ طلبت منهن أن يحضرن وعاءً.
وما أن وضعن الوعاء قبالتها، حتى انفجرت لُوْلِي ضاحكةً، وضحكت، وضحكت، فإنساب من فيها اللُؤلُؤُ، والمَرَجَان، وامتلأ الوعاء، عن آخره بتلك الحجارة الكريمة.
وبعد أن زالت دهشةُ الحَطَّابْ، وزوجته، وبناته الستّ، إنطلق بالوعاء إلى السوق، فباع ما يحتويه من لؤلؤٍ ومرجانٍ، وعاد ومعه مالٌ وفيرٌ، لم يتسنى له أن يجمع ما يماثله، طيلة حياته الشقيّة.
وقالت له لُوْلِيْ:
– عليك أن تترك العمل في الاحتطاب، وأنا سأضحك لتفيض الدنيا لؤلؤاً، ومرجاناً، وسأنفض لك شعري حتى يتدفق لك البَرْتُوْت، والمحلب.
واستمر الحال كذلك، فأثرى الحَطَّابُ ثراءً فاحشاً، وهنأت أسرته بالغنى وسعة الحال.
ولكن، لُوْلِيْ كانت من دون عينين، وقد فارقتها السعادة منذ زمن!
وذات صباح، أعطت لُوْلِيْ الحَطَّابْ طبقاً من الفضة، والذهب، وقالت له:
– إذهب بهذا الطبق إلى قصر السُّلْطَانْ، لتعرضه للبيع هناك، ولكن، بشرط أن يكون ثمنه (عُيُونَاً)، وليس نقداً، أو مال.
وذهبَ الرجلُ، وهو يحملُ الطبق، لبيتِ السُّلْطَانْ، وهناك، رأته الخادمُ التي كانت قد فقأت عيني لُوْلِيْ أوَّل مرة، وأعجبها الطبق الثمين.
ولأنها لم تربط بينه وبين لُوْلِيْ، أو تظن أن لها فيه مأرب، فقد أمرت بنتها أن تأتي بعيني (مَقطُوعَة الطارِي) حسب تعبيرها، من القدح القديم، وتعطيها للرجل، في مقابل الطبق الذهبي، المُفضّض.
وعاد الرجل للولي بعينيها، ووضعوهما في محجريها، ثُمَّ سقوا العينين بلبن ماعز.
وما أن سكبوا فيهما اللبن، حتى تعافت العينان، واستعادت (لُوْلِيْ) بصرها بالكامل، ورأت كل شيءٍ بوضوحٍ تام، فضحكت، واستردت جمالها، وبهائها كعهدها الأول، نُـــوُرٌ على نُـــوُرْ.
في غياب نُـــوُرْ، كان زوجها الأمير قد مرض مرضاً، شديداً، وغلب دواؤه المداوين، وعندما فشلوا وأعيتهم الحيلة، لجأوا إلى حكيم.
وأمر الحكيمُ بأن يُترك ابن السُّلْطَانْ، وحده، معزُولاً، وألا يدخل عليه أحد، ولا حتَّى زوجته المزيفة (ابنة خادمة سعيدة، زوجة السلطان الشريرة)، كما أمر أن توضع قطعة حمراء فوق وجهه، وقطعة زرقاء في أرجله.
أمّا لُوْلِيْ، فقد عادت، بعد شفائها، ليلاً إلى بيتها في قصر السُّلْطَانْ، ورأت حال زوجها، فقالت:
– سلامٌ عليكَ يا نُـــوُرْ، أنت تنطفيء، وأنا أنُـــوُرْ؟ ولا أنا أنطفيء، وأنت تنُـــوُرْ؟
فقال لها النُـــوُرْ:
– لا، أنا الإنطفيء، و أنتِ تنُـــوُرْي.
ونارت نُـــوُرْ…
وجلست والعشقُ بعينيها، بجوار زوجها، تؤانسه، وشعرت أنه بدأ في الإفاقة، تدريجياً، واستمر جلسوها بجواره إلى قريب انبلاج الصبح، ثم غادرت عائدة إلى بيت الحَطَّابْ، وبناته الست، وزوجته، بجوار الغَابَة.
وفي اليومين التاليين، واصلت نورٌ الجلوس بجوار زوجها.
وفي ختام اليوم الثالث، أفاق الأميرُ ابن السُّلْطَانْ، نهائيّاً، وعادت له قدرته على التواصل مع أسرته، وتحدث إلى أمه، وأبيه، وأخوته!
ولما كانت نُـــوُرْ تبدل القطعة الحمراء مكان القطعة الزرقاء، حينما زارته في مرضه، فد أخبر الأمير أهله، وقال لهم:
– كنتُ أجد القطع الحمراء والزرقاء مُبدّلة، وأسمعُ همسًا، وأرى شعاعاً، ولكنني لا أدري، على وجه الدقة، ما كان يحدث معي في كل مساء.
فقرر جميع سكان القَصْر السهر ليلاً، وحراسة الأمير، حتى يروا ما يحصل عليه في المساء، وماذا يجري معه؟
وجاءت نُـــوُرٌ، فقالت:
– سلامٌ عليكَ يا نُـــوُرْ، أنت تنطفيء، وأنا أنُـــوُرْ؟ ولَّا أنا أنطفيء، وأنت تنُـــوُرْ؟
فقال لها النُـــوُرْ:
– لا، أنا الإنطفيء، و أنتِ تنُـــوُرْي.
وأنارت نُـــوُرْ…
وجلست بجوار زوجها، وبدلت القطع الحمراء، والزرقاء بين رجليه، ورأسه، وبدأت تؤانسه.
ومع إن الأمير كان قد تعرف عليها، إلا أنه تناوم ، واستمع إليها بإهتمامٍ شديد، للآخر.
وقُبيل إنبلاجِ الفجر، عندما همت نُـــوُرٌ بالمغادرة، أزاح الأمير القطعة الزرقاء، وفتح لها وجهه، وأمسك بيدها مبهوراً، وسألها بلهفةٍ، وفُضُول:
– أين كنت؟ وما هو سر اختفائك؟ وما هي قصة مرضي؟ وما؟… وما؟
وطلب منها أن تحكي له كل شيء، وتفاصيل التفاصيل,
فحكت، نور للأمير، كل ما جرى.
ولمَّا أصبحَ الصبحُ، أخبر الأميرُ أباه السُّلْطَانْ بما قالته له نُـــوُرْ، وهكذا انكشف أمر (سَعِيْدَة)، وخادمتها، وابنتها، وأمر الملك بنفيهن الثلاثة.
أما نور، فقد رجعت إلى القَصْر، كريمةً، معززةً وهي تضحك، فتضحك معها الدُّنيا، وتفيض، لُؤلُؤاً، ومَرَجَان.
////////////////////